من غزة، شاب يُخرج الكلام من أفواه أطفال سوريين فقدوا النطق

من غزة، شاب يُخرج الكلام من أفواه أطفال سوريين فقدوا النطق

عبادة طفل سوري من ريف حلب لا يتفوه بكلمة على الرغم من أن عمره 3 سنوات.

ظروف الحرب في سوريا، بحسب والدته، أصابته بفقدان النطق.

تقول أم عبادة لرصيف22: "أصابت قذائف النظام بنايتنا في ريف حلب الجنوبي بإحدى الغارات، وكان عبادة نائماً، على الرغم من أنه لم يصبنا أي مكروه، إلا أنه فقد النطق ولم يعد يتفوه بأي كلمة، ولا أعرف كيف أساعده".

حالة عبادة لا تختلف كثيراً عن حالة غيره من أطفال كُثر من سوريا.

سارة طفلة سورية عمرها (4 سنوات)، من المنطقة نفسها التي يسكنها عبادة، فقدت النطق أيضاً بعد أن توفي والداها بإحدى الغارات.

تقول عمة نور لرصيف22 أنه لم يستطع والداها الوصول سريعاً إلى الملجإ من إحدى غارات النظام، ولقيا حتفهما لتفقد هي النطق بعد ذلك، إذ لم تعد تتكلم كما في السابق.

"ظننا أنها مصابة بالتوحد، أخذناها إلى أحد الأطباء فأخبرنا بأنها ليست مشكلتها نفسية لا عضوية، ربما وفاة والديها أصابتها بها، لا نستطيع علاجها نظراً إلى التكلفة الباهظة للعلاج، لكن تركنا حلب وانتقلنا إلى منطقة القابون لعلها بذلك تنسى وتتكلم من جديد" تقول لرصيف22.

يحمل عبادة ونور، كغيرهم من أطفال سوريا، جروحاً وإصابات جسدية ونفسية تحتاج لسنوات طويلة من العلاج.

الحالة النفسية للأطفال وصلت إلى مرحلة اللاعودة، حيث يعانون مما يسمى "بالإجهاد السام"، وهو شكل حاد من الصدمة النفسية بحسب دراسة لمنظمة أنقذوا الأطفال البريطانية، وجاءت تحت عنوان "الجروح الخفية". ورصدت الدراسة ارتفاعاً في محاولات إيذاء النفس والانتحار بين الأطفال بعمر 12 سنة.

"أطفال سوريا يريدون الموت للصعود إلى الجنة، فهناك يأكلون ويحصلون على ما يريدون"، تقول الدراسة.

وأضافت الدراسة أن حوالى 48% من البالغين الذين قابلوه تحدثوا عن رؤية أطفال لا قدرة لهم على النطق. كما أن أكثر من 70% من الأطفال الذين تمت مقابلتهم عانوا من الأعراض الاعتيادية للإجهاد الحاد، أو اضطراب ما بعد الصدمة مثل التبول اللاإرادي والعدوانية وتعاطي المخدرات.

وقالت الدراسة أن ثلثي الأطفال فقدوا أحد أحبتهم من الأسرة، أو تعرضت منازلهم للقصف أو عانوا من إصابات الحرب، وأن حوالى 5.8 مليون طفل في سوريا بحاجة إلى مساعدة. وقد قتل حوالى 250000 إنسان وفرّ 4.9 مليون من البلاد، معظمهم في تركيا والأردن ولبنان والعراق.

فمن يساعدهم؟ أو من يساعد بعضهم؟

محمد الحايك شاب فلسطيني (29 سنة) يعمل في قطاع غزة معالجاً عيوب النطق واللغة للأطفال.

يُسخّر الحايك معظم وقته الآن لعلاج الأطفال السوريين المهجرين في تركيا ولبنان من دون مقابل من طريق الإنترنت، حيث أنشأ صفحة على "فايسبوك" للتواصل مع ذويهم، إذ يرى أنها مسؤولية كبيرة تقع على عاتقه تجاههم وواجب إنساني قبل كل شيء.

سميحة ومحمد...

يقول الخبير التربوي في حلب أحمد النعسان لرصيف22 أن الأطفال هم من يدفعون فاتورة الحرب في سوريا، فمعظم من أقابلهم بحكم عملي كمُعلم، يعانون من فقد القدرة على الكلام أو من مشكلات في النطق مثل "التأتأة " والتلعثم نتيجة الخوف والفزع الشديدين نتيجة القصف وأصوات الصواريخ والمدافع، إضافة إلى ما يرونه على أرض الواقع من مآسٍ وقتل وتخريب.

