الإيمان بالحسد في الحضارات القديمة والتاريخ المعاصر: هل تقتل "عين الموت"؟

الإيمان بالحسد في الحضارات القديمة والتاريخ المعاصر: هل تقتل "عين الموت"؟

يُعدّ الحسد أو العين الشريرة “evil eye” من بين المعتقدات التي يؤمن بها الإنسان منذ القدم، على اختلاف ثقافته ودينه ودرجة تقدمه. واقترن هذا المعتقد ببعض الممارسات والتعبيرات التي ظهرت مع الحضارات القديمة، حتى أن كثيرًا منها لا يزال يستخدم حتى اليوم.

تاريخياW، يعود الإيمان بالحسد للعصر الحجري القديم العلوي، حين تم العثور على رسوم عمرها 10 آلاف سنة على جدران الكهوف بإسبانيا، ترمز لدحر العين الشريرة. ورغم اختلاف العادات المرتبطة بالعين الشريرة، فإن ثقافات الشعوب أجمعت على وجودها، مع تباين الجغرافيا، فلا فرق بين أوروبا والشرق الأوسط في الإيمان بالمعتقد إلا بالتعبير فقط، وكما انتشر الحسد في منطقة البحر المتوسط خاصة، ظهرت آثار له عند شعوب آسيا وأمريكا وغرب إفريقيا.

الفراعنة: عين حورس تحمي من الشر

أولت الحضارة المصرية القديمة، منذ نشأتها قبل نحو 7 آلاف سنة اهتمامًا كبيرًا لـ"الحسد"، ففي أسطورة إيزيس وأوزوريس، لم يستعد حورس حكمه على مصر إلا من خلال عين سحرية زرقاء "عين حورس"، تمكن بفضل قوتها من هزيمة عمه "ست"، وإنقاذ بلاده.

عين حورس من معبد الآلهة حتحور في دندرة

كانت "عين حورس"، رمزًا يخدم الشعائر والمعتقدات المصرية القديمة في الحياة والبعث على حد سواء، لأن قدماء المصريين آمنوا بأنها تحمي من يرتدي قلادتها من الأرواح الشريرة ومن المرض، كما كانت القلادة توضع على صدر مومياء فرعون في القبر لتحميه من أعدائه.

علمًا أن تأثير الحسد أو العين الشريرة امتد لسلوكيات المصري القديم في نواحي حياته، وبسؤال المؤرخ المصري وأستاذ التاريخ عاصم الدسوقي عن مدى ارتباط الملابس الفرعونية القديمة، بالوقاية من الحسد، أكد أن الملابس التي ارتداها الفراعنة، والمكياج الذين استخدموه، كان في كثير من الأحيان- بالإضافة لكونه ذوقًا- بغرض الحماية من "العين".

أقوال جاهزة

شارك غردالشعوب القديمة كانت معتقدة بوجود قوة ورائية تحرك الظواهر، وأن أي سلوك له تفسيره في الميتافيزيقا

وقال "الدسوقي" لـ"رصيف22" إن وجود معتقد الحسد أمر طبيعي، لأن الحضارات القديمة كانت بدائية مما انعكس على ثقافتها، مستطردًا:" الشعوب البدائية كانت معتقدة أن فيه قوة ورائية تحرك الظواهر، وأن أي سلوك له تفسير في الميتافيزيقا".

وعن الممارسات السائدة وقتها، قال المؤرخ المصري إنها لا تختلف عن مثيلاتها اليوم، كاستخدام الملح في البيوت وارتداء "الخرزة الزرقاء"، مشيرًا إلى أن الشعوب العربية تستخدم الموروثات الثقافية التي وصلتنا من الماضي.

"عين الموت" عند السومريين

العراق بدوره كان في طليعة الحضارات المؤمنة بوجود "الحسد"، إذ اكتشفت كتابات للسومريين في ألواح من الطين عن العين الشريرة، تعود لحوالى 3000 عام قبل الميلاد، إضافة لصلوات تدحض لعنتها، ما زال بعضها يستخدم حتى اليوم في منطقة البحر المتوسط.

