كيف يحصل السعوديون والكويتيون على "مشروب البهجة" المحظور في بلديهم؟     

كيف يحصل السعوديون والكويتيون على "مشروب البهجة" المحظور في بلديهم؟     

لم تتأثر حياة سعد راغب كثيراً بعد مضي عامين على انتقاله للعمل في العاصمة السعودية الرياض، فما كان يفعله خلال عمله في مكتب هندسي بألمانيا ما زال في إمكانه القيام به في المملكة التي تطبق الشريعة الإسلامية بصرامة.

يقول راغب (لبناني الجنسية) أن معاقرة الكحول من الأمور التي يُعتقد أنها من المستحيل حصولها في بلاد الحرمين، مع العلم أنها ليست كذلك.

"ربما كان الوضع معقداً قليلاً من قبل بسبب السلطة المخيفة لرجال الأمر بالمعروف، إلّا أن الوضع تغير الآن"، يضيف راغب.

تسمح دول مجلس التعاون الخليجي ببيع الكحول ومعاقرتها باستثناء السعودية والكويت، حيث يحظر القانون في البلدين استهلاكها، بينما تقيد قطر وإمارة الشارقة بيعها واستهلاكها. ومع ذلك، يستطيع مَن يرغب فيها في السعودية والكويت، إيجاد منافذ سرية للحصول عليها.

إصلاحات لا تشمل الكحول

عمل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان على تحجيم دور هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث ألغى السلطة الممنوحة لها بمطاردة المخالفين وإلقاء القبض عليهم، إلّا أن القانون ما زال يجرم شراء الخمر ومعاقرته.

ولا يتوقع أن يسمح بتداول الكحول، على نطاق واسع، ضمن الخطوات الإصلاحية المفاجئة التي تشهدها المملكة حالياً. وقال بن سلمان في مقابلة أجرتها معه "بلومبيرغ"، خلال مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض، أن مشروع "نيوم" سيلبي حاجات المستثمر والسائح الأجنبي من دون السماح بالكحول.

وهذا يعني أن السعوديين الذين يعيشون أيّاماً مبهجة نتيجة إصلاحات الحكومة التي تجلعهم يخوضون تجارب جديدة في حياتهم مثل مشاهدة السينما والحفلات الغنائية، سيظل بعضهم يسلك طرائق غير قانونية لمعاقرة المسكرات.

الأمر ذاته في الكويت، فلا توجد مناقشات حكومية وبرلمانية تشير إلى أن الدولة الخليجية التي تحكمها أسرة آلِ الصباح، قد تسمح قريباً ببيع الخمرة ومعاقرتها.

ومع ذلك يستطيع المواطنون والمقيمون الحصول عليها من خلال حيل غير قانونية.

التهريب البري

يعبر أسبوعياً حوالى 250 ألف سعودي ومقيم جسر الملك فهد، إلى الجارة الصغيرة البحرين لتمضية عطلة نهاية الأسبوع بحسب الإحصاءات الرسمية، وعلى الرغم من أن كثراً من هؤلاء يريدون تمضية أوقات مرحة في الملاهي الليلية، إلّا أن عبور 400 كيلومتر من الرياض إلى المنامة ليس السبيل الوحيد لحصول السعوديين على المشروبات الروحية، حيث يمكن شراؤها أيضاً من بعض مناطق المملكة، خصوصاً القريبة من البحرين.

 ويشير منصور عبدالعزيز (اسم مستعار) وهو سعودي يعمل في تهريب الكحول إلى بلاده إلى أن مدينة الخبر - شرق المنطقة الشرقية بالمملكة - تعد من أبرز الأماكن في المملكة لشراء المسكرات.

لا يتعدى عدد رجال الجمارك الذين يفحصون السيارات ويفتشونها في الجانب السعودي لجسر الملك فهد، أكثر من ثمانية أشخاص للفترة الصباحية ومثلهم في الفترة المسائية، ما يشير إلى صعوبة مهمتهم في تفتيش جميع السيارات العائدة إلى السعودية بشكل كامل، لذا يكتفون بتفتيش الأشخاص الذين يثيرون الشبهات.

وهنا تكمن الفرصة الحقيقية للمهربين.

يقود عبدالعزيز وهو ملتحٍ، سيارته النيسان ذات الدفع الرباعي التي يصدر من مذياعها صوت القرآن الكريم، مرتدياً ثوبه الأبيض القصير، تجاه البحرين مرتين في الأسبوع لشراء المشروبات الروحية من أكبر متاجر بيع النبيذ في منطقة ميناء سلمان بالعاصمة المنامة.

لم يتعرض عبدالعزيز للإيقاف والتفتيش من رجال الجمارك في السعودية بعد، وعلى الرغم من خطورة عمله، إلّا أنه لا ينفي عوائدها المالية الكبيرة، حيث تباع تلك المشروبات المهربة في السعودية بأسعار مضاعفة.

"أهم شيء ألّا تكون في حالة سكر، خلك طبيعي ولا تتوتر وأمورك طيبة"، يقول عبدالعزيز بالعامية تجربته مع رجال الجمارك.