أقوال جاهزة

شارك غردفلسطيني يعالج أطفال سوريا البكم المُهجّرين عبر الإنترنت... ويأمل بانتشار التجربة

حالة عبادة وسارة في عدم القدرة على الكلام، اختلفت عن حالة سميحة التي قرر أهلها مغادرة سوريا بسبب الحرب، وعلى الرغم من أن المأساة واحدة إلا أن حالة سميحة ربما كانت أقل حدّة من حالة الاثنين، إذ كانت لديها فرصة لتلقي العلاج ومعاودة الكلام.

سميحة (12 سنة) طفلة سورية تعيش مع أهلها في تركيا، مصابة بالتلعثم والتأتأة اللذين نتجا من الخوف مما شاهدته من حوادث في سوريا قبل هجرة ذويها.

مصادفة ومن طريق "فايسبوك"، تعرفت أسرتها إلى الشاب الفلسطيني محمد الحايك المختصّ بعلاج النطق واللغة الذي ساعدها من طريق الفيديو في الشفاء بعد "كورس" علاجي امتد لـ5 أشهر.

يقول الحايك لرصيف22 أن اللقاء كان مصادفة.

"تواصلت معي أم سورية مُهجّرة في لبنان من طريق صفحتي على فايسبوك شرحت لي حالة ابنتها، فعرضت عليها التواصل من طريق الفيديو، فوافقت".

 

قيّم الحايك حالة سميحة فوجد أن لديها مشكلة في 10 أحرف، وتعاني من التلعثم نتيجة الخوف الشديد بسبب الحرب.

بعد جلسة علاج امتدت لـ3 أساليع بشكل يومي، نجحت التجربة وعادت الطفلة إلى حالتها الطبيعية.

يضيف الشاب الفلسطيني: "سعدت بنجاح التجربة وتواصلت معي أسر 20 طفلاً عالجت منهم 4 أطفال، وما زال هناك آخرون يتواصلون معي، لذلك أسعى إلى تكوين فريق من المتحمسين للتجربة لمساعدتي في العلاج كي نكسب مزيداً من الوقت لعلاجهم جميعاً من دون وضع أحد على قائمة الانتظار".

نجح الحايك أيضاً في علاج أطفال من العراق والأردن وتونس والجزائر، إلا أنه يولي الأطفال السوريين المهجّرين من سوريا اهتماماً أكبر.

لكنه يعيش في مكان مليء بالمشاكل وتحدياته الخاصة. فهو في غزة.

يعاني الحايك من مشكلة انقطاع الكهربا، والذي قد يستمر لـ20 ساعة يومياً، ما يعيقه عن مواصلة جلسات العلاج في بعض الأحيان، إلا أنه يتنقل من مكان إلى آخر بين منازل معارفه، حاملاً حاسوبه ليبحث عن مكان وجود الكهرباء لتتسنى له مواصلة العلاج.

فريق...

من غزة، يتواصل الحايك مع دارين عبدالجواد (29 سنة)، وهي سورية مقيمة في تركيا، مختصّة بعلاج مشكلات النطق واللغة، لكنها لم تكمل دراستها بسبب الحرب في سوريا.

وتتلقى عبدالجواد الاستشارات من الحايك لتقوم بتنظيم جلسات العلاج للأطفال بشكل مباشر، فيما يساعدها هو من بُعد.

تقول عبدالجواد: "تعرفت إلى الحايك من خلال "فايسبوك"، وننظّم جلسات علاج مشتركة، فأنا أعالج الأطفال السوريين في منزلي، وهو يساعدنا من طريق الفيديو، ونجحنا في علاج أطفال كثر".

ولفتت عبدالجواد إلى أن هناك أطفالاً سوريين كُثراً في تركيا يعانون من التأتأة والتلعثم نتيجة الخوف وظروف الحرب والتهجير التي تعرضوا لها، وهي تتمنى أن تجد فريقاً متطوعاً من المختصّين بعلاج النطق واللغة ليساعدوا الأطفال المهجرين من بلدان الحروب بعد أن أثبتت تجربة الحايك نجاحها.

وقالت اليونسيف في تقرير لها مطلع العام الحالي، أن أكثر من 30 طفلاً قتلوا في العنف المتصاعد في الـ15 يوماً الأولى من 2018، في الغوطة الشرقية وفي إدلب، حيث يعيش أكثر من 200000 طفل تحت الحصار منذ عام 2013، وهناك حوالى 120 طفلاً بحاجة إلى الإجلاء الطبي العاجل.

وأفادت التقرير بأن أعمال العنف المتزايدة قتلت وجرحت العشرات من الأطفال والنساء، وشُرد 100 ألف مدني في الأقل خلال الأسابيع القليلة الماضية.

وأفادت المنظمة أيضاً في تقرير سابق، بأن 2.8 مليون طفل سوري يعيشون في مناطق يصعب الوصول إليها، منهم 280000 طفل تحت الحصار وفي حالة انقطاع شبه كامل عن تلقّي المساعدات الإنسانية.

التعليقات

المقال التالي