محامون مصريون وهم الحفاظ على "سمعة مصر"

محامون مصريون وهم الحفاظ على "سمعة مصر"

في عام 2007، وبعد أيام قليلة من انطلاق فضائية O TV المصرية، قرر القائمون على القناة التي كان يملكها وقتذاك رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس عرض فيلم American Pie من دون قص مشاهد العري منه، مكتفين بتنبيه أن الفيلم للكبار فقط.

لم يكن هذا الفيلم الوحيد الذي تعرضه O TV من دون قص المشاهد الجريئة منه، فقد عرضت القناة نفسها عام 2008، فيلم Don Juan Demarco الذي حوى مشاهد عري كاملة هو الآخر. لم يتسبب الأمر وقتذاك في وقف ترخيص القناة أو حبس القائمين عليها.

لكن، حالياً، اختلفت الأوضاع في مصر.

لا توجد قناة حالياً تجرؤ على تكرار ما قامت به O TV، فقد أصبح المناخ العام معادياً حرية التعبير، بحسب وصف بعض العاملين في مجال الإعلام، وبات الجميع يخشى الملاحقات القضائية.

السبب هو ظهور محامين حريصون على البحث عن كل ما يقدم شيئاً يتعارض مع "عادات المجتمع وقيمه" من وجهة نظرهم، ويقومون على الفور بتقديم بلاغات ضده حتى يسجن خلف القضبان.

الوحش... محامٍ ضد حرية التعبير؟

يمكن اعتبار المحامي المصري نبيه الوحش أشهر محامٍ رفع قضايا ضد فنانين ومثقفين بتهمة "تهديد قيم المجتمع المصري وتشويهها"، ولم تتوقف أبداً تصريحاته المثيرة الجدال في وسائل الإعلام، والهدف النهائي هو أن يتحدث عنه الإعلام بشكل دائم، قبل أن ينقلب السحر على الساحر.

ففي أكتوبر من العام الماضي، ظهر الوحش عبر إحدى البرامج المصرية، قائلاً: "اغتصاب الفتاة المرتدية بنطلوناً مقطعاً واجب وطني".

أراد أن يظهر مدافعاً عن "قيم مصر وعاداتها" فخانه التعبير هذه المرة.

رفعت قضايا عدة ضد الوحش بسبب هذا التصريح إلى أن أصدرت محكمة جنح أمن الدولة طوارئ (مقرها وسط القاهرة) يوم السبت الموافق الثاني من شهر ديسمبر الماضي، حكماً بحبسه 3 سنوات، وغرامة 20 ألف جنيه مصري، في اتهامه بالتحريض على عرف إعلامي بـ "اغتصاب فتيات البنطلونات الممزقة".

لكن، قبل حبسه، لم يكن يتوقف عن رفع قضايا ضد مبدعين، فحين عرض فيلم دكان شحاتة (إنتاج عام 2009 من بطولة المطربة اللبنانية هيفاء وهبي) قرر الوحش تقديم بلاغ ضد وهبي بتهمة الإساءة للإسلام في الفيلم، كما طالب بوقف عرض الفيلم الذي أخرجه خالد يوسف، في دور العرض المصرية.

اهتمت وسائل الإعلام المصرية والعربية ببلاغ الوحش، وبسببه أصبح ضيفاً دائماً على برامج عدة، ويبدو أن الأمر أعجبه فقرر أن يكون هذا هو طريقه للظهور في وسائل الإعلام.

في عام 2010، قدم الوحش بلاغاً إلى النائب العام ضد الممثلة المصرية علا غانم يطالب فيه بمنع عرض مسلسل "العار" الذي كان يعرض لها وقتذاك (إنتاج عام 2010) لأنه "يحرض على الفسق والفجور، ويفسد الصيام" بحسب بلاغه. زاد اهتمام الإعلام بالرجل، فقرر أن يكمل اللعبة إلى النهاية.

رفع الوحش قضيتين ضد المطرب تامر حسني، واحدة يتهمه فيها بالتهرب من التجنيد، والأخرى بظهوره على أفيش سينمائي "غير لائق" مع الممثلة مي عز الدين (في إشارة إلى أفيش فيلم عمر وسلمى).

