بيلا الحديدي: إنترسكس عانقت شتى أنواع التعذيب لتبقى امرأة

بيلا الحديدي: إنترسكس عانقت شتى أنواع التعذيب لتبقى امرأة

"بكلتا يديها جذبتني إلى حضنها الذي طالما تمنيت أن يحتويني، راحت تطمئنني بأن كل شيء سوف يكون بخير، وأنا سأكون بخير، وفي اليوم التالي مباشرة فتحت الباب للبلطجية، مشيرةً لحجرتي حيث كنت نائمة، دفعت لهم مالاً  ليوسعوني ضرباً وركلاً حتى النزف وعلى مرأى ومسمع منها ومنه ومنهم جميعاً. عن المرأة والرجل اللذين أتيا بي إلى هذه الدنيا أتحدث".

هذا ما تخبرنا به الإنترسكس المصرية إيزابيلا الحديدي، فتكشف تفاصيل حياتها من خطف وإذلال واعتداءات وحبس انفرادي لاقته على يد أسرتها لسنوات، هي سنوات طفولتها ومراهقتها ومطلع شبابها.

"عملت إيه يا ربي عشان أخلف خُنثى"

بنظرات مشتتة خائفة تعلو وجهها ذا الملامح الطفولية، وبملابس واسعة تحاول بها إخفاء جسدها عن العيون المتطفلة، تسترجع "بيلا" ذات العشرين ربيعاً تفاصيل طفولتها وتحكي لرصيف22 كيف أنها كانت ترتدي مع شقيقتها نفس الملابس منذ أن جاءت للدنيا، وتتصرف كأي طفلة في عمرها من دون اعتراض أسرتها، التي اعتبرت حالتها مجرد ارتباط عاطفي زائد بشقيقتها الكبرى سيتغير مع الوقت، وقد سجلتها في الأوراق الثبوتية بوصفها مولوداً ذكراً.

لكن "بيلا" خلال طفولتها الأولى كرهت الألعاب العنيفة والرياضات المعتمدة على القوة تماماً ككُرهها للملاعق الساخنة التي تحرقها بها والدتها لأسباب تافهة، تحكي لشقيقتها الكبرى ما يعتمل بداخلها من تساؤلات عن نوعها كذكر وشعورها الطاغي بأنوثتها، وتبث إليها مخاوفها من نظرات الجيران والأصدقاء الذين يسخرون من شكلها ويتهكمون على صوتها الناعم وحتى جلستها.

أقوال جاهزة

شارك غردالمرأة التي أنجبتني كانت تقف عند باب الحجرة تشاهد في صمت عملية ضربي، وكأني لست ابنتها

شارك غردكان بديل القتل يومها هو الضرب المبرح حتى أنسى تماماً رغبتي في تصحيح جنسي إلى أنثى

نصحتها شقيقتها ألا تخشى أن تصارح والديها بحقيقة مشاعرها كأنثى وليس كذكر. محاولات عدة قامت بها الطفلة لمصارحة والديها لكن الأبوين رفضا سماع مثل هذه الترهات، وعندما وصلت لسن المراهقة لم يكن من الأب الذي لم يجد أمامه الإبن الذي تمناه، إلا أن ذهب بإبنه إلى الطبيب ليرى ماذا يحدث.

تقول: "كانت صدمته قوية عندما علم من الطبيب أن ابنه ليس ذكراً وإنما ثنائي الجنس". وتستطرد "في اليوم التالي، استيقظت كعادتي في الصباح، ارتديت ملابس المدرسة وأخفيت شعري تحت "الأيس كاب" حتى لا يضايقني رفاق المدرسة كالعادة. وإذا بالرجل الذي أنجبني – ولن أقول والدي أو والدتي- يدخل غرفتي بسكين كبير مقرراً ذبحي ولا ينطق سوى بجملة واحدة "عملت ايه يا رب في دنيتي عشان أخلف "خنثى". وانقض على جسدي يريد قتلي في اللحظة التي دفعه بعيداً عني أخي الأكبر وقد أصيب في يده إصابة بالغة من السكين".

السجن المنزلي

وتستكمل "بيلا" حديثها لرصيف22: "أما المرأة التي أنجبتني فكانت تقف عند باب الحجرة تشاهد في صمت، وكأني لست ابنتها، وكل ما سمعته آنذاك منها هو تحذيرها له، "أوعى تودي نفسك في داهية عشان دي".

وكان بديل القتل يومها هو الضرب المبرح بالمناوبة بينه وبين أخي حتى أنسى تماماً رغبتي في تصحيح جنسي إلى أنثى. لم يبقَ في جسدي سنتيمتر واحد لم يصبه أذى. وظللت طريحة الفراش لأسبوعين ثم منعت من مواصلة الدراسة مع أني كنت من المتفوقين رغم اضطهاد المدرسات والزملاء".

لم يجد العاملون بالمصحة أي حرج في التحرش بذلك الشاب الذي يدعي أنه فتاة فيُفتح باب الحمام أثناء استحمامها

تكمل بيلا: "في مجتمع يحتفي بالذكور ويعتبر المرأة وكل ما يخصها عاراً وعورة كان من الطبيعي أن يقوم والدي بتغيير مسار دراستي من ثانوي عام إلى ثانوي صنايع حتى يمكنهم رشوة المدرسة. فربما لو كنت أنثى تريد أن تكون ذكراً لكان الوضع أخف وطأة على والدي وعلى المجتمع الذي يكرس ويدعم الذكورة في كل قضاياه حتى المرضية والصحية منها.

