حينما أغلقت تركيا بابها انقسم الأحباب في طرفي الحدود

حينما أغلقت تركيا بابها انقسم الأحباب في طرفي الحدود

بضعة كيلومترات تفصل ياسمين عن زوجها عوّاد، لكن لقاءهما شبه مستحيل.

فياسمين تعيش في بلدة سلقين بأقصى ريف إدلب، وزوجها في ولاية أنطاكيا أقصى جنوب تركيا.

وكلا الزوجين لا يستطيع اجتياز تلك الحدود.

وإذا كان جدار برلين أتاح للعشّاق التلاقي سابقاً على جانبيه، فإن الحدود السورية – التركية حتماً لن تتيح ذلك. فالكلاب البوليسية تفتّش الشريط الحدودي حول الجدار التركي وعناصر حرس الحدود التركي تحيطه.

على غرار ياسمين وزوجها، يعاني عبيدة غنوم لوعة الفراق نفسه.

في أواخر عام ٢٠١٣ اضطر هذا الشاب السوري للانتقال مع عائلته إلى الرقّة، آتياً من حمص، ثم من الرقّة إلى حماه بسبب سيطرة تنظيم "داعش".

أخيراً، ترك حماه إلى تركيا، ولكن هذه المرّة من دون عائلته.

"حاولت الوصول إلى تركيا بحثاً عن فرصة لإحضار زوجتي وأبنائي الثلاثة، إذ كان من المستحيل انتقالهم عبر الحدود بطريقة غير شرعية"، وفق ما يستذكر عبيدة. "كانت مخاطرة بالأطفال عبر هذا الطريق الذي يشقّ الجبال تحت جنح الليل".

اليوم، بعد أكثر من عام على رحلة عبيدة، لم ينجح في مبتغاه ويقتصر التواصل بين العائلة ورأسها على تطبيقات الفيديو و"واتسآب" وغيرها. يتحدّث معهم ثلاث إلى أربع ساعات يومياً، فيما تُعاني العائلة من ظروفٍ صعبة داخل سوريا بسبب غياب المُعيل.

لم تستطع عائلته الحصول على تأشيرة لزيارته. وقد حاول عبيدة أن يأتي بعائلته عبر نظام "لم الشمل" التركي، الذي يُتيح للسوريين الحاملين بطاقة الحماية المؤقتة لم شمل أقربائهم من الدرجة الأولى عبر المعابر البرية حصراً، وبعد أن جهز الأوراق الروتينية المجهدة بحسب وصفه، أُغلق نظام لم الشمل من دون سابق إنذار.

كما أن خيار لقاء عائلته في دولة ثالثة كان مستحيلاً. لأن معظم دول العالم لن تعطي عائلته تأشيرة. أما هو، فلا يحمل إقامة في تركيا، ويقيم بشكل غير قانوني فيها، لذلك لا يستطيع الخروج منها، لأنه لن يُسمح له بالعودة إليها، بعدما فرضت تركيا تأشيرة دخول على السوريين.

عبيدة وزوجته، وياسمين وزوجها، ليسوا السوريين الوحيدين المُتضرّرين من قرار فرض التأشيرة دون فتح باب لتسوية أوضاع المخالفين.

فمن بين ثلاثة ملايين سوري لجأوا إلى تركيا منذ اشتعال الحرب في بلادهم، يعاني حوالى مليون ونصف من إجراءات فرض تأشيرة وعدم السماح باستخراج إقامة نظامية، وفق المحامي المعارض غزوان قرنقل رئيس "تجمّع المحامين السوريين الأحرار" (منظمة سورية حقوقية وُلدت من رحم مؤسسات المُعارضة السورية).

لا توجد إحصاءات تركية تبيّن أن الرقم الذي أعطاه قرنقل دقيقاً، إلا أن تجارب عبيدة وياسمين وعشرات غيرهما، تَحدث معهم كاتب هذه السطور، تُظهر أثر القرارت على حياة سوريين في تركيا.

"أولادي صغار منذ أن فتحوا عيونهم على الحياة وخلال فترة تعلّقهم بوالدهم لم يجدوه أمامهم"، يقول عبيدة لرصيف22. 

أقوال جاهزة

شارك غردإذا كان جدار برلين أتاح للعشّاق التلاقي سابقاً على جانبيه، فإن الحدود السورية – التركية حتماً لن تتيح

شارك غرد"أولادي صغار منذ أن فتحوا عيونهم على الحياة وخلال فترة تعلّقهم بوالدهم لم يجدوه أمامهم"

الباب المفتوح أُغلق

اتبعت الجارة الشمالية لسوريا سياسة "الباب المفتوح" منذ اندلاع الاحتجاجات ربيع 2011. لكن الأمر تغير في مطلع 2016، تحديداً الثامن من يناير، يوم أعلنت وزارة الخارجية التركية فرض تأشيرة دخول على المواطنين السوريين الوافدين إلى تركيا عبر المنافذ البحرية والجوية.

