هل فعلاً وجدتم الحب في حياتكم أم ألم الطفولة مقنّعاً بالحب؟

هل فعلاً وجدتم الحب في حياتكم أم ألم الطفولة مقنّعاً بالحب؟

من منكم لا يتمنى أن يعيش قصة حب مجنونة، حب من خارج هذا العالم. حب لا يتوقف عند أي عراقيل. حب لا يسائل ولا يحاسب. يتقبّل أي شيء وكل شيء. حب لا يعرف الملل بل يتحدّاه بالخطر والمجازفة. حب يثير حواسكم ويجعلكم أسرى الحاجة إلى الشريك.

ماذا لو سرقكم هذا الجنون من واقعكم؟ ماذا لو أنساكم من أنتم، عمى بصيرتكم، عرضكم للخطر، وضعكم أمام مفترق: أنتم أم هو؟ تشعرون بالخوف وتصممون على الانفصال وحماية أنفسكم لكن الرغبة تغلبكم فتغرقون أكثر فأكثر. وتبقون.

هل ما تشعرون به يسمّى حبّاً قويّاً أم تخشون وجع الفراق؟

هل الحب مرادف الألم؟

لماذا يوقظ فينا الحب مشاعر الألم الماضي؟ لماذا نخاف التقرب من الشخص الذي نحب أو نفشّل علاقة ما رغم الحب؟

لماذا ما زلنا خائفين من إيجاد الحب والحفاظ عليه؟ أسئلة ليس لها أجوبة في الحاضر، فالجواب في الماضي. وفي الرجوع إليه وجع كبير.

"لم يكن أبي حاضراً في طفولتي. وحتى عندما كان موجوداً كان تأثيره سلبياً. كانت هذه طريقته في التهرب من مسؤولية العائلة التي لم يردها يوماً. لم يكن لديه حضور عاطفي أو معنوي في حياتي. كبرت وكبرت معي صورة عن رجل غائب. رجل تراه أمي بعين الحب والحسرة. ومن تلك الصورة بدأت أختار."

تتحدث سلمى، فتاة في الثلاثين من عمرها وسيدة أعمال ناجحة، بحسرة عن والدها وعن خياراتها العاطفية الفاشلة. تعتقد أنها وجدت الحب. وجدت معه من سيعوّضها عن إهمال الرجل الأول في حياتها. لكنها سرعان ما تصطدم بالواقع المر: حبيب غير قادر على لعب هذا الدور وعلاقة محكومة بالفشل.

ترغب بشدة أن تجد الحب، لكنها تخاف منه. وخوفها هذا امتلكها عبر السنين حتى باتت تشعر أنها لا تستحقه.

أقوال جاهزة

شارك غردعلم النفس يربط الحب بالأمان وتحقيق الذات والحرية. حرية أن تكونوا أنتم في العلاقة مخيرين وألا تذوبوا فيها

شارك غردماذا لو كان ذلك الحب الخالي من الألم موجوداً؟

قصة سلمى هي قصة الكثير من الأشخاص الذين عاشوا طفولة اختبروا خلالها العلاقة الأولى بأبشع صورة. فالطفل ليس أمامه غير صورة واحدة يتمثل بها وتعلق في ذهنه. العلاقة الأولى تلك تبقى محفورة في القلب والعقل والذاكرة. ومن خلال علاقة الشخص بأهله وعلاقة أهله بعضهم ببعض يكوّن شكل العلاقات التي سينسجها في المستقبل.

وفيما يجمع علماء النفس على قدرة الدماغ خلال مرحلة الطفولة على تخزين صور وحفظها وترجمتها إلى سلوك يومي Pattern يصعب على الشخص التخلص منه فيصبح أسيراً له. إن كانت مشاعر الحب التي تلقاها في صغره غير آمنة أو حقيقية، وممزوجة بالغياب والنقص والحرمان، يصبح الحب مرادفاً للألم في ذهنه فيذهب إلى الاعتقاد أن لا حب خارج الألم.

