حكاية العم يسري: المعالج النفسي والحرفي في أقدم ورشة لصناعة الأطراف الصناعية

حكاية العم يسري: المعالج النفسي والحرفي في أقدم ورشة لصناعة الأطراف الصناعية

بينما تتجولون في شوارع باب الشعرية، أحد أقدم أحياء القاهرة، بحثاً عن حكايات تكشف لكم ما تركه الفراعنة القدماء من أسرار وذكريات، ستجدون أنفسكم غارقين في الكثير من التفاصيل التي ترغمكم على أخذ قسط من الراحة. وقتذاك تسمعون صوته يناديكم مُرحباً بكم على طريقة المصريين، وربما يطلب منكم أن تشاركوه في تناول الشاي أو القهوة.

اسمه يسري حسن المصري، أو "عم يسري" كما يحلو لأهل الشارع أن يسموه.

في ورشته الصغيرة التي مضى على افتتاحها نحو 100 عام، يجلس في كل صباح متكئاً على أدواته البسيطة ليعيد إلى من فقد طرفاً ما يُمكّنه من تحمل الحياة ويؤهله للتعامل معها من جديد.

يحكي عم يسري حكايته وحكاية ورشته التي تعدّ أقدم ورشة لصناعة الأطراف الصناعية في مصر: "بعد أن أنهيت دراستي، وحصلت على الشهادة الإعدادية، جئت إلى هنا وبدأت مشواري مع الحياة العملية. لم أكن غريباً عن الورشة، فقد كنت أحفظ كل شبر فيها عن ظهر قلب، لأني منذ صغري كنت أزورها مع أبي. مع الوقت، أحببت المهنة، ثم قررت مزاولتها".

ويضيف: "أنا الابن 11 لوالدين أنجبا 13 صبياً وفتاة، ولي ثلاثة أبناء. أغلبنا عشق هذه المهنة التي توارثناها جيلاً بعد آخر. والحمد لله نجحنا فيها نجاحاً كبيراً".

أقوال جاهزة

شارك غردأعمل أولاً على تهيئة الشخص نفسياً لأني مدرك جيداً أنه يكون في حالة سيئة بسبب فقدان أحد أطرافه

شارك غردقديماً كانت الأطراف تُفقد في الحروب ومع الوقت تغيرت المعادلة وزاد عدد مرضى السكري وأغلبهم يتم بتر أطرافهم

ويروي عم يسري: "زبائنا من جميع الأطياف والطبقات، يأتون إلينا من جنوب الصعيد ومن شرق البلاد وغربها، وعلاقتي بهم ممتازة. بعد انتهاء العمل يحرصون على زيارتي من وقت لآخر لتقديم الشكر على ما فعلته لهم".

ماذا فعلت؟

حين يأتي إلي أي زبون، أعمل أولاً على تهيئته نفسياً لأني مدرك جيداً أنه يكون في حالة سيئة بسبب فقدان أحد أطرافه. وهناك من يأتي بعد فقدان أكثر من طرف. أتحدث معه وأشرح له أن الحياة مستمرة ولن تقف عند جزء فقدناه، وأن علينا أن نكون أقوى من كل الأزمات حتى نكمل الحياة مع من نحب. وفي بعض الأحيان، أذهب إلى زبائني في بيوتهم إذا كانوا غير قادرين على الحضور إلى الورشة.

كيف تصنع الطرف الصناعي؟

بعد تهيئة الزبون نفسياً، نبدأ مرحلة التصنيع. في البداية أساله عن حالة الطرف الآخرر "السليم". فإذا كان به علة نعالجها أولاً. ثم نأخذ مقاساً من مادة الجبس للرجل أو اليد. ثم نعمل بطانة من الكاوتشوك فوق الجبس والمعدن المستخدم في المفصلات حتى لا يحتك الجلد بهما. وبعد ذلك نصب مادة البوليستر أنتوسين حتى يصبح الطرف خفيفاً.

هل الخامات المستخدمة مصرية أم مستوردة؟

نستورد فقط مادة البوليستر أنتوسين، أما باقى الخامات فهي مصرية 100%، وبشأن ما أصنعه فهو يتفوق على المنتج الألماني.

يبدو أن ثقتك في نفسك عالية جداً.

