"الصدر شاشة والكعوب أفلام"... إيحاءات جنسية وعواطف حربية في الأغاني اليمنية

"الصدر شاشة والكعوب أفلام"...  إيحاءات جنسية وعواطف حربية في الأغاني اليمنية

"حراز حراز يا ليتني حرازي، يا ليتني فوق الكعوب رازي"، هذا ما تقوله أغنية شعبية في تجلٍّ للنزعة الحسية في الأغنية العاطفية اليمنية، فيما تتناول أغان أخرى العشق، لكن بلغة عنيفة مثل: "ولعتني بالحب وأنتَ غشاش لك قنبلة وأربع رصاص برشاش".

عبر تاريخها، عكست الأغنية الشعبية واقع اليمن الاجتماعي بتنوعه الجغرافي والثقافي والطبقي.

مقابل الأغنية المحافظة المتوائمة مع محاذير المجتمع، تنزع الأغنية الشعبية إلى التمرد على تابوه الجنس. ومعظم الأغاني ذات الإيحاءات الجنسية هي منتح نسائي صرف وفق ما يؤكد لرصيف22، الشاعر عبدالمجيد التركي.

على مدى قرون، ظلت الأغنية ذات الإيحاءات الجنسية حبيسة الثقافة الشفهية، تتحرك في فضاء نسوي محدود في ما يعرف بالمهاجل (المواويل)، ولكن ثورة تكنولوجيا الاتصال وفرت لها منبراً رحباً، وصارت الأغاني الشعبية تنافس أغاني المؤسسة الرسمية.

تكنولوجيا الجسد

يشرح الباحث في مجال الأغنية اليمنية جابر علي أحمد لرصيف22، كيف بقي الإعلام التقليدي متماهياً مع قيود المجتمع، لافتاً إلى دور تكنولوجيا الاتصال الحديثة في تفكيك الحشمة الزائفة، ومتوقعاً أن يؤدي تلحين الأغاني الشعبية ذات الإيحاءات الجنسية ونشرها، إلى انفتاح القنوات الرسمية، بحيث يصبح التعبير عن الجسد مباحاً.

تنتشر على شبكة الإنترنت وموقع يوتيوب قنوات يمنية مكرسة لنشر الأغنية التي ظلت المؤسسة الرسمية تتحاشى بثّها.

فخلافاً للغناء في البلدان العربية، تحضر في الغناء اليمني اللغة الحسية مثل الكعوب ورشف الريق وغيره، يقول الناقد الفني علوي السقاف.

تعد أغنية "ياخي الصغير أنت العديل على أبي قله يزوجني موعاد يشا بي كعوب صدري شططو ثيابي" التي غنتها المطربة المصرية الراحلة فايزة أحمد، من النماذج المبكرة للأغنية اليمنية العاطفية ذات الإيحاءات الجنسية.

لكن، وخلافاً لأغنية ياخي الصغير (كلمات سعيد شيباني ولحن فرسان خليفة)، والتي تعد من  الأغاني الملتزمة بقضايا اجتماعية، تبدو الأغاني الشعبية الجديدة مثل: "الصدر شاشة والكعوب أفلام" متحررة من الالتزام الأيديولوجي الاجتماعي، وذات سمة حداثية، خصوصاً لجهة اعتمادها لغة تنتمي إلى السينما.

يرى أحمد الذي صدرت له 3 كتب أبرزها "تيارات تجديد الغناء في اليمن"، أن هذا النوع من الأغاني ينطوي على مغامرة، خصوصاً عندما تؤديه أنثى. لكنه يأخذ على مؤدّي هذا النوع من الأغاني افتقارهم إلى ثقافة تحررية راسخة، الأمر الذي قد يجعلهم ينكسرون عند أول منعطف.

أقوال جاهزة

شارك غردظلت الأغنية اليمنية ذات الإيحاءات الجنسية حبيسة الثقافة الشفهية تتحرك في فضاء نسوي يعرف بالمهاجل

شارك غردالناقد الفني علوي السقاف: خلافاً للغناء في البلدان العربية، تحضر في اليمن اللغة الحسية مثل الكعوب ورشف الريق وغيره

تذكير المرأة

يعتبر الريف اليمني من أكثر البيئات المحافظة، لكنه غير ذلك في القول "والغناء قول، وما فيه من إيحاءات جنسية يقال بشكل مباشر في الحياة العامة"، يقول السقاف، موضحاً أن اللغة الجنسية حاضرة في أوساط الطبقات الشعبية وبين الكبار والصغار والنساء على سواء.

يعود تاريخ الغناء في اليمن إلى آلاف السنين. ويرجح باحثون أن الحضارات اليمنية القديمة مثل المعينية والسبئية عرفت فن الموسيقى، إذ تظهر نقوش مكتشفة في اليمن نساء يعزفن على الآلات.

لكن انتشار الغناء وانحساره كانا وما زالا محكومين بطبيعة النظامين السياسي والديني. "فالناس على دين ملوكهم"، يقول أحمد.