جاء ذلك على لسان الناطق باسم الخارجية، طانجو بيلغيج الذي أوضح في 30 ديسمبر 2015 "تطبيق نظام تأشيرة الدخول على السوريين المقبلين من دول أخرى، ضمن إطار الحد من الهجرة غير الشرعية".

يستثني "القرار السوريين الوافدين إلى تركيا عبر المعابر البرية بين البلدين".

غير أن الحدود البرّية أُغلقت أيضاً، ونشطت الهجرة غير الشرعية، والتي أدّت إلى مقتل حوالى 300 مدني برصاص حرس الحدود التركي خلال محاولتهم العبور، وفق تقرير نشره بتاريخ 30 يوليو 2017 "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، وهو مؤسّسة سورية حقوقية مقرّها لندن وتُعد مرجعية لوسائل الإعلام ووكالات الأنباء العالمية.

يقول المحامي قرنقل: "إن فرض تأشيرة على السوريين كان نقطة فاصلة قطعت التواصل بين الأسر السورية، سواء الأزواج المشتّتين بين تركيا وسوريا، أو بين تركيا ودول أخرى، بمن فيهم لاجئون في دول أوروبية تركوا زوجاتهم في تركيا بانتظار لم الشمل".

هذا الإجراء هو أحد البنود في الاتفاق التركي - الأوروبي الخاص بوقف تدفّق المهاجرين إلى أوروبا في منتصف مارس 2016

لا إقامات للمخالفين حالياً

تزامناً مع فرض التأشيرة، بات السوريون المخالفون نظامَ الإقامة في تركيا غير قادرين على تسوية أوضاعهم، لأن هذه التسوية تعني الخروج والدخول مرّة أخرى من تركيا بتاريخ جديد، إذ إن الخروج من تركيا يعني عدم القدرة على العودة بسبب تطبيق نظام التأشيرة على الشخص الساعي إلى إصلاح وضعه القانوني.

هذه الآلية منعت الشاب السوري عامر ح (28 سنة) المقيم في مدينة إسطنبول من لقاء خطيبته. هي لا تستطيع دخول تركيا بسبب التأشيرة، وهو لم ينجح في التوجّه للقائها في دولة ثالثة مثل بيروت أو ماليزيا. وبقيت حالتهما معلّقة بانتظار أي إجراء قد يساعدهما في اللقاء.

يقول عامر: "دخلت تركيا قبل ثلاث سنوات، ولم أتمكّن من إصدار إقامة حينذاك، إذ كنت أُبلّغ بأن القرار لم يأتِ من أنقرة، وبعد 90 يوماً بتُ مخالفاً، ثم فُرضت التأشيرة ولم أعد أتمكّن من الخروج من تركيا لأنّني لأ أستطيع العودة إليها، إذا خرجت منها".

حاول عامر إصلاح وضعه، وفي كل مرة يتصل بالجهات المعنية بشؤون الأجانب يأتي الجواب: "لا إقامات للمخالفين حالياً".

"الهدف من الأوراق النظامية كالإقامة ليس فقط الدخول والخروج، بل استئجار منزل وإنشاء حساب مصرفي وضمان عدم الترحيل إلى سوريا"، وفق ما يقول.

ويضيف: "لا أشعر بالاستقرار. أموري مع خطيبتي لا تزال عالقة، وحتّى الآن لم نتمكّن من اتخاذ قرار بإكمال علاقتنا". ويبدو أن الأمر لن يُحل قريباً.

إقامات متنوعة

يحمل السوريون في تركيا ثلاثة أنواع من الوثائق: "بطاقة الحماية الموقّتة" المعروفة محلياً باسم "كيملك" و"الإقامة السياحية" و"العمل"، لا توجد أرقام رسمية عن نسبة السوريين الحاملين هذه الإقامات، غير أن معقّبي معاملات كثراً تقاطعت تصريحاتهم في أن حملة الـ "كيملك" هم الأكثر عدداً.

بطاقة "كيملك" تُمنح للاجئين ليكونوا تحت الحماية الموقّتة من السلطات التركية وليس تحت حماية الأمم المتحدة كما في لبنان ودول أخرى مُجاورة.

