في الخميس الأخير من كل شهر " أم كلثوم تعود من جديد"...

في الخميس الأخير من كل شهر " أم كلثوم تعود من جديد"...

مساء الخميس الماضي وعلى كوبري 15 مايو الشهير في القاهرة، حصلت معركة حامية بين سائق تاكسي مصري وبين سائق سيارة ملاكي. تبادل السائقان الشتائم، وبدا من صوتيهما العالي أن المعركة بينهما ستطول.

أدى الأمر إلى توقّف مئات السيارات، وترجم السائقون غضبهم بأصوات كلاكسات مزعجة زادت المشهد قتامة وسببت تلوثاً سمعياً حقيقياً.

لكن، تحت الكوبري نفسه، كان الأمر مختلفاً تماماً، حيث كانت الموسيقى تنساب بهدوء، وكوكب الشرق أم كلثوم تشدو "ودارت الأيام"، وأمامها جلس العشرات من جمهورها في حالة سلطنة واضحة.

لم يكن ينقص هذه اللوحة الرائعة سوى جمهور من الرجال يرتدون بدلات كلاسيكية رسمية، ونساء يرتدين فساتين سهرة ويحملن مراوح في أيديهن ليكتمل مشهد القاهرة في الستينيات.

أم كلثوم تعود من جديد

في الخميس الأخير من كل شهر، تستضيف ساقية عبدالمنعم الصاوي في الزمالك (مقرها أسفل كوبري 15 مايو) حفلاً يحمل عنوان أم كلثوم تعود من جديد، والغناء على المسرح لدمية خشب تشبه في ملامحها وملابسها كوكب الشرق، وخلفها دمى تشبه الفرقة الحقيقية التي كانت تعزف لأم كلثوم الأساسية في الماضي.

يوم الخميس الماضي، حضر رصيف22 أحدث حفل لأم كلثوم في الساقية، غنت الدمية وهي تتمايل وتحمل في إحدى يديها منديلاً، على كلمات أغنتين هما، ودارت الأيام (تأليف مأمون الشناوي وألحان محمد عبدالوهاب، إنتاج عام 1970م) وحيرت قلبي معاك (تأليف أحمد رامي وألحان رياض السنباطي، إنتاج عام 1961).

 

دمية أم كلثوم التي ظهرت لأول مرة عام 2007، كانت حلماً قديماً لمؤسس الساقية المهندس محمد عبدالمنعم الصاوي منذ سنوات طويلة، من قبل حتى إنشاء الساقية رسمياً، أراد الصاوي أن يجعل المصريين يستمتعون مرة أخرى بأغاني أم كلثوم التي يعشقها هو إلى حد الجنون، لكن في شكل فني إبداعي مختلف.

وبما أن الصاوي يعشق أيضاً فن صناعة العرائس وتحريكها، فقد وجد أن حبه لأم كلثوم وصناعة العرائس في الوقت نفسه يمكن أن يخرج في هذا الشكل الفني.

يقول الصاوي لرصيف22: "إعادة أم كلثوم إلى الحياة أكثر من مجرد حلم في إعادة الفن الراقي إلى الحياة، هو رغبة في إعادة قيم جميلة وأخلاق راقية، هو باختصار حلم في إعادة كل شيء جميل مرة أخرى إلى مصر".

أطلق الصاوي مشروعه الفني مسرح العرائس عام 2005، بعروض مسرحية للكبار والصغار، وبعد ذلك بسنتين، ظهرت أم كلثوم لجمهور الساقية لأول مرة في حفل حقق نجاحاً كبيراً، لكن الصاوي لم يتوقع حين صمم دمية أم كلثوم أن تحقق الفكرة كل هذا النجاح.

حفلات أم كلثوم تستضيفها دائماً قاعة الحكمة التي تعد أهم قاعات الساقية، وتتميز بوجود أجهزة صوت جيدة، ومقاعد مريحة، تجعل التجربة متعة لا ينساها أبداً من يخوضها، يشبه الأمر فعلاً الانتقال إلى الماضي في آلة زمن، وسعر تذكرة الحفل 25 جنيهاً مصرياً أقل من دولار وربع الدولار.

شباب في حضرة الست

حين تنظرون إلى جمهور حفلات أم كلثوم في الساقية بمنظور عين الطائر، ستلاحظون أن غالبيته من جيل الشباب. وهذا الأمر ينسف مقولة أن من يستمع لكوكب الشرق حالياً كبار السن فقط. طلاب وخريجون من المستويات والثقافات كلها، يجمع بينهم عشقهم لصوت أم كلثوم بكل ما يحويه من أصالة وعراقة وقوة.

لكن، يبدو أن هناك أمراً آخر يجمع بين هؤلاء الشباب من جمهور حفلات الست، وهو عشقهم لزمن مضى، حين كانت مصر أقوى وأجمل وأكثر رقياً.

