هل يمكن أن تكره الأم طفلها؟

هل يمكن أن تكره الأم طفلها؟

قتلت أم ابنها وعمره 18 شهراً، لأنه بلل ملابسه. وسكبت أخرى الماء المغلي على طفلها وعمره 4 سنوات، حتى لفظ أنفاسه الأخيرة.

امرأة قتلت رضيعتها "بالساطور" لرغبة زوجها في إنجاب ذكور. وواحدة قتلت طفلتها، 6 سنوات، لتعلقها بجدها ورغبتها في العيش معه.

ثم هزت جريمة قتل أم أردنية أبناءها المملكة الهاشمية، وثار الإماراتيون لقتل سيدة نجلها، وغيرهن الكثيرات.

يشعر المراقب أن جرائم قتل الأمهات أطفالهن زادت، في مصر بشكل خاص وفي العالم عموماً. غير أن المثير الدهشة والقلق أن غالبية الأسباب المعلنة لتلك الجرائم "تافهة للغاية".

فكيف يمكن أن يكون الدافع وراء جريمة بحجم قتل أم لطفلها تافه؟

ما الذي يحدث حينما تقرر أم انهاء حياة طفلها، وبوحشية؟

الجرائم لا تنتهي دائماً بالوفاة

يؤكد محمود البدوي، المحامي الحقوقي ورئيس الجمعية المصرية لمساعدة الأحداث وحقوق الإنسان، لرصيف22، أن جرائم الأمهات ضد أطفالهن في ازدياد ملحوظ ولا يمكن أن ننكره، لافتاً إلى أن ما يثير الرأي العام فقط هو تلك الجرائم التي تنتهي بوفاة طفل.

غير أن الحالات التي تسبب إعاقات جسدية أو نفسية لطفل بسبب أمه أو أبيه أو كليهما معاً لا يمكن حصرها أو التنبؤ بعددها.

ويروي البدوي قصة سيدة وكّلته الدفاع عنها بتهمة قتل طفلها، 6 سنوات، من ذوي الحاجات الخاصة (جسدياً)، غير أنه اعتذر بعد أن كشفت التحريات ضلوعها في قتله برفقة عشيقها لمعرفة الابن بعلاقتهما المحرمة.

حبس المجرمان الطفل 4 أيام وعذباه بشتى أنواع التعذيب، الحرق، الضرب والحرمان من الطعام والشراب، حتى أصيب بالتبول اللاإرادي... وتوفي، يقول البدوي.

"أعتقد أن ما نسمع عنه من جرائم قتل الأمهات أطفالهن حالياً، "تطور أو تدرج طبيعي" لاستخدام العنف ضد الأطفال كعقاب؛ فقديماً كان الصراخ ثم تحول إلى الضرب باليد، ثم استخدام العصا، بعد ذلك تطور لاستخدام آلات حادة أو اللسع والحرق... ومن المنطقي مع ارتفاع معدلات العنف في أنحاء العالم أن نرى ما يحدث الآن"، هذا ما تقوله هبة عيسوي، الأستاذة في الطب النفسي بجامعة عين شمس، في حديثها إلى رصيف22.

وتردف: "لعل هذا ما دفع إلى مطالبات عالمية بتصنيف العنف الأسري مرضاً نفسياً في القواميس العالمية".

لماذا تؤذي الأم طفلها؟

أجرت حنان سالم، الأستاذة في علم الاجتماع الجنائي في كلية الآداب بجامعة عين شمس دراسة ميدانية في 2004 عن جرائم العنف الأسري لمصلحة مركز الأهرام للدراسات والبحوث، توصلت في نهايتها إلى أن "القتل" هو الجريمة الأكثر انتشاراً داخل الأسرة المصرية، أكثر حتى من جرائم السرقة والاغتصاب والخيانة الزوجية.

تقول أستاذة علم الاجتماع الجنائي لرصيف22 أن حب الأم أطفالها فطرة، لا خلاف فيه، لكنها قد تضطرب.

وتتابع أن دوافع الجريمة تنقسم إلى داخلية وخارجية.

"تتمثل الداخلية في الجانب النفسي والوضع الاجتماعي للأم، فإذا كانت تعاني من اضطراب نفسي أو عقلي أو ضغوط وظروف اجتماعية قاسية، فمن الطبيعي أن نتوقع أن تؤذي ذاتها أو المحيطين بها وحتى أطفالها"، تقول لرصيف22.