مع ذلك، فإن هناك مهربين لا يتبعون طريقة عبدالعزيز التي تبدو عشوائية وغير مدروسة ويلجأون إلى حيل أخرى.

أقوال جاهزة

شارك غرد"أهم شيء ألّا تكون في حالة سكر، خلك طبيعي ولا تتوتر وأمورك طيبة"، يقول عبدالعزيز عن تجربته مع رجال الجمارك

شارك غرد"إذا أنا شربت، وأنت تعرف وتصمت، فلماذا تمنع؟ هل نحن نخدع الناس فقط؟"

في عام 2016، نشرت الجمارك السعودية على حسابها في موقع "تويتر" صوراً تظهر مصادرتها مجموعة من المشروبات الروحية، ووضحت بعض طرائق المهربين في التحايل على مفتشي الجمارك.

يخفي مهربون، بحسب الصور المنشورة زجاجات النبيذ في خزانات البنزين، وآخرون يلصقونها في أثوابهم البيض، بينما يهرّب البعض علب الجعة عليها ملصقات تمثل شعار مشروبات غازية، خصيصاً لهذه الحيلة.

مع ذلك، تهريب الجعة ليس مربحاً مقارنة بالمشروبات الأخرى، لذا يعتمد المهربون على تهريب المسكرات التي تحتوي على نسبة عالية من الكحول الإيثيلي، والتي قد تصل إلى 50% مثل الويسكي والفودكا، حيث تباع بأسعار باهظة.

يعتمد مهربون آخرون على آسيويين يصطحبونهم معهم بالسيارات لتهريب المشروبات في ملابسهم والهروب من العقوبة إذا ضبطت الممنوعات.

وعلى الرغم من أن البحرين هي المكان الأبرز لتهريب الكحول منه، إلا أن عبدالعزيز يشير إلى الإمارات باعتبارها حاضنة أكبر عمليات تهريب عبر منفذ البطحاء الذي يربط بين البلدين.

ولطالما نشر الإعلام السعودي تقارير مصلحة الجمارك، والتي تشير إلى إحباط عمليات تهريب آلاف الزجاجات من الخمور والأقراص المخدرة في معدات خرسانات وعربات نقل عبر منفذ البطحاء، ولكن غالباً ما تكون عبر حملات أمنية وخلال أوقات محددة.

ويذكر عبدالعزيز عبارة (شخصي) وهي أول ما يقوله مهربو المشروبات الروحية، حين يُضبطون، لتخفيف العقوبة، حيث يحاكمون بتهمة التعاطي المُقنن.

وبحسب القانون السعودي، يسجن المتعاطي من ستة أشهر إلى سنتين، مع المنع من السفر للمدة نفسها، وجلده على دفعات، كل دفعة 50 جلدة، بحسب ما يراه القاضي.

أما الترويج فعقوبته السجن من خمس سنوات إلى 15 سنة، وفق ما تنص المادة «38» من قانون العقوبات.

وفقاً لعبدالعزيز، ينسج مهرّبون علاقات مع رجال الجمارك لتسهيل عملهم.

 

سائل البهجة... صنع في السعودية

يقول بعض الشباب في السعودية، خلال مقابلات مع رصيف22، أنهم يتسلمون المشروبات في زجاجات مياه معدنية، ويعاقرونها في منازلهم ومخيمات خاصة، ويتفادون تماماً التجوال في الشارع أو الحديث مع الغرباء أثناء شربها وبعده.

وخلال تعاملهم مع الباعة، يستخدمون رموزاً سرية لا يستخدمها سواهم، والهدف هو إحاطة العملية بأكبر قدر من الأمان.

يقول راغب أنه يتعامل مع باعة حذرين للغاية، ويجب أن يطلب مشروبه المفضل مسبقاً لضمان الحصول عليه قبل ميعاد أي سهرة له.

هناك تسميات عدة يطلقها السعوديون والمقيمون عَلى الكحول، منها: "صديقي"، "الماء الحار" و "عرق آرامكو".  

أما اسم سائل البهجة فمصطلح يطلق تحديداً على العرق الذي يصنع في السعودية، ويكون في العادة أرخص وأدنى جودة من المشروبات المهربة نظراً إلى خلطه بسوائل أخرى.

إعداد المشروبات الكحولية في المنزل ليس أمراً غريباً، وهو ما يلجأ إليه الكثير من سكان السعودية والوافدين إليها. البريطاني كارل أندريه، والذي كان مسجوناً في السعودية بتهمة تصنيع الخمور، هو أحدهم. 

يكون التصنيع المنزلي للاستخدام الشخصي أحياناً، وللبيع والمتجارة في بعض الأحيان.

أسعار المشروبات المصنعة في المنزل تتفاوت، فيبدأ سعر "سائل البهجة" بـ200 ريال، ويصل الى حوالى 1000 ريال (50 دولاراً إلى 250 دولاراً أميركياً) بحسب جودته.

أما المستورد فيتختلف بعض الشيء.

"بعد الانفتاح، لاحظنا أن الباعة يخفضون الأسعار، بسبب قلّة الرقابة، وقدرتهم على تهريب كميات أكبر"، يقول راغب لرصيف22.