يقول أحمد هلال (25 سنة) أنه يحضر تلك الحفلات كل شهر، ولا يفوّت حفلاً، وهدفه أن يبتعد ولو لساعات قليلة من صخب القاهرة وتلوثها الشديد، يقول أنه يشعر بأنه عاد بالزمن إلى الخمسينيات والستينيات حين كانت مصر نظيفة.

يستمع هلال أيضاً لغالبية المغنيات والمغنين من الجيل الحالي، كما أنه يسمع أغاني شعبية ويحب صوت المطرب أحمد شيبة (مطرب شعبي اشتهر بعد أغنيته آه لو لعبت يا زهر) ولا يرى في الأمر أي تناقض.

"لا يعني استماعي لأغني أم كلثوم أنني ضد الحاضر، هو يعني فقط أنني أحتاج بين وقت وآخر إلى شحنة من الإبداع الحقيقي لتعطيني طاقة على أن أكمل الحياة في مدينة قاسية وصعبة مثل القاهرة، فأنا في الأساس من صعيد مصر، وأعيش هنا بمفردي، وحين أستمع لأغاني أم كلثوم أتذكر أمي الراحلة، فهي كانت تعشق كوكب الشرق"، يختتم هلال.

ووفق قول شيماء خيري (28 سنة) فإن حضور حفل لأم كلثوم في الساقية، يجعل الإنسان ينظف أذنيه وعينيه من كل التلوث السمعي والبصري الذي أصبح يغلف غالبية التفاصيل في مصر في السنوات الأخيرة.

"أول مرة حضرت حفل لدمية أم كلثوم كانت عام 2014، ومنذ ذلك الوقت، وأنا أشعر بأنني وقعت في غرام هذه الدمية الرائعة التي صُنعت بمهارة فائقة، أتعامل معها كأنها أم كلثوم الحقيقية، وحين أشاهد حفلاً حقيقياً لكوكب الشرق على فضائية روتانا زمان، أقول لمن معي أنا كنت في هذا الحفل"، تضحك خيري.

 

كان هناك حضور من كبار السن أيضاً، منهم يوسف ميشيل، في العقد الخامس من عمره، والذي يقول أن والده هو من علمه عشق أم كلثوم، يعتبر ميشيل أن حضوره حفلات لأم كلثوم في الساقية هو نوع من أنواع الحنين إلى الفن الراقي وإلى والده في الوقت نفسه.

"مصر لم تعد مثلما كانت في الماضي، كل شيء أصبح قبيحاً، لكنني وعلى الرغم من كل شيء مُصرّ على حب هذه البلد، فليس لي وطن غيره، لذلك حضور حفل لأم كلثوم في الساقية، يعني أنني أحب مصر على الرغم من كل شيء، أريد تذكر الفن والثقافة، حتى لا أنسى أن بلادي كانت عظيمة ذات يوم قبل أن ينهشها وحش الإسفاف"، يقول ميشيل.

أقوال جاهزة

شارك غرد"حضور حفل لأم كلثوم في الساقية، يعني أنني أحب مصر على الرغم من كل شيء، أريد تذكر الفن والثقافة، حتى لا أنسى أن بلادي كانت عظيمة"

شارك غرد"أول مرة حضرت حفل لدمية أم كلثوم كانت عام 2014، ومنذ ذلك الوقت، وأنا أشعر بأنني وقعت في غرام هذه الدمية الرائعة"

يعيش محمد علي (19 سنة) في منطقة إمبابة الشعبية بمحافظة الجيزة، ويدرس في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، هو غير منتظم على حضور حفلات أم كلثوم في الساقية، لكنه يحب التجربة ويراها إبداعاً حقيقياً وفق وصفه.

وحسب قول الطالب المصري، فإن الحفل يجعله يشعر بالتحضر والرقي، لكن الأمور تختلف حين يعود إلى المنطقة الشعبية التي يسكن فيها ويستخدم التوك توك وسيلة مواصلات ويستمع للأغاني الشعبية التي يعشق الاستماع إليها سائقو التوك توك بغالبيتهم في مصر "أشعر بتناقض كامل، وبأنني استيقظت من الحلم الذي كنت فيه في الساقية وعدت إلى الواقع المصري".

يتمنى علي أن تعرض الحفلات مباشرة على إحدى القنوات المصرية على الهواء، "فبالتأكيد هناك من يتمنى أن يعيش التجربة، لأن المسافات أو الظروف المادية تمنعه".

وتقع ساقية عبدالمنعم الصاوي على شاطئ نيل القاهرة، وبالتحديد في حي الزمالك، وتأسست عام 2003 بشعار مستمر معها حتى الآن وهو "تسقي فكراً وثقافة" وتقدم حفلات فنية لفرق الأندر غراوند، وتقيم نشاطات فنية وثقافية بشكل مستمر.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

التعليقات

المقال التالي