عين الموت التي آمن بها السومريون

وفي عام 2012، اكتشف علماء آثار كرواتيون خاتمًا عمره نحو 1800 عام، عليه "عين" منقوشة للحماية من الحسد ومن الحظ السيىء.

يبرز في الثقافة السومرية استخدام مصطلح "عين الموت" لإيضاح مدى تأثير الحسد على ضحيته، وأسوة بقصة حورس، ظهرت "عين الموت" مرتين في قصة الإلهة إنانا، إلهة الحب عند السومريين، خلال رحلتها للعالم السفلي، أولاهما عندما سقطت ضحية العين الشريرة لآلهة "أنونا"، والمرة الثانية عندما قضت على زوجها "دوموزي" بعينها القاتلة.

ويعد هذا النص أسطورة، ومن أشهر نصوص الأدب السومري:

"لقد نظرت إليه، كانت عين الموت

لقد تحدثت إليه، كانت كلمة المرض

لقد صرخت فيه، كانت صرخة اللعنة"

ويشير المؤرخ زاكارياس كوتزيه في دراسته "العين الشريرة عند آلهة السومريين"، المنشورة في 2017، إلى أن "السومريين ألفوا قصصًا أسطورية عن آلهة يموتون بسبب "العين الشريرة"، كما فسروا الظواهر الطبيعية كالزلازل والعواصف والفيضانات كنتيجة للتعرض لهذه العين"، مضيفًا: "العين الشريرة كانت في الحقيقة معتقدًا أساسيًا في الثقافة السومرية، وهو ما ظهر في آدابهم".

رمز القضيب للوقاية من "العين"

لم يختلف اليونانيون والرومان عن السومريين والفراعنة في توظيف الآلهة للحماية من الحسد، فيقول المؤرخ الروماني الأشهر بلينيوس الأكبر في كتابه" التاريخ الطبيعي" إن الإله "فاشينوس"، كان يحمي من العين الشريرة، إضافةً لممارسات أخرى ظهرت وقتها، مثل وضع رمز للقضيب في حدائق البيوت واستخدام شكل من الجراد للوقاية من العين الشريرة.

تعتقد الشخصيات الوسواسية أن الحسد سيمزقها مما يجعلها تسير في حياتها ببطء شديد

لكن الدكتور عبد السميع محمود شحاتة، أستاذ التاريخ الروماني واليوناني بجامعة المنوفية، أشار إلى أن الرومانيين واليونانيين كانوا يتمتعون بعقلية عملية، حسب وصفه، وبالتالي لم يبدوا اهتمامًا كبيرًا بالحسد إذا ما قورنوا بالفراعنة مثلاً.

وقال"شحاتة" لـ"رصيف 22" إن الآداب اليونانية صورت الشخص "المحسود" بأنه إنسان متواكل وكسول ويفتقر للشجاعة، وبالتالي فإن الشر الذي يصيبه يكون نتيجة أعماله، مضيفًا أن الثقافة اليونانية رأت أن الشخص الذي يحقد بسبب الثروة أو المجد الذي يتمتع به غيره، إنسان سيىء يستحق ما يحدث له من مصائب.

هذا المعتقد لم يلبث أن ظهر بشكل أكثر بزوغًا في العصر الهيليني، إذ سادت بعض الممارسات المختلفة للوقاية من "العين الشريرة". يشير كتاب "عصور اليونانيين والرومان"، للمؤلف جون موراي إلى أن اليونانيين اهتموا بارتداء حُلي تحمل صورة العين، والاحتفاظ بفص ثوم بملابسهم، وتلاوة بعض الأدعية، ولعل أغربها هو البصق في الملابس كإجراء وقائي، وبشكل عام، فالثقافة اليونانية حتى اليوم تؤمن بأن البصق يجلب الحظ وعلامة للتفاؤل.