ولهذه البطاقة مساوئ كثيرة بحسب حامليها. صحيح أنها تمنح اللاجئ الحق في الحصول على الرعاية الصحية في المشافي الحكومية وتُعد تعريفاً لوجوده على الأراضي التركية، إلّا أنّها لا تخوّله فتح حساب مصرفي ولا العمل بشكل نظامي، ولا السفر خارج تركيا والعودة إليها، إضافة لعدم قدرته على التنقّل بين الولايات التركية من دون استصدار "إذن سفر داخلي".

أما "الإقامة السياحية" فتمنح لأعداد قليلة، وفق شروط عدّة أبرزها ختم دخول جديد وحساب مصرفي وعقد إيجار منزل ورقم ضريبي.

بينما يحمل إقامة العمل عدد قليل جداً لّان شروط الحصول عليها قاسية سواء للسوريين أو لعموم الأجانب في تركيا، لكنّها تمنح صاحبها التأمينات الصحية وتخوّله طلب المُواطنة التركية بعد خمس سنوات.

"من شروط الإقامة، إيداع مبلغ كبير في البنك واستئجار شقّة وتأمين صحّي، وهذه الإجراءات كلها ترفد الخزينة التركية بالأموال، إضافةً إلى أنّها تعطي السوريين على أراضيها إطاراً قانونياً" يقول قرنقل لرصيف22، مضيفاً أن الإقامة تتطلّب أن يكون الشخص دخل تركيا قبل أقل من 90 يوماً.

لكن دوائر الهجرة تمتنع أحياناً عن قبول طلبات استخراج الإقامة، فيتجاوز السوري هذه المدّة ولا يتمكّن من الخروج من تركيا والدخول من جديد بسبب فرض التأشيرة فتضيع عليه الفرصة، وهو ما حصل مع سوريين كثر تقدّموا سابقاً للحصول على إقامة سياحية.

محاولات وحملات

في 16 يونيو 2017، حاول شبّان سوريون جمع 10 آلاف توقيع ضمن حملة تهدف إلى تصحيح أوضاع المُخالفين، لكن الحملة لم تثمر أي نتيجة.

شهد ملف جمع الأسر السورية محاولات فردية عدّة من ولايات تركية، لكنها لم تكن مجدية، إذ صدرت عدّة قرارات سابقاً على مستوى الولايات، غير أنّها افتقدت القرار المركزي من أنقرة، بحسب قول المحامي قرنقل.

على رأس تلك المحاولات، عملية لم الشمل للأهل من الدرجة الأولى من طريق المعبر الحدودي، وهي الطريقة التي لجأ إليها عبيدة غنوم للقاء عائلته، لكنها توقفت ثم عادت ليُعمل بها أكثر من مرّة.

تتطلب العملية شروطاً صعبة، منها عودة الشخص المُقيم في تركيا من الداخل السوري، إضافة إلى الفترات الطويلة جداً للحصول على موعدٍ لهذا الإجراء، وصعوبة اجتياز مناطق أطراف الصراع في الداخل السوري للوصول إلى الحدود السورية، حيث بات الوصول إلى الحدود التركية عبر البر السوري محفوفاً بالأخطار، ويتطلّب المرور في مناطق تسيطر عليها أطراف صراع عدّة، وهو ما يعرّض حياة المدنيين للخطر والمساءلة أثناء العبور.

حاول الشاب عامر طلب تأشيرة لخطيبته فأُجيب بالرفض، كحال سوريين كثر حاولوا الحصول على تأشيرة تركية.

وفي هذا السياق، إن الحصول على التأشيرة التركية تختلف نسبه من دولة إلى أخرى، فمعظم الطلبات التي تُقدّم لسوريي الداخل من طريق السفارة التركية في بيروت والسوريين في مصر، يكون مصيرها الرفض، وذلك وفقاً لحوار سابق أجراه صحافي مقرّب من المعارضة السورية مع ياسين أقطاي، نائب رئيس حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.

ليس هنالك أي تمثيل ديبلوماسي تركي في سوريا، لذلك يحاول السوريون داخل البلاد الذهاب برّاً إلى العاصمة اللبنانية بيروت، وطلب تأشيرة من السفارة التركية هناك.

وجاء في المقابلة: عندما يزور السوريون السفارة مع الأوراق المستوفاة تُقابل طلباتهم بالرفض، لا سيما في بيروت والقاهرة، في حين أن نسبة القبول في قطر مرتفعة، حيث تمنح السفارة هناك ما يقارب الـ100 تأشيرة يومياً، وهي النسبة الأعلى.

وردَّ أقطاي على هذه الوقائع بأن "نظام التأشيرة كان صغيراً ولم يكن كافياً. هناك طلب كثير ولكن لا يوجد نظام يلبي الطلب".

أنتج هذا التقرير بدعم وإشراف من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية "أريج"

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي