السباحة في مجاري المياه والقفز فوق الجدار ولعب الأدوار: مغامرات تسلل الشباب الفلسطينيين إلى القدس

السباحة في مجاري المياه والقفز فوق الجدار ولعب الأدوار: مغامرات تسلل الشباب الفلسطينيين إلى القدس

"شعور باليأس يتملكك حينما تقف أمام الجدار العازل الذي يفصل بينك وبين بلدتك التي قضيت فيها طفولتك ومراهقتك، ولا تستطيع قدماك أن تطأ أرضها". يقول المقدسي محمد عبد الرازق، أحد الممنوعين من دخول القدس منذ نحو عامين.

بعد عام 2000، تاريخ انطلاق انتفاضة الأقصى، وجدت إسرائيل صعوبة في مواجهة الغضب الجامح لأبناء القدس والفلسطينيين، وعمدت إلى إنشاء ما وصفته بـ"الجدار العازل أو الفاصل" عام 2002، تحت حجة حماية المواطنين الإسرائيليين من هجمات الغضب الفلسطيني.

استمرت في بنائه سنة تلو أخرى، والحجة واحدة وثابتة.

من المقرر أن يصل طول الجدار إلى حوالى 700 كيلومتر، أُنجز منه حتى الآن حوالي 70%، ويفصل بين الضفة الغربية ومدينة القدس والداخل الإسرائيلي، ويراوح ارتفاعه بين 8 و9 أمتار، أي ضعفَيْ ارتفاع جدار برلين.

يتخلل الجدار الفاصل بوابات دخول وخروج سواء للمركبات أو المواطنين، إذ لا يمكن أن تمروا إلى الداخل إلا بعد الكشف عن هويتكم وتصريح دخولكم والأسباب، فضلاً عن وجود كاميرات مراقبة على طول الجدار وأسلاك شائكة أعلاه.

ليس كل أهالي فلسطين ممنوعين من دخول القدس، إذ تنقسم الهويات داخل فلسطين إلى عدة أنواع وألوان، ما يعرقل التنقل السهل بين القطاعات المختلفة.

البداية

عقب الانتفاضة الأولى للفلسطينيين، اعتمدت إسرائيل على عقوبة "النفي أو الإبعاد" لأبناء القدس من أصحاب التوجهات السياسية المعارضة للتمدد الإسرائيلي.

وجد عدد من أبناء القدس أنفسهم ممنوعين من العودة إلى أراضيهم وقراهم التي قضوا فيها المراهقة والشباب.

تبدأ فترة الإبعاد من أسبوع وقد تصل حتى سنوات، ومن الممكن أن تجدد تلقائياً من دون إبداء أسباب حقيقية، سوى أن السبب سياسي أو يخص الأمن العام لدولة الاحتلال.

تحول لون الحبل إلى الأحمر القاتم نتيجة الدماء والأيادي التي جرحت أثناء التشبث به

خسارة المقدسيين أنفسهم كانت كبيرة من الناحية الاقتصادية، إذ فقدوا أحد مصادر الرزق المحلية المتمثلة بزيارة المدينة التاريخية والتنقل بين أحيائها ذات الطابع الديني التاريخي، وهو ما اضطر عدد من سكان القدس إلى الارتحال خارجها بحثاً عن لقمة العيش ومصدر رزق جديد، بعد تعثر السياحة الداخلية بسبب الجدار العازل.

مصائب قوم عند قوم فوائد

كعادة المقدسيين، لم يستسلموا لتلك القرارات الجائرة وعبروا عن ذلك على طريقتهم، إذ ظهرت على السطح مهنة جديدة تحت إسم "المهرب"، وهو شاب فلسطيني يملك من الحيلة والدهاء ما يسهل له توفير فرص للتسلل إلى القدس.

يتمثل دور المهرب في تأمين نقطة التقاء غائبة عن عيون قوات الاحتلال، وتوفير السلم الخشبي بارتفاع الجدار العازل، ومراقبة المنطقة المحيطة بنقطة العبور من خلال الاعتماد على أكثر من شخص للمراقبة.

يقول الشاب المقدسي أسامة المُبعد عن مدينته إن الفلسطينيين الذين يتسللون إلى القدس يتعذر إحصاؤهم، فهناك جمع غفير ممنوع من رؤية عائلاتهم أو الحصول على تصريح دخول لزيارة المدينة من دون أسباب حقيقية. فقط يقال لهم عند السؤال: لدواع أمنية.

أقوال جاهزة

شارك غرد تعتمد على نفسك وعلى قدرتك على العدو في الظلام والدخول وسط الحشود وإخفاء أية معالم تدل على أنك متسلل

شارك غرديدفع له مبلغاً من المال قد يصل إلى 100 شيكل ليخفيه بين السياح ويمنحه تصريحاً مزوراً ينقله إلى الداخل

ينتهز التجار قانون الإبعاد، ويدبرون العديد من الطرق الالتفافية لتهريب الناس مقابل مبالغ باهظة. أجر نقلهم بالباص في حال كانت أوراقهم سليمة لا يتعدى مثلاً الـ"6 شيكل" (1.7 دولار) أما إذا كانوا متسللين فمن الممكن أن يبلغ أجر التهريب ضمن حافلة سياحية 150 شيكلاً (42.4 دولاراً).

الجميع يتسلل، نساءً ورجالاً وكهولاً، والأسباب عديدة، فهناك من يبحث عن لقمة عيش داخل المدينة المقدسة وآخر يشتاق لزيارة الأقصى وآخر لزيارة عائلته التي أبعد عنها.

أحياناً يتم التسلل أمام أعين الجنود الإسرائيليين. يقول أسامة: "أظن أنهم يحصلون على نسبة من المهربين أو أن اتفاقاً ما يتم فيما بينهم، ولا أستبعد أن يكون هناك اتفاقيات تسليم بعض المتسللين مقابل إلقاء القبض على آخرين".

عندما يكون الوطن بالقفز على الجدران

محمد عبد الرازق لم يتخطَّ بعد عامه السابع والعشرين، عاش في كنف القدس وجدرانها وأزقتها نحو 25 عاماً، هُجّر قسراً من مدينته لرفضه ممارسات إسرائيل وتعنتها ضد أبناء فلسطين.

يتقاضى المهرب مبلغاً من المال قد يصل إلى 60 شيكلاً (17 دولاراً)، مقابل تأمين عملية التسلل عبر الجدار العازل. "يقتصر دور المهرب على وضع سُلم خشبية على الجدار العازل من الخارج ناحية الضفة الغربية، ويسمح للمقدسيين بتسلق السلم للعبور إلى الداخل"، يقول عبد الرازق.

مَثل الجدار العازل عائقاً أمام المقدسيين وزاد من سوء الحياة الطبيعية لسكان الضفة الغربية، وخاصة هؤلاء الذين يرتبطون بأعمال داخل الأراضي المحتلة، إذ يواجهون الانتظار بضع ساعات أمام البوابات والحواجز الالكترونية.

يقول عبد الرازق: "يضع المهرب السلم الخشبية مصلوبةً على الجدار ونقوم بالتسلق حتى نصل إلى أعلى الجدار ومن ثم نمر من فوقها عبر الأسلاك الشائكة لنجد حبلاً ممتداً إلى أسفل الجدار من الناحية الأخرى، نتمسك به وننزل رويداً رويداً، حتى لا نسقط من الارتفاع الشاهق".

ويكمل: "البعض أصيب بكسور وكدمات بسبب القفز من ارتفاعٍ عالٍ من الناحية الأخرى للجدار، فيما تحول لون الحبل إلى الأحمر القاتم نتيجة الدماء والأيادي التي جرحت أثناء التشبث به. لا يضمن لك المهرب السلامة والأمان بعد عبور الجدار، ولا يوفر لك سيارة لتنقلك إلى المناطق المأهولة، فقط تعتمد على نفسك وعلى قدرتك على العدو متخفياً في الظلام ومن ثم الدخول وسط الحشود وإخفاء أية معالم تدل على أنك واحد من المتسللين إلى أراضيهم".

السياحة سبيلاً لعودة الأهالي لأراضيهم

يعتمد المقدسيون أيضاً على حيل أخرى للتسلل إلى مدينة القدس والداخل الإسرائيلي، منها ما يعتمده "عادل" عندما يشتاق إلى عائلته التي تركها رغماً عنه في القدس.

قبل 3 سنوات، كان يعيش عادل مع عائلته داخل مدينة القدس، وبعد مشاركته في إحدى التظاهرات التي تندد بالتجاوزات، تم إصدار أمر بمنعه من دخول القدس، من دون أن يعرف أسباب المنع. وعندما سأل جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" عن سبب المنع، قيل له: لدواع أمنية، فيما همس أحدهم في أذنه "إخوانك بلغوا عنك".

الوشاية خطفت "عادل" من أحضان عائلته، وجعلته يعيش بعيداً رغم قرب المسافة التي تصل إلى 15 كيلومتراً.

يخبر عادل: "في بادئ الامر، كانت والدتي وأبي يخرجان إلى الضفة الغربية للمكوث بضعة أيام بجانبي، وخاصة أيام شهر رمضان، إلا أن المرض اشتد على والدتي ولم تعد تستطيع تحمل ساعات الانتظار أمام البوابات الألكترونية، فكان لزاماً علي أن أتسلل للداخل حتى أرى والدتي".

يعتمد "عادل" طريقة مخالفة لـ"عبد الرازق" في التسلل إلى القدس.

يستخدم الأوتوبيسات السياحية التي تنقل السياح إلى القدس للتعرف على المعالم التاريخية. يتنكر في ملابس مبهرجة ويجري اتفاقاً مع أحد سائقي تلك الحافلات ويدفع له مبلغاً من المال قد يصل إلى "100 شيكل" (28 دولاراً) ليخفيه بين السياح ويمنحه تصريحاً مزوراً وينقله إلى الداخل، ويتركه في أقرب منطقة مأهولة ليبدأ الاعتماد على نفسه في التحرك داخل المدينة التي يحفظ كل شبر من أراضيها.

العبور عبر مجاري المياه

أكثر طرق التسلل قسوة ومهانة تلك التي لجأ إليها "بشار" من خلال التسلل عبر مجاري المياه والانتقال من مناطق إلى أخرى، وتتطلب هذه المغامرة إلماماً دقيقاً بالبنية التحتية للقدس، إذ أنها محاطة بالمخاطر.

اكتشف الجيش الاسرائيلي هذه الطريقة، فعمد إلى تسيير دوريات مراقبة على مدار الساعة في اليوم الواحد لمنع أي عملية تسلل، فضلاً عن إطلاقه قنابل الغاز والدخان داخل المجاري لمنع التسلل عبرها.

بالرغم من المراقبة الدقيقة لسبل تحايل الفلسطينيين للعودة إلى أراضيهم، فإن الفلسطينيين كثيراً ما يجدون سبيلاً لبلوغ مدينتهم التاريخية وقضاء بعض الوقت مع عائلاتهم.

صحافي مصري متخصص في ملف الإسلام السياسي والتحقيقات الميدانية

التعليقات

المقال التالي