أما الخارجية، بحسب سالم. فهي التي تسرّع ارتكاب الجريمة كالأسباب التي نسمع عنها وهي بالطبع غير منطقية ولا أي سبب يبرر قتل الأم طفلها، لكنها تكون "القشة التي قسمت ظهر البعير" فيثير هذا السبب الظاهري التافه بركان الغضب وجبل الضغوط التي تتحملها الأم فترتكب الجريمة، وغالباً ما تكون غير مدركة ما تفعل، نستثني من ذلك طبعاً الجرائم التي تتم عن عمد وبعد أيام من التعذيب.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف يمكن أن يكون الدافع وراء جريمة بحجم قتل أم لطفلها تافه؟

أنماط الشخصية القاتلة

تلفت عيسوي إلى انتشار جرائم قتل المواليد سفاحاً، تخلصاً من عار الفضيحة، إلى جانب النزعة الانتقامية لأمهات في قتل أبنائهن، انتقاماً من الزوج عقب الانفصال أو للتخلص من مسؤولياتهم وعيش حياتهن بحرية أو حتى لعجزهن عن الإنفاق عليهم.

لكنها تشدد أن قتل الأم لأطفالها ليس بسبب الكره دائماً.

هي جريمة أكثر تعقيداً من أي جريمة قتل أخرى، لذلك لا يمكن حصر دوافعها بحب أو غضب أو كره.

تقول عيسوي أن في حالات "ذهان ما بعد الولادة"، تصاب الأم باكتئاب حاد نتيجة الخوف والقلق على رضيعها فترغب بحمايته من الجميع ومن أي خطر مجهول، وهنا تتقمص دور "ملاك الرحمة" وفق ما تظن وتقتله لتسمو بروحه إلى السماء حيث لا ضَرر ولا ضِرار.

لكن هناك بالطبع الشخصية السيكوباتية، والتي لا تتأثر بآلام الآخرين أو آلامها الشخصية، فضلاً عن الشخصية السادية التي تتلذذ بالتعذيب، ولا يهمّها ما إذا كان من تعذب هو طفلها أو أي شخص آخر.

وربما تجسدت هذه الشخصية في والدة النجمة الشهيرة Sinead O'Connor التي اعترفت أخيراً بـ "تلذذ" والدتها بضربها ووضعها في "حجرة تعذيب".

وشخصت كاريل ماكبرايد، طبيبة نفسية، حالة كارين التي ظهرت في برنامج دكتور فيل، بأنها تعاني من مرض "نرجسية الأمهات"، وأبرز أعراضه افتقاد الأم الشعور بالتعاطف أو الحب غير المشروط تجاه الطفل فترفض أو تكره كل ما يفعله الابن بغض النظر عمّا إذا كان أخطأ أم لا.

تربية غير سوية

وتوضح عيسوي أن غالبية هذه الأنماط من الشخصيات هي نتيجة تربية غير سوية: الأم المجرمة هي عادةً طفلة معذبة أي عانت من سوء التربية نفسه في الصغر، وتعرضت ربما للعنف أو الاعتداء الجنسي أو الجسدي أو حتى الإهمال.

ويتفق مزيد معها بالقول: يخطئ الأهل عندما يظنون أن التربية هي توفير الطعام والشراب للأبناء. التربية هي غرس القيم النبيلة والتنشئة السوية وتلبية حاجات الطفل المادية والمعنوية.

وتعتبر سالم أن جرائم قتل الأمهات فلذات أكبادهن نتيجة "فساد الجو الأسري" بلا شك.

الصمت على عنف الأب

آية مجدي، طبيبة الأطفال في مستشفى شبين الكوم التعليمي، تؤكد لرصيف22، أن جرائم الأمهات ضد أبنائهن لا تتوقف عند الأذى المباشر أو المتعمد، بل قد يكون ضررها أكبر بالصمت على عنف الأب أو حتى مشاركته فيه.

وتروي قصة طفل حبسه والداه 3 أيام من دون طعام في غرفته، وقيّد ليومين منا مقيداً إلى السرير ولم يكتفيا بذلك بل ضربا به عرض الحائط، وجاءا به إلى المستشفى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، والكارثة أن عمر الطفل كان عامين فقط. وتضيف: "اعترفت الأم بحقيقة ما حدث للطفل بعد ضغوط شديدة بإبلاغ الشرطة لأن إصابة الطفل فيها شبهة تعذيب".

وتزيد: "كان همها حماية الأب؛ وفي النهاية توفي الطفل وحررنا محضراً بالجريمة".

