الرهان على مصارعة الديوك هواية يمارسها قرويون بعد صلاة الجمعة

الرهان على مصارعة الديوك هواية يمارسها قرويون بعد صلاة الجمعة

أرض فضاء وديوك جاهزة للمصارعة حتى الموت، وأناس متحلقون حول الحلبة ينتظرون من الفائز ليصفقوا له، ثم يواسون الخاسر الذي فقد «ديكه» وفلوس من راهنوا على فوزه. هذا المشهد تابعناه في مركز «كفر العلماء» بمحافظة الشرقية، إحدى محافظات دلتا مصر، وهو يتكرر أسبوعيًا ويُعرف بـ"مصارعة الديوك".

ورغم أن الأصل التاريخي لتلك اللعبة غير معروف بالتحديد، فهنالك تقارير أشارت إلى بدء هذا النوع من الصراع في عصر الدولة الرومانية، وأخرى أشارت إلى أن الفلبينيين القدماء هم أول من مارسوا هذه اللعبة ونقلوها الإسبان الى العالم بعد احتلال الفلبين، إلا أن بدايته في مصر  معروفة، إذ يؤكد الصحافي المصري الراحل جمال الغيطاني في كتابه «ملامح القاهرة في ألف سنة» أن مصارعة الديوك جاءت مع  الحكم العثماني لمصر عام 1517 واستمرت بشكل كبير في ميادين القاهرة، وكان لها أسواق تبيع الديوك المقاتلة وحلقات يتوافد إليها الآلاف من المصريين حتى قامت ثورة يوليو وانحسرت تلك "الرياضة"، كما يحلو للبعض تسميتها، واستمرت في بعض الأقاليم.

تدريب الديوك

وبالعودة إلى «كفر العلماء»، يحدثنا «مؤمن السيد» البالغ من العمر 15 عامًا، هاوٍ ويملك ديكاً مصارعاً، أن تجهيز «الديك» لهذا النوع من الصراع يحتاج لعملية تأهيل تستغرق عامًا، لافتًا إلى أن سبب نشوء تلك اللعبة أن فطرة «الديك» نفسها مؤهلة لذلك، فهو حيوان دائم العراك، ومن هنا جاءت فكرة تدريبه.

رحلة العام التي يستغرقها تجهيز «الديك» لخوض أولى معاركه يُخبرنا بها «السيد» والد «مؤمن» ومراهن في اللعبة، والتي تبدأ من شراء «الديك» صغيرًا لا يتعدى عمره الشهرين، من بعض الأسواق الشعبية في القاهرة وغيرها من المحافظات، ولا بد أن ينتمي إلى إحدى السلالات المعروفة بالقوة والتي يتربع على عرشها نوعان «الهندي والباكستاني».

أقوال جاهزة

شارك غرد"تلك الرياضة الأسبوعية تتم من أجل المتعة تمامًا ككرة القدم وغيرها والمال الذي يُدفع هو لاستمرار الرياضة"

شارك غردأول شرط للمعركة هو القتال حتى الموت، أو في بعض الحالات هروب الديك ويعد ذلك هزيمة

ويراوح ثمن الأول الأكثر شعبية في مصر بين 500 - 2000 جنيه (28$-113$) ، ويُحدد السعر بحسب الحجم الجسماني للديك وطول رقبته، وهما من دلائل القوة. أما النوع الباكستاني فهو غير منتشر، ولعل ذلك يعود إلى اعتياد المربين للديوك على الهندي فقط.

في شهره الخامس، كما يوضح «السيد»، يبدأ تعليم «الديك» الشراسة بعزله عن الدجاج وتقديم اللحوم له وإجباره على الجري في أماكن مفتوحة لفترة طويلة حتى يُنهك تمامًا للتعود على المشقة، ثم تأتي المرحلة الثالثة بوضعه على سور سطح البيت، وضربه ضربًا خفيفًا حتى يستطيع الحفاظ على ثباته، وذلك يتم 3 مرات في الأسبوع، ثم تبدأ المصارعة التجريبية، بالإضافة إلى غذاء مختلف يتمثل في اللحوم واللبن.

ويمكن متابعة تأثير كل ذلك من طول الرقبة والساقين المعبرتين الحقيقيتين عن القوة، وفق السيد.

قواعد اللعبة

ومن التجهيز إلى المعركة التي تتم وفق عدة شروط، لعل أولها كما يقول «مؤمن» هو القتال حتى الموت، أو في بعض الحالات هروب الديك ويعد ذلك هزيمة.