يتمرّس الدماغ أيضاً على حفظ الصور، ولكنه لا يحفظها فقط بل يعمل على صونها والإخلاص لها. فعلم النفس التطوري أثبت عبر السنين أن الطفل بطبيعته وفيّ للصور العاطفية التي يرسلها له الأهل. إن اخذنا مثلاً بسيطاً عن طفل تنعته أمه بالفاشل لأنه لا ينال العلامات المدرسية التي تطمح إليها هي. برأيكم ما هي فرصة ذلك الصبي في النجاح في حياته إن لم ينفصل عاطفياً عن تلك الصورة؟

الوفاء يعني الحفاظ على الصورة نفسها أو على الشعور نفسه مع تغيير الأشخاص، إذ يعتقد العالق في ألم العلاقة الأولى أنه كسر الصورة النمطية التي تربى عليها من خلال اختيار شريك مختلف أو تعدد العلاقات العاطفية بهدف اختيار أفضل، لكن الواقع أن الوجوه هي وحدها التي تتبدّل. أما الشعور فيبقى هو نفسه. ويلعب اللاوعي دور الرقيب الذي يمنع الشخص من خيانة تلك الصورة المؤلمة، مما يجعل الحب المجاني السلس غير الموجع وهماً وحلماً. وحتى إن وجد فسيرفضه الشخص لأنه لم يعتده، ولم يعرفه يوماً.

via GIPHY

الحب في الحاضر يوقظ وجع الماضي

يضع الحب صورتكم الذاتية أو ما يسمى بالـEgo تحت المجهر. كثيرون هم الأشخاص الذين يشعرون أنهم غير محبوبين. ربما لأنهم عاشوا في بيئة عائلية صارمة أو لأنهم لم يجدوا الأمان في العلاقة الأولى: أب يعنف الأم. أب غائب. أم تخاف أكثر من اللزوم. وأسباب أخرى كثيرة. تصبح الصورة الذاتية أمام هدف واحد وثابت: بناء ذاتها وتحقيقها.

شعور يعطي الشخص دافعاً قوياً للاستثمار في نفسه على جميع الأصعدة، خصوصاً العاطفية منها. لكن الصوت الخافت القابع في الروح يذكره دوماً بفشل العلاقة الأولى. فشل المثال الذي ظنه في الماضي مثالاً إيجابياً. وهذا صراع يؤثر على شعور الشخص بذاته وعلى العلاقة التي ستحمل عبء التعويض عن وجع الماضي، فيما ينسى الشخص أن لشريكه وجهاً أيضاً، وذكريات يريد هو الآخر تخطيها وصراعات نفسية وعاطفية ربما لم يتجاوزها بعد.

اعتقاد آخر ينمو فينا حين تكون علاقتنا الأولى موجعة: لا فرح حقيقي من دون ألم كبير. من منكم يشعر حقاً أن الحب موجود من دون ألم؟ تكاد الفكرة تشبه الوهم أليس كذلك؟ وكأننا إن قررنا التورط في علاقة غرامية فنحن محكومون بالألم. وهذا ما يفسر عزوف الكثيرين عن العلاقات الجدية الطويلة الأمد، عدا الذين يخافون الارتباط، والذين يفشلون في الحفاظ على علاقاتهم.

via GIPHY

ماذا لو كانت الحقيقة مختلفة؟ ماذا لو كان ذلك الحب الخالي من الألم موجوداً؟

التعلق. الخوف. الذوبان: هل هذا هو الحب؟

أحياناً نذوب في العلاقة مع الشريك أو الشريكة، وسرعان ما يبسط الأخير سيطرته وأفكاره التي تهدد كياننا وتوقظ فينا مشاعر الخوف.

هل سألتم أنفسكم يوماً هل شعوركم هذا فعلاً حب أم شيء آخر؟ هل مشاعر الاختناق تلك والخوف من المستقبل ومن العلاقة ومن الآخر تصب في خانة الحب؟ وإن كان الحب موجعاً إلى هذه الدرجة، فلماذا نبحث عنه ونحلم به؟

صحيح أننا مهما حاولنا إيجاد تعريف للحب فلن نجد تعريفاً محدداً. لأن معناه وممارسته يختلفان مع تطور المجتمعات. حتى علم النفس يربط الحب بالأمان وتحقيق الذات، والأهم بالحرية. حرية أن تكونوا أنتم في العلاقة مخيرين وألا تذوبوا فيها ومن أجلها.

الخوف والألم لا يمكن أن يكونا مرادفين للحب. فإن شعرتم بالخوف اِبحثوا في مكان آخر عن الأسباب والنتائج. ليس الحب هو من يبقيكم في علاقة لا تريدونها. بل هي الحاجة إلى الألم. ألم الماضي الذي لم تتصالحوا معه بعد.

ستيفاني غانم

أخصائية في علم النفس العيادي والتحليل النفسي. تقدم فقرة أسبوعية ضمن برنامج “ببيروت” على قناة LBCI الفضائية.

التعليقات

المقال التالي