اسألوا زبائني، بعضهم يحضر لي أطرافاً ألمانية ويريد عمل نماذج شبيهة بها، وبكل تواضع تفوقت عليها، لأني أفكر دائماً في أن أضيف لكل طرف لمستي الخاصة.  ومن باب الاطلاع، أزور المراكز المتخصصة في صناعة الأطراف وأتابع أي جديد وصلت له، كذلك أشاهد الأفلام الأجنبية التي تتكلم عن ذوي الاحتياجات الخاصة.

وماذا عن الأسعار؟

ثمن الرجل الصناعية الأجنبية يراوح بين  15 و 18 ألف جنيه مصري (850 ـ 1000 دولار). أما ثمن الرجل الصناعية المصرية فلا يتجاوز الـ3 آلاف جنيه أي "170 دولاراً".

هل يمكن اعتبار انخفاض أسعارك مقارنة بأسعار الأطراف المستوردة هو المبرر الأول لتمسك زبائنك بك؟

طبعاً لأن معظمهم فقراء. حتى أن بعضهم يخبرني بأن ولاد الحلال جمعوا له أموالاً مقابل الحصول على طرف. وهنالك رجال أعمال أيضاً يطلبون مني عمل أطراف لأشخاص معينين من دون ذكر أسمائهم، كنوع من الزكاة عنهم وعن أموالهم.

ماذا عن فترة التدريب التي يحتاجها الزبون ليصبح قادراً على الحركة بمفرده؟

قرابة 20 يوماً. المهم أن يكون صبوراً ويتقيد بالإرشادات. علماً أن هنالك أشخاصاً يفضلون البقاء من دون أطراف تعويضية حتى يستغلوا عاهتهم في أعمال التسول.

اضطررت أخيراً إلى قطع إحدى أصابع قدمك لإصابتك بمرض السكري...

مرضت في أحد الأيام، وعندما ذهبت إلى الطبيب أخبرني بأني لا بد أن أخضع لجراحة بتر إصبع قدمي اليسري فوراً وإلا امتد المرض إلى باقي القدم، وأضطر إذ ذاك إلى بترها كلها. فاستسلمت لقدري وإرادة الله، وأجريت الجراحة.

هل قرّبتك تلك المحنة من زبائنك أكثر من أي وقت مضى؟

لا، فأنا طوال عمري قريب منهم، وأساعد المحتاج منهم.

ما هي أطرف وأصعب المواقف التي واجهتها في مشوارك؟

مثلاً، يأتي إلي أحدهم ويخبرني بأن الطرف الذي صنعته له ليس جيداً أو أنه غير متأقلم معه أو أن مقاسه غير صحيح، وقتذاك آخذ منه الطرف وأخبط عليه خبطين حتى يرضى عنه. هو موضوع نفسي مش أكثر.

ذات مرة، جاءني رجل كبير في السن وعاجز، لأصلح له طرفاً صناعياً قديماً، ولأنه وحيد وفقير لم أطلب منه أي مقابل. وحين عرضت عليه نقله إلى حيث يقيم، اكتشفت أنه فقد قدرته على التحكم في تغوّطه، فقضى حاجته في ثيابه، وأصبحت رائحته كريهة. بقيت معه من السادسة مساءً حتى السابعة من صباح اليوم التالي في الشارع لأقنع واحداً من السائقين بأن ينقله إلى بيته، ولم أوفق.

لا تنحصر مهارات عم يسري في صناعة الأطراف الصناعية فقط، فهو أيضاً يصنع الكراسي لذوي الاحتياجات الخاصة، يقول: " هذا النوع من العمل أصعب من صناعة الأطراف، لأن تفاصيله كثيرة، مواسير، ونيكل ثم نرسل الكرسي إلى المنجد ليصنع له فرشاً، ثم نركب العجلات...

ويضيف: "لا أملُّ من السعي وراء كل جديد. سمعت أنهم في الدول الأوروبية يأخذون الطرف من المتوفي حديثاً ويقومون بتركيبه للمريض عن طريق لحام الشرايين، لكني لا أعرف إذا كان هذا حقيقياً أم لا".

وماذا عن مستقبل المهنة؟ يجيب: "باقية، لأن عدد من يفقدون أطرافهم في ازدياد، فقديماً كانت الأطراف تُفقد في الحروب. وبمرور الوقت تغيرت المعادلة وزادت أعداد مرضى السكري وأغلبهم يتم بتر أطرافهم".

التعليقات

المقال التالي