ويفّصل لنا ما يدور في بلدته بقوله إن هناك أكثر من 50 بيتًا تشارك في تلك الرياضة كل جمعة. لا يحتاج الأمر إلى أي تنبيه، أو تحديد أشخاص للتنظيم، فالكل يعلم الموعد -بعد صلاة الجمعة- والمكان في أرض خلاء وسط القرية. ويأتي نوعان من الناس، المراهن والمشارك.

الخطوة التالية هي تحديد من سيشارك ومن سيُراهن. النوع الأول يتقدم بالديك الخاص به، أما الثاني فيراهن على أحد الديكين، لأن المصارعة بين اثنين ليس أكثر كما هي في بعض الأماكن، وقيمة الرهان 50 جنيهًا (2.8$).

وفي حالة المكسب يحصل صاحب الديك الفائز على 10% من قيمة الرهان، وفي حالة الخسارة لا يسترد أحد أمواله. ثم يتجمع الناس في حلقة يطلَق عليها «كوبانية» وتبدأ المباراة، ويتم وضع المال مع شخص حيادي باتفاق المتنافسين، وقد يُعيّن أحد الأشخاص مقابل نسبة من المال في المباريات الكبيرة التي يشاركون فيها مع أناس خارج القرية.

المراهنون

تلك الرياضة الأسبوعية التي يشارك فيها، كما يقول رضا عبد البر لرصيف22، أحد الذين يراهنون أسبوعيًا، تتم من أجل المتعة تمامًا ككرة القدم أو غيرها، والمال الذي يُدفع هو لاستمرار الرياضة، فصاحب «الديك» يحتاج إلى المال للتربية، مضيفًا أنه نشأ على حب أهله لتلك الرياضة، ما يجعله غير مقتنع بأنها حرام كما يقول البعض، كما أنها لا تتسبب بأي مشاكل.

ويعتبر رضا أنها رياضة ليست فئوية، بل يشارك فيها الكثيرون من خريجي الجامعات والكبار والصغار. أما النساء فلا يحق لهن المشاركة لعدم جواز اختلاطهن بالرجال في أماكن خلاء، وفق تقاليد القرية.

إنها مصدر رزق. هذا ما يقوله سيد حمادي الذي يشارك في الحلقات في بلدته بمحافظة المنوفية، وإن كان الأمر مختلفًا، إذ تقام المباريات بدون موعد سابق، لكن «حمادي» يشرح لرصيف22 أنه ورث تلك المهنة عن أبيه الذي كان يشتري الديوك ليشارك بها في حلقات المصارعة، وقد استطاع أن يكمل حياته من تلك المهنة. وهذا ما دفع «سيد» إلى تكملة المسيرة.

وعن عمله يقول إنه يكسب شهريًا ما يقارب الألفان جنيه من خلال المشاركة في 4 حلقات مصارعة، إذ أن الحلقة الواحدة لا تقل عن 500 جنيه مكسب، وفي حالة عدم إقامة حلقات في بلدته، يغادر إلى محافظات أخرى يعرفها جيدًا. وهذا سر عمله، أن يملك خريطة كاملة بالمواعيد لكل الحلقات، مضيفًا إنه يعرف أيضًا من يمتهنون نفس مهنته.

مصدر الرزق لا يقف عند من يشارك فقط، كما يقول «سيد»، بل هناك فلاحون خصصوا جزءًا من أرضهم لإقامة تلك الألعاب مقابل مبلغ من المال، إذ ذاك يكون صاحب الأرض هو «الريّس» الذي يدير المضاربات ويكون معه المال، وهذا شكل جديد أيضًا للعب.

ديوك القانون

دنيا ذو الفقار الناشطة في مجال الرفق بالحيوان، تقول لرصيف22 إنه لا يوجد نص يُحرم تلك الرياضة رغم تحريمها في أكثر من دولة مثل العراق، لافتةً إلى أن القانون المصري يحرم القتل العمد للحيوانات الأليفة ويعتبره جنحة لا تتعدى عقوبتها الـ3 سنوات. ورغم إمكانية وضع صراع الديوك تحت طائلة تلك المادة لأن الديك الخاسر هو في الحقيقة مقتول، فإن الأمر يسير من دون أية مساءلة.

وأضافت ذو الفقار أن ثقافة العنف ضد الحيوانات غير راسخة في مصر، ومنذ ثلاث سنوات حين تم حبس شاب لأنه قتل كلباً بعد تعذيبه كان سبب الحكم هو انتشار الواقعة واستياء شريحة كبيرة من المواطنين، فحتى الوقائع المجرمة بنص قانوني لا يتم التحرك فيها إلا من خلال ضغط الرأي العام، وهو ما يجعل تجريم هذا النوع من الرياضة صعبًا في ظل الثقافة السائدة.

عبدالرحمن عباس

صحفي وكاتب مصري

التعليقات

المقال التالي