رفع أيضاً أكثر من قضية ضد المخرجة إيناس الدغيدي، من ضمنها قضايا بسبب "إظهارها النساء المصريات بصورة غير لائقة في أفلامها"، وبسبب حديثها في أحد البرامج التلفزيونية بأنها حلمت في يوم في أنها تتحدث مع الله.

يمكن اعتبار المحامي المثير الجدال صاحب الرصيد الأكبر من القضايا التي ترفع ضد فنانين ومثقفين في مصر، وأصبح يرفض الظهور في البرامج المصرية من دون الحصول على بدل مادي، لمعرفته أنه يحقق للقنوات نسبة مشاهدة عالية.

 

قدم الوحش بلاغاً أيضاً ضد الممثلة المصرية عبير صبري لمجرد أنها قررت خلع الحجاب.

تقول صبري لرصيف22، أن القضية التي رفعها الوحش ضدها لم تكن سوى محاولة منه للبحث عن الشهرة، والحصول على أموال لأنه يعلم جيداً أن التلفزيونات ستستضيفه للتعليق على الأمر.

تضيف صبري أنها لم تقابله أبداً، لكنها كانت تتعجب من اعتبار نفسه وصياً على أخلاق المصريين.

يرى مراقبون وحقوقيون مصريون أن النظام المصري نفسه يشجعه هو وباقي المحامين على رفع قضايا ضد المبدعين بهدف إلهاء المصريين عن قضاياهم الحقيقية.

وبحسب المحامي المصري محمد قاعود، فإن اهتمام المحاكم المصرية بإصدار أحكام سريعة في هذه القضايا أمر يدعو إلى الاستغراب، وهي التي تتعامل ببطء شديد حين يتعلق الأمر بقضايا أخرى.

مهران... محامٍ يحارب الفسق والفجور

ما كان يقوم به الوحش قبل الحكم الأخير بسجنه، يفعله بالنص محام آخر هو أحمد مهران الذي يتواصل بنفسه مع الصحافيين لإبلاغهم بآخر أخباره الخاصة برفع قضايا ضد فنانين ومثقفين وسياسيين.

أحدث بلاغ تقدم به مهران إلى النائب العام يتعلق بالمطربة شيما صاحبة كليب "عندي ظروف" – المحبوسة حالياً بسبب بلاغه - بسبب "تحريضها على الفسق والفجور".

قبل ذلك بأيام، اقترح المحامي عبر حسابه في فيسبوك أن يكون في مصر زواج يطلق عليه "بارت تايم" بمعنى أن الزوج الذي لا يستطيع توفير مسكن للزوجية من الممكن أن يتزوج سيدة ويذهب إلى زيارتها لبعض الوقت من دون أن يكونا معاً بشكل دائم، وطبعاً اهتمت وسائل إعلام عدة بالأمر ودعته للحديث عنه.

يصف المحامي المصري نفسه بأنه "محامٍ يحارب الفسق والفجور ويرفض انتشار الرذيلة في المجتمع".

وفي سبتمبر من عام 2017، تقدم مهران ببلاغ إلى النائب العام ضد فريق مشروع ليلى اللبناني بسبب رفع أعلام قوس قزح، والتي تعني التضامن مع حقوق المثليين، في هذا الحفل. كما تقدم ببلاغ ضد الشركة الراعية والمنظمة الحفل، وقال مهران أن بلاغه يأتي "حرصاً منه على مساندة الدولة في ترسيخ المبادئ والقيم الأخلاقية للحفاظ على هوية هذه الأمة التي صدّرت الإسلام إلى جميع دول العالم".

أقوال جاهزة

شارك غرديمكن اعتبار المحامي المثير الجدال صاحب الرصيد الأكبر من القضايا التي ترفع ضد فنانين ومثقفين في مصر

شارك غرديصف المحامي المصري نفسه بأنه "محامٍ يحارب الفسق والفجور ويرفض انتشار الرذيلة في المجتمع".

شارك غرديرى حقوقيون مصريون أن النظام المصري نفسه يشجع المحامين على رفع قضايا ضد المبدعين

تقدم مهران تقدم ببلاغ إلى النائب العام ضد مسلسل "مزاج الخير" (إنتاج عام 2013 ومن بطولة مصطفى شعبان) قبل عرض المسلسل رسمياً بحوالى الشهر، معتبراً أن حوادثه تنتهك حرمة شهر الصوم، وإلهاء الصائمين عن أداء فروضهم الدينية، مطالباً في بلاغه بأن "تحمل الدراما قيماً إيجابية للمجتمع".