في جريمة أخرى، تشاجرت أم مع زوجها فمنع عنها رضيعها، ما أدّى إلى تبعات صحية وفارق الحياة، ورفضت الأم اتهام الأب أو تحرير محضر ضده لأنها ترغب في إكمال حياتها معه، تقول مجدي.

وتتابع: "ألاحظ من خلال تعاملي كطبيبة أطفال مع إصابات الأطفال ووفياتهم انتشار اعتقاد "غير منصف" لدى كثر من الأمهات والآباء بأن "هذا طفلي إذاً هو ملكي أفعل به ما أشاء" أو أنه "طالما أن الأب والأم موجودان فمن اليسير تعويض الطفل وإنجاب غيره"؛ من دون احترام حق الطفل في الحياة".

علامات تشير إلى أن الأم قد تؤذي طفلها

يشير مزيد إلى أن هناك علامات توضح أن الأم قد تلحق الأذى بأبنائها، أولاها: أن يكون جزاء ما أخطأ فيه ليس من جنس العمل، أي رد الفعل أقسى بمراحل من الفعل؛ كأن تحدث الأم بطفلها إصابات بالغة، أو عاهة، لمجرد رفضه تناول طعامه أو النوم مبكراً.

أو أن تكثر الشكوى من أبنائها ومن مسؤولياتهم أو تتحدث عن أنهم "أزمة حياتها" أو تلقي باللوم عليهم في أي مأزق توضع فيه. أو العكس؛ أن تعبر عن خوفها عليهم من مصاعب الحياة ورغبتها في تخليصهم منها. وكذا أن تهملهم وتتوقف عن رعايتهم من حيث المأكل والمشرب والعناية بصحتهم وقت المرض، أو مظهرهم وملابسهم.

ثانيتها، معاناتها من مرض نفسي أو عقلي، بخاصة إذا كان في مرحلة متطورة، يضيف مزيد.

أما عيسوي فتلفت إلى أن الأم قد تشرع في التحضير للجريمة وتجهيز أدواتها مثل السكاكين أو الحبال والأربطة من دون حاجة واضحة إليها، هنا على المحيطين الحذر، بخاصة مع اضطراب نومها أو عاداتها الغذائية.

كيف نحمي الأطفال؟

تشدد عيسوي على ضرورة إبعاد الأم عن الأبناء إذا ظهرت عليها تلك العلامات، ولا بد من علاجها نفسياً والتأكد من شفائها التام قبل إعادتهم إليها، إذ قد تشكل خطراً كبيراً عليهم. أما مزيد فيقترح إيجاد شخص بديل لرعايتهم أثناء وجودهم مع الأم، مثل الخالة أو الجدة، مع تشجيعهم على التعبير عن حبهم لأمهم باستمرار ودعمها معنوياً، وهذا قد يكون خياراً جيداً، بسبب عدم وجود دور رعاية مؤهلة للتعامل مع تلك الحالات.

كما يجب على الزوج القيام بدوره في مساندة الزوجة في رعاية الأبناء، حتى في حالة الطلاق، حتى لا تكون مصدر خطر عليهم وعلى نفسها.

وتوصي سالم بضرورة اشتراط إجراء اختبارات نفسية للزوجين ضمن اختبارات ما قبل الزواج لتتأكد من أهليتهما لإقامة أسرة سوية وإنجاب أطفال وتربيتهم بشكل سوي.

أما على الجانب القانوني، فيوضح البدوي أن العقوبات في جرائم الأهل ضد أطفالهم تختلف؛ فللمحكمة تقدير القضايا وتوصيفها، ومن ثم تحديد العقوبة؛ فمثلاً إذا صنفت الجريمة ضمن "ضرب أفضى إلى قتل" مثل قضية المرأة المذكورة سالفاً، فستقتصر العقوبة على السجن لمدة لا تقل عن 5 سنوات، وقد تصل إلى السجن المشدد، أما القتل العمد فعقوبته من السجن المؤبد إلى الإعدام، في حين يعاقب القتل العادي بالسجن المشدد.

في النهاية، يلفت محمود الذي يرأس واحدة من أشهر الجمعيات المعنية بالتوعية لحماية حقوق الأطفال والأحداث في مصر، وتوفير الدعم والمساندة القانونية لهم عند الحاجة، إلى أهمية "صحوة قومية" تجاه حقوق الطفل والتنشئة السليمة والآمنة له مع تغليظ العقوبات في جرائم الأهل ضد أبنائهم، بخاصة القتل.

سامية علام

محررة صحافية مصرية مهتمة بشؤون المرأة والمجتمع

كلمات مفتاحية
الأمومة الطفل

التعليقات

المقال التالي