وهناك أغانٍ ذات نزعة حسية جسدت قصصاً واقعية. فأغنية "الدودحية" مثلاً تحكي قصة عاشقين مارسا الحب خارج مؤسسة الزواج بعد أن رفض والد الفتاة تزويجها، بحسب الشاعر عبدالله البردوني في كتابه "الثقافة الشعبية، تجارب وأقاوييل يمنية".

شكل ظهور الإسلام منعطفاً في تاريخ الموسيقى والغناء، فخلافاً لليهودية والمسيحية، اتخذ الإسلام موقفاً حذراً من الموسيقى. ولذا تولت الطائفة اليهودية حضانة الفنون في معظم الدول العربية ومنها اليمن. "لكن تحريم الموسيقى لم يبرز بقوة سوى في العقود الأخيرة نتيجة لموجة التطرف والتدين السطحي" يقول السقاف.

تنتمي معظم الأغاني الحسية إلى المناطق الموصوفة بالأكثر محافظة مثل صنعاء والمناطق المجاورة لها، حيث ظلت المرأة توصف بالعورة وكذلك صوتها، إلى درجة  أن "التغزل بالحبيبة ظل يأتي بصيغة المذكر، ولم يتحرر الشعراء منه إلا أخيراً، ومع ذلك ما زال بعضهم يخاطب الحبيبة بصيغة المذكر" يقول التركي.

تحضر في الأغاني التي كتبها ذكور لغة تحيل إلى العنف مثل استخدام مفردات المدفع والدبابة والجنبية. وعلى عكس ذلك، يعبر الشعر الشعبي المنسوب إلى النساء عن مشاعر حسية ذات صور جنسية قلما تجرأ الذكور على استخدامها. وبحسب التركي، يعد الشاعر الراحل علي بن علي صبرة (1938 - 2008) أول من تجرأ وأدخل المحبوبة شعرياً إلى غرفته.

مشاعة جنسية

إضافة إلى إخراجها أغاني المرأة إلى واجهة الحضور، تحولت التكنولوجيا إلى موضوع تتناوله الأغنية الشعبية أيضاً. فعلاوة على "الصدر شاشة والكعوب أفلام"، صدرت أغان تدور حول لقاء الحبيب عبر الواتسآب وفيسبوك وتويتر.

تقدم فرقة "أنغام صنعاء" الأهلية أنموذجاً بارزاً في تلحين الشعر النسائي الشعبي وآدائه الذي ظل مقصياً ويوصف من النخبة المحافظة بالفاحش. تواصل رصيف22 مع رئيس الفرقة، لكنه تحاشى الحديث في الموضوع.

صحيح أن الحرب الأهلية التي تشهدها البلاد جعلت الجماعات السنية والشيعية المتطرفة مهيمنة على المجتمع بديلاً عن الدولة، ولكن الإنترنت ما زال فضاء حراً على الرغم من إجراءات الحجب.

توفر برمجيات كسر الحجب إمكان الوصول إلى المواقع الإباحية. وبحسب مصادر مختلفة، يتبادل الطلاب في المدارس والجامعات المقاطع الإباحية عبر البلوتوث.

أدى ذلك إلى تراجع الاهتمام بالغناء الحسي، ولكنه يبقى مطلوباً "لأنه يعبر عن الوجدان اليمني"، تقول سلوى (24 سنة)، طالبة في جامعة صنعاء. ويؤكد على ذلك السقاف، الذي يعتبر أن "في الغناء الحسي الجنسي نوع من التنفيس".

لكن المفارقة أن النخبة الموسيقية ما زالت محافظة، فلئن انطوى الشعر الحميني القديم على صور حسية صريحة، إلا أن المؤدين الذين غنوه تجنبوا ذكر العبارات ذات الإيحاءات الجنسية على غرار ما نجد في أغنية "يا مغير الغزالة والغزال" الذي يعد المطرب الراحل محمد حمود الحارثي (1935 - 2007)، أبرز من غناها، متجنباً ذكر البوسة في النص الأصلي.

يقول التركي إن الشعراء ما زالوا محكومين بقيود المجتمع المحافظ ويتحرجون من كتابة نصوص تتعارض والقيم السائدة، وهناك من يرغب في كتابة أغان ذات إيحاءات جنسية، لكنه يتظاهر بالحشمة والرزانة كي لا يعرفه الناس بهذا النوع من الكتابة.

"لكن التعبير عن الغرائز يبقى أمراً فطرياً، وسيظل حاضراً بطريقة أو بأخرى مهما كانت القيود"، يقول الباحث الموسيقي أحمد، معتبراً التمرد على السائد أساس تقدم البشرية، ومستدلاً بالحداثة الأوروبية التي نهضت على أصوات جريئة غير متوائمة مع السلطة والكنيسة.

كلمات مفتاحية
اليمن

التعليقات

المقال التالي