"الحلوة لما تتدلع تخلي الأسفلت يولع" و"هسيبك كده ورايا أنت مش مستوايا"... خذوا الحكمة من ظهر التوك توك

"الحلوة لما تتدلع تخلي الأسفلت يولع" و"هسيبك كده ورايا أنت مش مستوايا"... خذوا الحكمة من ظهر التوك توك

ينصحكم العقلاء دوماً بأن تأخذوا الحكمة من أفواه الحكماء. لكن هل جربتم يوماً أن تأخذوا الحكمة من ظهر "التوك توك"؟

في أزقة مصر ينتشر "التوك توك"، ذلك الاختراع الذي عجز الكثيرون حتى الآن عن إيجاد تعريف واضح له. فلا هو سيارة ولا دراجة نارية إنما مزيج من الآلات والمعدات التي تتشاكس معاً بصوت صاخب لتتنقل بكم بين الأزقة التي يصعب على السيارات الوصول إليها.

الفكرة نفسها تنسحب أيضاً على سائقيه، فهم من مختلف الأعمار، وغالبيتهم يعملون بدون تراخيص.

يمنع رجال المرور في مصر سير "التوك توك" في الشوارع العامة، فهو، عدا مظهره غير الحضاري، يتسبب بكثير من المشكلات، الأمر الذي دفع أصحاب التكاتك إلى تغيير الصورة المحفوظة عنهم.

فكان لنا أن نرى معارض متحركة على ثلاث عجلات، تضم رسومات وعبارات على ظهر التوك توك، في ظاهرها الحكمة وفي باطنها خواء لا متناهٍ يعبر عن أناس لم ينل أغلبهم أي قسط من التعليم، الأمر الذي ينتج عنه انتهاك صارخ للغة العربية.

لماذا يسعى هؤلاء إلى الكتابة على ظهر التوك توك؟

يجيب محمود الصواف، سائق "توك توك"، 41 عاماً: "الموضوع كله نوع من أنواع التنافس بين السائقين، لأن الزبون بيحب التوك توك النضيف، وكل ما كان متزين وعليه كلام حلو هيشد الزبون. التكاتك كترت أوي في مصر وعشان كده كل واحد بيدور على طريقة يضمن بيها أكبر عدد من الزبائن. كتبت على ضهر التوك توك "يا جبل ما يهزك ريح"، ومن خلالها بحب أقول لكل سواق إنه مش قدي، وأني ممكن أخطف منه أي زبون وأنا سايب إيدي في الهوا".

وكان عدد كبير من السائقين اتفقوا على تلك الفرضية، أما طارق الجبلاوي وشهرته "القط"، 18 سنة، فقد اختار أن يكتب "اللهم اكفنا شر الحاسد والحاسدين"، وعن هذا قال لنا: "إحنا بنكتب آيات القرآن عشان ربنا يبارك في الفلوس اللي بناخدها، وعشان كمان كتر الحوادث، أنا عملت بالتوك توك ده أكتر من حادثة قبل كده، وفي الآخر واحد نصحني أشغل القرآن فيه على طول وأكتب عليه كام آية قرآنية".

وهل انتهت تلك الحوادث؟

يجيب ضاحكاً: "والله لسه.. الظاهر العيب فيا وأنا مش واخد بالي".

عرف هؤلاء ماذا يكتبون على التوك توك ولماذا كتبوه، غير أن العم صلاح، 56 سنة، سائق توك توك، لا يبالي بكل ذلك، ولا يعرف حتى ما المكتوب على ظهر التوك توك. يقول: "والله مش عارف الكلام اللي مكتوب عليه ده إيه ولا معناه إيه. أنا شغال عليه من فترة قصيرة بسبب ضيق الحال واحتياجي إلى المال، وأصلاً مش بعرف أقرأ ولا أكتب، المهم زبون يجي ويركب. مش مهم إيه اللي مكتوب".

أقوال جاهزة

شارك غردالأجرة مجاني لو المزة عجباني

شارك غردما تزعليش يا أمورة بكره يركبلك مقطورة

شارك غردما تبصش كده يا عبيط الحلوه دي بالتقسيط

والمكتوب هو "عيش بارد تموت بصحتك". يستقبل العم صلاح الجملة ببهجة، ويعلق: "والله عنده حق اللي كتبها، خدنا إيه من وجع القلب والحزن وإله".

انتخابات التكاتك

تُستخدم التكاتك في مصر لنقل الناس والمعدات والأدوات وكل ما يمكن تخيله، لكن هل تعرفون أن وظيفة مهمة ظهرت للتوك توك خلال الانتخابات البرلمانية عام 2015، إذ استغل بعض المرشحين ظهر التوك توك وعلقوا عليه صوراً ولافتات دعائية لهم، فيما اتفق آخرون مع مجموعة من سائقي التوك توك على نقل الناخبين إلى المراكز الانتخابية بالمجان، مقابل الحصول على مبلغ مالي.

يسترجع محمد ناصف، 32 عاماً، سائق توك توك، حكايته في الانتخابات: "وقت الانتخابات كانت أحلى أيام. كان المرشح من دول بيتفق معانا بالساعة، كنا وقتها بناخد 100 جنيه (5.6$) على كل ساعة، وكانت كل مهمتنا نوصل الناخبين للمقرات الانتخابية.

مش مهم هما مين وهيدوا له صوتهم ولا لأ، المهم إننا في آخر اليوم نشوف إحنا اشتغلنا كام ساعة ونقبض. دلوقتي بقى كله بيفاصل في تمن الأجرة وبيوصل الأمر في بعض الأحيان إلى خناقات بين السواق والزبون. وده اللى بيخليني دايماً أقول يا ريت أيام السنة كلها تبقى انتخابات".

الفنان خلف التكاتك

الآن لدينا طرفا المعادلة، السائق الذي يختار العبارة أو الصورة الموضوعة على ظهر التوك توك، والتوك توك ذاته، في انتظار الضلع الثالثة، وهو الفنان صاحب البصمة الذي يخط تلك الجمل، معلناً عن موهبة يتم استثمارها في معارض متجولة على الطرق وبين الحارات الشعبية.

في شارع صغير بمنطقة شبرا الخيمة في محافظة القليوبية، يمكنكم أن تسألوا عن عبد العزيز أو "زيزو"، 28 عاماً، كما يعرفه أهل الحي، وهو خريج كلية الفنون الجميلة، يعمل منذ سنوات في مجال الدعاية والإعلان. وهو ملاذ سائقي التوك توك ممن يبحثون عن كتابة أي جديد.

يقول زيزو عن حكايته مع سائقي التوك توك: "أغلبهم يأتي إلى هنا ويطلب مني كتابة عبارات تنم عن مدى القدرة على المنافسة، فيما يلجأ بعضهم إلى كتابة الأفيهات المنتشرة في الأعمال الفنية، وآخرها "مسرح مصر"، أو المهرجانات التي لاقت رواجاً، مثل "ألعب يالا" و"لا لا"، وهناك من يكتب آيات قرآنية أو يضع صور أطفاله ومعها عبارات عن الحسد والمحسدوين.

يتابع لرصيف22: "بحسب نوع الكتابة أحدد أجري. آخذ 20 أو 30 جنيهاً (1$) مقابل كتابة جملتين، أما أجر صورة بالألوان أو أبيض وأسود، فحوالى 100 جنيه (5.6$)".

يضيف: "طبعاً، كتابة الجمل لا تحتاج إلى الكثير من الوقت، وبتخلص في نفس اليوم، هذا طبعاً إذا لم أكن مشغولاً بشيء آخر أهم، أما الصور فهي تحتاج من يومين إلى ثلاثة".

وتابع عن أطرف موقف صادفه مع سائقي التوك توك "هي مواقف كثيرة، لكني لا يمكن أن أنسى أحد السائقين الذي جاء إلي في يوم وأصر على كتابة عبارات تخدش الحياء، وعندما رفضت ضربني ومضى إلى حال سبيله، كذلك لا يمكن نسيان من يحضرون بجمل مكتوبة بشكل خاطئ ويصرون على كتابتها بحجة أني مبفهمش في اللغة".

سألنا زيزو عن أشهر الحكم التي كتبها على ظهور التوك توك، وعن الحكم المطلوبة أكثر من غيرها، فذكر أبرزها:

  • بدل ما تبصله جيب جردل واغسله
  • روتانا توكتوك مش هتقدر تمشي على رجليك
  • متحسدنيش يا حارة.. ده توكتوك مش طيارة
  • عضة أسد ولا نظرة حسد
  • الأجرة مجاني لو المزة عجباني
  • في ناس زي اللب رخيصة بس بتسلي
  • ضربت الودع ملقتش صاحب جدع
  • لو صاحبك مش تمام اعرف أنه تربية المدام
  • حاسب ده توك توك محاسب
  • السواقة دي فن مش عن عن
  • الحلوة من اليابان وصاحبها راجل غلبان
  • الحلوة لما تتدلع تخلي الأسفلت يولع
  • ما تبحلقش كده يا لوح دي جت بطلوع الروووح
  • ما تبصش كده يا عبيط الحلوه دي بالتقسيط
  • سوقوا بالراحة يابهايم أصل سواق العربية نايم
  • الحلوة خوخه جت بعد دوخه
  • دلعها في الغيارات وريحها على المطبات
  • متقولش دي بكام دي جايه بدهب المدام
  • لما كنت عصفور كلوني ولما بقيت أسد صاحبوني
  • تركب أسليك.. تنزل أولع فيك
  • ما تزعليش يا أمورة بكره يركبلك مقطورة
  • بنزين في التنك ولا مليون جنيه في البنك
  • هسيبك كده ورايا.. انت مش مستوايا
  • اتنين ملهمش أمان.. الفرامل والنسوان
  • أنا مظبطها أوعى تخبطها
  • لو صاحبك خانك اعتبره دخانك
  • مش هيصعب علينا حد علشان ما صعبناش على حد
  • حلوة ومتلمعة.. وع السكة متشخلعة
  • رميت همومي في البحر طلع السمك يلطم

انفرادية ومقاومة

تحتاج هذه الظاهرة إلى تشريح وتفسير، وهذا ما نجده عند فؤاد العليمي، أستاذ علم النفس بجامعة الإسكندرية، إذ قال إن تلك الكتابات تعد نوعاً من أنواع المقاومة، يبحث أصحابها عن التأكيد على هويتهم الشخصية. كما أنهم يريدون لفت الانتباه إليهم، ولأنهم من أصحاب الميول الاستعراضية يتفننون في اختيار الجمل التي تحظى برواج في المجتمع على أمل جذب الأنظار.

ورأى العليمي أن تلك العبارات تدل على انحدار في الذوق العام، وهو ما جاء كردة فعل لما نشاهده على الشاشة من أفلام ومسلسلات تروج للبلطجة، وتقدم أسوأ نماذج الحارة الشعبية بكلمات ومصطلحات دخيلة على المجتمع واللغة على حد سواء.

أما محمد محسن، الباحث الأكاديمي بكلية الآداب، في جامعة جنوب الوادي، فقد خلص من خلال البحث الذي أجراه على تلك الظاهرة، إلى أن الجمل المكتوبة على التوك توك تختلف من مكان لآخر، بحسب ثقافة البيئة والعادات والتقاليد.

وختم أن هذا الفعل نتاج أصيل من التراث الشعبي، يجب جمعه وتدوينه والحفاظ عليه، كما تم جمع الأمثال والحكم من قبل.

التعليقات

المقال التالي