يجدر بالذكر أنه أرسل العام الماضي في مناسبة ذكرى انتصارات الجيش المصري في حرب أكتوبر، خبراً إلى الصحافيين يقول فيه "صرح المحامي أحمد مهران، بأنه تقدم بطلب إلى إدارة السجلات العسكرية لطلب الانضمام إلى صفوف الجيش لمحاربة قوى الإرهاب الأسود التي تحاول النيل من مقدرات الوطن".

كما نشر لنفسه على حسابه الرسمي في فيسبوك صورة وهو يوقع استمارة تأييد للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يطالبه فيها بالترشح لفترة رئاسية جديدة.

سمير صبري... محامٍ ضد "قلة الأدب"

في نفس القائمة نجد محامي ثالث هو سمير صبري.

في نوفمبر من العام الماضي، تقدم صبري ببلاغ إلى النائب العام المصري، ضد الدكتور خالد منتصر، مطالباً بمحاكمة عاجلة له لمجرد أنه نشر على حسابه الرسمي في فيسبوك صورة لعمل فني هو تمثال اغتصاب بروزربينا، (منحوتة فنية للنحات الإيطالي جيان لورينزو برنيني)، اعتبر صبري في بلاغه أن التمثال يخدش الحياء العام ويعد ضد عادات المجتمع المصري وقيمه.

في الشهر نفس، تقدم صبري ببلاغ ضد الفيلم السويدي "حادثة النيل هيلتون" (إنتاج 2017 ومن إخراج طارق صالح) بتهمة أنه مسيء للشرطة المصرية، ويهدف إلى التأثير سلباً في السياحة، مطالباً بوضع الممثلين المصريين الذي شاركوا في الفيلم في قوائم ترقب الوصول.

صبري هو أول محام مصري يتقدم ببلاغ إلى النائب العام، ضد الفنانة شيرين عبدالوهاب، بتهمة الإساءة لمصر، بعد حديثها عن نهر النيل والبلهارسيا.

وفي نوفمبر من عام 2016، تقدم المحامي ببلاغ ضد فضائية الجزيرة القطرية بسبب عرضها فيلم "العساكر" الوثائقي الذي اعتبره صبري مسيئاً للجيش المصري.

أما في يونيو من العام الحالي، فتقدم المحامي ببلاغ آخر يطالب فيه بوقف عرض مسلسل "لا تطفئ الشمس" (إنتاج عام 2017 ومن بطولة أحمد مالك) لأن بطل المسلسل مالك أهان الشرطة المصرية، في واقعة شهيرة أطلق عليها "موقعة الكاندوم".

وفي منتصف نوفمبر الماضي، تقدم صبري ببلاغ ضد الكاتبة المصرية فريدة الشوباشي، لحديثها عن الشيخ محمد متولي الشعراوي والذي يراه صبري "غير لائق"، مطالباً في بلاغه بمنعها من الظهور على الشاشات.

يرفض صبري الاتهام الموجه إليه بأنه ضد حرية التعبير، قائلاً لرصيف22، أن غالبية الأعمال تقدم قلة أدب لا إبداعاً، وأنه مع حرية التعبير لكنه ضد الابتذال وهدم قيم المجتمع وفق تعبيره.

المحاماة في خدمة القضايا التافهة؟

بحسب قاعود، فإن مهنة المحاماة أرقى من أن تتحول سيفاً مسلطاً على رقاب أفراد المجتمع بحجة الحفاظ على عاداته وتقاليده.

"أتعجب من أن يستغل محامٍ القانون في مطاردة مبدع لمجرد أنه غير راض عمّا يقدمه، وفي الوقت نفسه لا ينبس ببنت شفة حين يتعلق الأمر بمسؤول حكومي مهمل أو لا يقوم بدوره على أكمل وجه"، يقول قاعود.

ويتساءل قاعود قائلاً هل من يرفع قضية على فنان يفعل الأمر نفسه حين يموت مصريون بسبب الإهمال في المستشفيات الحكومية؟ هل هناك من يقترب منهم من قضايا التعذيب في أقسام الشرطة أو غيرها من مئات القضايا الحقيقية، أم إن دوره فقط البحث عن شهرة وشغل الرأي العام بقضايا تافهة؟

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
الحقوق مصر

التعليقات

المقال التالي