"الشهيد السعيد" معلق على جدران بغداد…

"الشهيد السعيد" معلق على جدران بغداد…

على عمود كهرباء خارج الخدمة، وأمام باب منزل يطل على شارع تُرابي غير مُبلط، وفي منطقة لم تصلها الخدمات بشكل كامل، علّق والد حيدر صورة ابنه ذي الواحد والعشرين سنة.

في الصورة المُعلقة والمُعرضة لأشعة الشمس القوية والأمطار والأتربة، شاب بلباس أسود، يبتسم ابتسامة عريضة. يبدو أنها ابتسامة كانت للخلود، فكلمة "شهيد" التي كُتبت على صورة حيدر العقابي، كانت كفيلة بأن تُعلن رحلة اللاعودة لهذا الشاب.

ينظر الأب، ناصر العقابي، إلى الصورة كأنه يقول أن ولده سيخرج منها، أو أنه سيعود من الجبهة بعد قليل.

هو يقطن منطقة الشعب، على أطراف بغداد الشمالية، وهي من المناطق الشعبية التي يسكنها خليط من الفقراء والأغنياء وأصحاب الدخل المحدود، ومعروفة أنها ذات غالبية شيعية ساحقة.

يقول أن ولده حيدر "استشهد" أثناء العمليات العسكرية ضد تنظيم "داعش".

وبعد مرور أكثر من أربعة أشهر على فقدانه ولده، ما زال يشعر أن ابنه حي يعيش معه، على الرغم من وجود صوره التي عُلقت على جدران المنزل وفي الشارع.

"لو كان بيدي لوضعت صوره في كل مكان حتى يبقى أمام عيني، فأنا أُريد رؤيته في كل مكان"، يقول العقابي.

في بغداد ومحافظات الفرات الأوسط والجنوب يُمكنك أن ترى الموتى. ترى صورهم، ملابسهم، وتعرف تواريخ "استشهادهم"، وفي مرات كثيرة يُمكنك أن تعرف أين "استشهدوا".

تُعلق عوائل "الشُهداء" الذين راحوا ضحية التفجيرات الإرهابية منذ عام 2003، أو أولئك الذين قضوا أثناء القتال ضد تنظيم "داعش" منذ بدء العمليات العسكرية في صحراء الأنبار خلال ديسمبر 2013، صور أبنائها على جُدران الأحياء السكنية أو الشوارع العامة.

وكأن تعليق صور "الشُهداء" صار لازمة لذويهم.

هُناك عوائل تحرص على تأطير الصور بطريقة أنيقة جداً وتوفير الإنارة المستمرة لها، وتُكتب عليها في أغلب الأحيان آيات قُرانية، وأبيات شعرية عن الشجاعة.

مؤخراً، لم تعد جُدران المنازل أو الساحات العامة كافية لصور الموتى، فصارت الجدران الكونكريتية التي وضعت لأسباب أمنية، مكاناً جديداً يحمل صور من رحلوا.

أريد أن أراه في كل مكان

علق العقابي صورة ولده على عمود كهربائي عند مدخل منزلهم، حيث الباب الأبيض الباهت، وجُدران حفرتها مسامير صور حيدر وموتى آخرين من العائلة.

صورة على جدار المنزل الخارجي، ثم صور أخرى داخل المنزل، فحيدر صار في كل مكان. وربما في أماكن أخرى من غرف المنزل.

"أُريد أن أراه في كل مكان، فحيدر لم يمت، حيدر ما زال يعيش بي ومعي"، يقول العقابي عن تعليق أكثر من صورة لابنه.

أقوال جاهزة

شارك غرد"لو كان بيدي لوضعت صوره في كل مكان حتى يبقى أمام عيني، فأنا أُريد رؤيته في كل مكان"

شارك غردلم تعد جُدران المنازل أو الساحات العامة في بغداد كافية لصور الموتى، فصارت الجدران الكونكريتية مكاناً جديداً يحمل صورهم

"استشهد" حيدر في منطقة جبال مكحول بمحافظة صلاح الدين شمال العراق.

يوم استشهاده، كان والده ينتظر منه اتصالاً يُحدثه خلاله عن المعارك التي حققوا الانتصار فيها، لكنه لم يعد.

"كسر ظهري، لم أكن أتوقع أنه سيعود ملفوفاً بالعلم العراقي"، يقول والد حيدر وهو يضرب على كتفه لإزالة التُراب الذي تطاير من أمام المنزل بسبب عاصفة تُرابية خفيفة.

"الشهيد السعيد"

لا آلية مُحددة لتعليق صور "الشهداء" على جدران العاصمة بغداد، أو على أعمدة الكهرباء أو جدران المؤسسات العامة، فالمساحة مفتوحة للجميع، لذا تُخفي الصورة الكبيرة تلك التي تصغرها حجماً.