هل الحسد مجرد وسواس؟

وعن وجود رابط بين الشخصيات التي تميل للمبالغة في الحرص من "العين" والحسد، قال الاختصاصي في الطب النفسي، الدكتور جمال فرويز، إن هؤلاء الشخصيات –التي صنفهم ضمن الشخصيات الوسواسية- لا يميلون للتغيير ودائمًا ينظرون للأمور بتشاؤم وخوف، مضيفًا أنهم يعتقدون أن "الحسد سيمزقهم مما يجعلهم يسيرون في حياتهم ببطء شديد".

وأكد "فرويز" أن الممارسات المترتبة على الخوف من الحسد، لا علاقة لها بالدين أو بالجنسية، مدللًا بوجود الكثير من المؤمنين بها في اليهودية والإسلام والمسيحية، وكذلك داخل وخارج العالم العربي، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن بعض المؤمنين بها "فضلوا العلم والعمل، بينما نحن اتجهنا بالإجمال للخرافات".

ثقافة الخوف من الحسد إذًا، موجودة حولنا في كثير من السلوكيات، التي نقوم بها بشكل آلي، أو على الأقل صرنا نقوم بها على هذا النحو بفعل التنشئة الاجتماعية أو غيرها، فكم من مرة صاحت الأم موبّخةً طفلها حتى لا يقلب الشبشب على ظهره؟

وما إن ينفذ الأمر حتى تجد كلماتها-الحكيمة في نظرها- تخترق عقل الطفل:" عشان متجبلناش الفقر والعين"، هذا الطفل يكبر ويكبر في أجواء قد يشوبها فعلًا "الفقر والعين"، لكن أيعقل أن يكون الشبشب وحده هو المتحكم الأكبر في ذلك؟ ماذا عن حالة الأسرة المادية والاجتماعية؟ ماذا عن  الصحة النفسية للبيت؟

الحسد بين الحقيقة والصدفة

من السهل جدًا إلقاء اللوم على الظروف الخارجة عن الإرادة، في تبرير مصيبة أو مكروه ما، وتفضيل التفسيرات "الميتافيزيقية"، كما كان الحال مع إنسان الحضارات القديمة، تفسيرات لم تتطور إذ صحبتها ممارسات هي نفسها، وإلا فلماذا لا يعبر إنسان القرن الحادي والعشرين بطريقة مختلفة عن خوفه من الحسد مما كان يُعبر قبل آلاف السنين؟

وللإجابة عن هذا التساؤل، أكد أستاذ التاريخ الحديث بالجامعة الأمريكية، الدكتور محمد رحيل لـ"رصيف22" أن الحسد ظاهرة بشرية مثلت خطرًا على مر العصور، وحاولت الشعوب التعبير عنه بالصورة المثلى من خلال الموروثات الإنسانية، وهو ما يفسر تشابه الممارسات بين الماضي والحاضر.

الحسد موجود على الأقل في عقل الإنسان، وهو ظاهرة اتفقت عليها الديانات السماوية الثلاث، وثقافات الشعوب منذ بداية التحضر، وهنالك حوادث كثيرة تبدو غريبة وأكثر تعقيدًا من أن تلعب المصادفة دورًا فيها، وحوادث أخرى- لا تقل عنها- بسيطة ويمكن إيجاد تفسيرات منطقية لها بعيدًا عن التهويل والمبالغة.

لا يمكننا الجزم إذًا بأن حذاء أمي الجديد كُسرت كعبه بعد لحظات من مباركة صديقة لها عليه وإعجابها به، بسبب "العين". ولا يمكننا تفسير سبب وجود خلية نمل فجأة عند عتبة ثلاجة جدتي الجديدة المهووسة بالنظافة لدرجة أنك لا تجد "فتفوتة" طعام في الأرض.

قد يكون الحسد العنصر الفاعل في القصة الأولى أو الثانية- كلتاهما حقيقيتان- أو قد يكون مجرد كلمة تعودتم أن ترددوها لأن الجميع في مجتمعكم يفعلون ذلك، آمنوا بالحسد كما تشاءون أو ارفضوه كما تريدون، لكن على الأقل لا تجعلوا منه "شماعة" ولا تحمّلوه أكثر مما يحتمل، انظروا جيدًا حولكم فـ"العين" ليست أسوأ أعدائكم.

التعليقات

المقال التالي