ولعام كامل أصبحت سجينة المنزل، بعد أن كنت ناشطة في حقوق الحيوان أجوب الطرقات بحثاً عن الحيوانات الضالة التي يتفنن البعض في أذيتها فأبحث لها عن مكان بالجمعيات المختصة، كما كنت أعمل بأتيلييه للفنون. فأنا أجيد الرسم وكم تمنيت أن أدرس بكلية الفنون الجميلة وأصقل موهبتي بالدراسة".

في نهاية العام، انهارت مقاومة بيلا وانهار جسدها من الضرب، فاستسلمت لمشيئة أعضاء أسرتها، الذين أخذوها على الفور إلى الطبيب المختص، ليعطيها علاجاً مكثفاً من التستوستيرون لرفع هرمون الذكورة، بعد أن أثبتت التحاليل أن جسدها يحمل نسبة منه أقل بكثير من الحد الأدنى.

رفض التستوستيرون

وبحسب وصف بيلا لحالتها بعد انتظامها في الدواء، فقد كانت من سيىء إلى أسوأ، فمع مرور الوقت انتابتها نوبات من الآلام في منطقة البطن وتطور الأمر حتى أنها كانت تتقيأ دماً، ولم تكن تعرف السبب. وحين كشف عليها أحد الأطباء طالبها بالامتناع فوراً عن تلقي التستوسيترون لأن جسدها يرفضه تماماً، وقد تضررت بالفعل منه، وانتشر التهاب حاد في الكبد والمعدة والمرارة والقولون، مما استلزم عملية في محيط البطن لوقف الضرر.

وتضيف: "بالطبع هذا لم يرضِ عني أسرتي التي لا تأبه لشيء إلا لكلام الناس. فنحن نتزوج ونأتي بأطفالنا لنرضي الناس ونمنع كلامهم عنا، ولا مانع من أن نضحي بأطفالنا أو حتى نلقي بهم في الشارع – كما حدث معي- لإرضاء الناس أيضاً. عارض أهلي بشدة توقفي عن الأدوية وبدأوا في قهري من جديد، فالضرب في رأيهم هو ما سيجعلني أترك المنزل إلى حيث لا رجعة، أو سأرضخ لرغباتهم. وعندما يئسوا، جاءوا ببلطجية ولكن هذه المرة ليخطفوني بعد الضرب وفقدان الوعي. وقد استفقت في مصحة نفسية مقيدة ومحبوسة في إحدى الغرف".

طريق العلاج

لم يجد العاملون بهذه المصحة، بحسب بيلا، أي حرج في التحرش بذلك الشاب الذي يدعي أنه فتاة فيُفتح باب الحمام أثناء استحمامها لتجد من يقف مراقباً، وتُفتح حجرتها ليلاً ويتحسس آخر جسدها، فصممت على إثبات مدى قوتها العقلية للطبيب المختص، وراحت تزوره يومياً راجية منه أن يوقّع قرار رحيلها عن المصحة، وحكت له ما يجري معها حتى قرر هو التواصل مع والديها ومطالبتهم باستلام ابنتهم التي لا تعاني من أي خلل نفسي أو عقلي.

عندما أتت الأم لاستلام ابنتها قالت لها أمام الجميع وبلا خجل "مش عاوزاها، ارموها في أي حتة بعيد عني".

وأكملت بيلا:" قررت أن أبدأ طريق العلاج الصحيح وأكون على حقيقتي، وليس ما يريده الآخرون. وتأججت المشاكل بيني وبين أسرتي حتى جاء يوم كنت أتلقى فيه جلستي العلاجية بالقاهرة، بينما قام الرجل الذي أنجبني بمكالمتي تليفونياً وإخباري بأنهم انتقلوا من البيت نهائياً لبيت لن أعرف طريقه أبداً.

بيتي

ترتسم على فمها ضحكة سخرية وهي تقول: "أخذوا كل شيء حتى ملابسي، والثلاجة التي تحوي أمبولات الأنسولين الخاصة بي. فأنا مريضة سكر وأتناول الانسولين بشكل يومي وإلا أدخل في غيبوبة".

وتصيف: "لسه بحلم بنفسي فنانة وناشطة حقوقية لمناصرة المستضعفين من الأقليات والمنبوذين مش هتنازل عن حلمي رغم ظروفي".

وتختم: "ربما تتجسد مشكلتي الحالية في أنني أصبحت لا أملك حتى حق تغيير هويتي، ولا يمكنني استكمال دراستي، وليس لي عائلة، أهلي يرفضون تسليمي أوراقي الثبوتية حتى أظل بلا هوية وبلا عمل وبلا دراسة، والقانون يقف في صفهم لأني لم أبلغ الواحد والعشرين عاماً بعد".

كاتبة صحافية وقاصة ومحاضرة في قضايا النوع الاجتماعي. باحثة في الحضارات وحاصلة على عدد من الجوائز والمنح في كتابة القصة القصيرة منها جائزة ساويرس الأدبية، ومنحة الصندوق العربي للثقافة والفنون، ولها عدد من الكتب المطبوعة والمنشورة داخل مصر.

التعليقات

المقال التالي