في مساحة قليلة، تجد أكثر من صورةٍ، غالبيتها عُنونت بجُملة "الشهيد السعيد" التي تُرافق أي نعي لأبناء المذهب الشيعي الذين "يُستشهدون" في العمليات الإرهابية أو المعارك ضد "داعش".

هناك أشخاص لم يكتفوا بتعليق الصور، بل أطلقوا تسميات على شوارع فرعية بأسماء أبنائهم الشُهداء. لكن تلك التسميات غير رسمية، ويُمكن أن نرى شارعاً مُسمى باسم شهيدين، فلا رقيب أو مسؤول عن ذلك.

الشوارع المُسماة أو التي تكون بلا أسماء، تُسمّى بطريقة غير رسمية، وأغلب الأحيان غير مُعترف بها مجتمعياً. تُعلق صورة "الشهيد" عند بداية أو مُنتصف الشارع من قبل ذويه، ويُكتب عليها شارع الشهيد، ذاكرين اسمه.

لا نقدر على إزالة الصور...

يقول عبد الحسن جبر، وهو المُدير العام السابق في أمانة بغداد لرصيف22: "ليست هناك أي آلية لتعليق صور الشُهداء في الشارع، فالعملية فوضوية ولا تخضع لأي إجراء حكومي". يُضيف: "لا أعتقد أن أمانة بغداد قادرة على التحكم في تلك الصور أو إزالتها، فهي لا تُريد أن تواجه أي غضب شعبي، بخاصة من عوائل الشُهداء".

تُطبع الصور بسعر بسيط، فسعر طباعة المتر المربع لا تتجاوز الـ5 دولارات أميركية، وعملية تعليقها على الأعمدة أو الجُدران سهلة، فهُناك أماكن كثيرة مُتاحة للناس.

يقول إبراهيم كريم الذي يعمل في مجال الطباعة في مدينة الحُرية ببغداد لرصيف22: "إن طباعة صور الشُهداء كثُرت خلال فترة القتال ضد تنظيم داعش".

يتحدث كريم عن ارتفاع الطلب على طباعة صور "الشُهداء" أثناء العمليات العسكرية ضد "داعش"، ويقول: "هناك عوائل تطبع عندنا أكثر من صورة لأبنائها الذين قُتلوا في المعارك، وأخرى تُعيد تكرار طبع الصورة كل سنة تقريباً".

تختلف الوجوه، وتتشابه الخلفية...

لا يتحكم الزُّبن عادة بخلفية الصور، فهم يعرفون أن صاحب المطبعة سيضع "الباغراوند"، إما العلم العراقي، أو صورة أحد الأئمة الاثني عشر لدى الشيعة.

تكثر ظاهرة الصور في المناطق الشيعية، فنسبة كبيرة من عناصر الحشد الشعبي ينتمون إلى هذه الطائفة، كما أن التفجيرات التي كانت تضرب المُدن العراقية، تتركز غالبيتها في تلك المناطق، وهذا ما جعلها كأنها ألبوم صور كبير للموتى.

تكون خلفية بعض الصور مرقد أحد الأئمة، أو صورة رجل دين، وغالباً ما يكون المرجع الشيعي علي السيستاني أو محمد محمد صادق الصدر، أو علي خامنئي الذي تعتبره فصائل شيعية مُسلحة مرجعاً لها.

الشخصيات البارزة في الفصائل المُسلحة أو تلك التي تنتمي إلى أحزاب سياسية وقاتلت ضد "داعش"، تعلّق صور لها بأحجام كبيرة، ربما توافق المساحات التي تحجزها الشركات التجارية للإعلانات.

في ساحة النسور وسط بغداد، حيث مقر قيادة قوات الشُرطة الاتحادية، عُلقت عشرات الصور التي من الصعب عدها. كانت تلك الصور لـ "شُهداء" الاتحادية في المعارك التي خاضتها ضد "داعش".

عشرات الصور التي عُلّقت على جدار القيادة الكبيرة، لا تُشكل إلا نسبة جداً قليلة من الذين فقدتهم الشرطة الاتحادية أثناء المعارك، بحسب جُندي مُنتسب إليها قاتل في عمليات تحرير الموصل.

يتمنى ناصر العقابي ألّا تُزيل الحكومة العراقية صور الشُهداء من الشوارع، من ضمنها صورة ابنه "الشهيد" المُعلقة فوق باب منزله الخارجي.

يقول: "إن لم أرَ صورته كل يوم وأمعن النظر فيها، أختنق".

مصطفى سعدون

صحافي عراقي معني بصحافة حقوق الانسان، ومؤسس ومدير المرصد العراقي لحقوق الانسان.

التعليقات

المقال التالي