ويضيف أن أسعار الكحول المهربة تتراوح بين 70 ريالاً و200 ريال (نحو 19 دولاراً و50 دولاراً أميركياً) مقابل زجاجة الفودكا، ونظراً إلى أن الزجاجة الواحدة قد تكون كافية لأسبوع كامل، إلا أن سعرها لا يمكن أن يوفره إلا أصحاب الدخول المرتفعة.

الكويت... 

تُمنع الكحول تماماً في الكويت، ولكن تستطيع أن تعاقرها آمناً في بيتك حتى لو كانت السلطات الأمنية على علم بذلك.

يحظر القانون الكويتي في المادة 206 من القانون 46 لعام 1964 استيراد المواد المسكرة وتوريدها، ويعاقب بالحبس لمدة لا تزيد على عشر سنوات، كل شخص استورد أو صنع بقصد الإتجار، خمراً أو شراباً مسكراً.

وعلى الرغم من الحظر، إلا أن الكويت لا تعتبر شرب الخمر جريمة، بل جنحة باستثناء التجوال في مكان عام في حالة سكر، ويسمح القانون للأفراد بالمعاقرة في الأماكن الخاصة، ما عدا النوادي.

الخمر تراث كويتي أم أمر واقع؟

في عام 2014، أثار النائب الكويتي نبيل الفضل جدالاً واسعاً في الكويت بعدما طالب علانية بإباحة بيع الخمور في بلاده، واصفاً المسكرات بأنها جزء من عادات أهل الكويت وتاريخها وتراثها. وقال حينذاك، أن منع الخمر في الكويت أدى إلى توجه شباب نحو المخدرات.

وتصريحات الفضل لم تكن لإثارة الرأي العام فقط، حيث أشار حينذاك إلى خسائر الكويت نتيجة سفر الآلاف من السكان إلى دول أخرى لمعاقرة المسكرات بدلاً من دفع أموالهم في السوق المحلية، كما تحدث عن إنفاق الشباب آلاف الدنانير على شراء الكحول المهربة، واصفاً الأمر بأنه واقع لا يمكن حظره.

نحن نشرب وأنت تعلم، فلماذا تمنع؟

تقول منى، 34 سنة، (مواطنة كويتية) أن تجارة الكحول في بلادها تختلف تماماً عنها في السعودية، لأن الجهات الأمنية في الكويت على دراية تامة بالجهات التي تستورد الكحول وتبيعها، لكنها لا تتحرك ضدها، وتتساءل "إذا أنا شربت، وأنت تعرف وتصمت، فلماذا تمنع؟ هل نحن نخدع الناس فقط؟".

يصنع النبيذ المحلي في الكويت بجودة أفضل منه في السعودية، بحسب زُبن من المواطنين والمقيمين، نظراً إلى قلّة الرقابة، ولكن تبقى الأسعار باهظة، ولا يستطيع شراءه إلا أبناء الطبقات الثرية وتأمين حاجاتهم منه بصورة مستمرة. أما أبناء الطبقات الوسطى فيشربون الخمر في المناسبات فقط.

"كثر من الشباب يتجهون إلى المخدرات لأنها أرخص، فهل هذه هي مكافحة الفساد في رأي الحكومة؟ لا يمكن أن تمنع شيئاً يريده الناس، يجب أن تفهم الحكومة ذلك"، تقول منى.

تتراوح أسعار الخمور في الكويت بين 15 ديناراً (32.7 دولار) للجعة و40 ديناراً (133 دولاراً) للنبيذ و90 ديناراً (300 دولار) للكحول المركزة مثل الويسكي والفودكا.

ميناء الشيوخ... طريق مهربي الكحول للثرا.

"الانفلات الأمني في ميناء الشيوخ ساعدني على تهريب 36 شاحنة تحتوي كل واحدة منها على أكثر من 450 صندوقاً من الكحول"، هذا جزء من اعتراف أكبر تاجر خمور في الكويت خلال التحقيقات معه بحسب ما نشر الإعلام الكويتي عام 2015.  

تبدو تجارة الكحول مربحة في الكويت، حيث استطاع التاجر بحسب التحقيقات، معتمداً على عائدات تجارة الخمور من شراء ثلاث قطع أراض شاسعة في البوسنة، وهو يملك منزلين في الكويت، إضافة إلى مزرعة كبيرة.

وانتهت التحقيقات إلى أن التاجر كان يلجأ إلى تعبئة الحاويات المهربة بكمية من الفحم حتى يصعب على مفتشي الجمارك التدقيق في حمولتها، كي لا يتعرضون للضرر وتتسخ ملابسهم.

وفي المطاعم الفاخرة بالكويت، تجد دائماً زجاجات فاخرة تشبه النبيذ، ولكن عندما تقترب منها تعلم أن ما فيها مجرد مشروب خال من الكحول، تحاول من خلاله المطاعم أن تشعر زُبنها بأن لذتهم مكتملة، وعلى الرغم من ذلك يبقى الشعور مختلفاً عن معاقرة سائل البهجة وفق ما يقول أشقاؤهم السعوديون.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي