كيف حوّل العرب اليابان إلى أسطورة؟

كيف حوّل العرب اليابان إلى أسطورة؟

إنه "كوكب اليابان". هناك "وزير الطاقة ينحني لمدة 20 دقيقة أمام عدسات المصورين اعتذاراً عن انقطاع الكهرباء للمدة نفسها"، "المرتبات الشهريّة لعمال النظافة تساوي مرتبات وزراء الحكومة"، و"أقنعة خاصة بالمدخنين تعزلهم عمّن حولهم منعاً للضرر".

يتداول سكان العالم العربي مثل تلك الأخبار الآتية من "منبع الشمس" (معنى كلمة يابان) بدهشة واحترام مُفرطين، ويمهرونها عادة بعبارة "كوكب اليابان" للدلالة على حجم المسافة الزمكانيّة التي تفصله عن عالمهم.

وفي لعبة المقارنة تلك، تحوّل البلد إلى أسطورة.

في ما يتناقله العرب عن هذا البلد الشرق آسيوي "تطرّف"، جماليّ وتقنيّ، جعله يصلح ليكون الضدّ المثالي الذي يظهر القبح العربي.

خبر "إصلاح شارع بأمه وأبيه في اليابان خلال 48 ساعة" يوازيه في العالم العربي وجود تلك "الحفرة" الصغيرة، المسؤولة عن حوادث كثيرة، متروكة منذ الأزل دون معالجة.

وفي سرعة التنفيذ، "المثيرة للدهشة"، اختصار لكل معاناة عايشها أي مواطن عربي، ظلّ يعاين الشارع (أو بالأحرى الزقاق) المؤدي إلى منزله قيد الإصلاح طوال أشهر، مؤرقاً حياته بالأشغال المستمرة والازدحام.

ولكن هل كلّ ما يُروّج عن "كوكب اليابان" حقيقة أم أنه محض أسطورة صنعها سكان عالمنا العربي؟ وما الذي جعل اليابان تحتل وجدانهم ومواقع التواصل الاجتماعي بذلك الشكل؟

اليابان بالعربي

قبل عام تقريباً، انطلق حساب "اليابان بالعربي" على تويتر. بدأ الحساب بتحقيق شهرة واسعة خلال الأشهر الماضية، فحظي بأكثر من 141 ألف متابع غردوا وتفاعلوا بأكثر من 26 ألف تغريدة.

هدف الحساب، التابع لموقع Nippon.com المتعدد اللغات، كان "تقديم معلومات موثوقة عن مجتمع وثقافة اليابان". وعبر هاشتاغ "خرافات عن اليابان"، استطاع الموقع تصحيح العديد من المعلومات الخاطئة.

ما قيل إنه انحناءة وزير الطاقة معتذراً، تبيّن أنها تحية من الوزير التنفيذي الجديد لشركة Honda في أول مؤتمر صحافي له في العام 2015، فيما يبدو شعار الشركة في الخلفية البيضاء.

أما الأقنعة العازلة للدخان، فيتبيّن أنها لا تمت لليابان بصلة. هي صورة فوتوشوب نشرها موقع أمريكي للأخبار الكاذبة منذ عدة سنوات، زاعماً أن تدخين الماريوانا بات مسموحاً في فرع "MacDonald" في كولورادو.

وما انتشر عن لسان رئيس وزراء ياباني حين سُئل عن سرّ التطور التكنولوجي في بلاده، مجيباً "أعطينا المعلم راتب وزير وحصانة دبلوماسي وإجلال إمبراطور"، ظهر أنه محض اختلاق.

لا حصانة للأستاذ في اليابان، ولا يوجد تلامذة يغسلون رجليه في "يوم المعلم" كما يُعتقد، والرواتب تُوزَّع حسب السن والخبرة والمؤهلات، وهو ما ينفي كذلك اعتقاد أن عامل النظافة يحصل على راتب وزير.

تتعدّد التغريدات التي تناقض ما كنا رأيناه في اليابان كبلد متقدم، تقنياً وثقافياً، لدرجة اعتقدناه كوكباً مختلفاً.

يستند إليها حسن، وهو أحد مؤسسي الموقع، ليعلّق في حديثه مع "بي بي سي" أن "هذا التصور يخلق حواجز كاذبة بين شعوب العالم"، ولذلك "نحن نريد أن يشعر العرب بأن اليابان دولة طبيعية وشعبها مثلهم، ولديهم الخير والشر".

ويوضح حسن أن تلك الخرافات المنتشرة حول اليابان ليست حكراً على العالم العربي، لكن تنتشر فيه بشكل ملحوظ مقارنة بمناطق أخرى حول العالم.

أقوال جاهزة

شارك غردإنه "كوكب اليابان"... لماذا يتداول سكان العالم العربي أخبار هذا البلد بدهشة واحترام مُفرطين؟

شارك غردتُعرف اليابان بأنها المركز الدولي لإنتاج المواد الإباحية المتعلقة بالأطفال والاتجار بها، وهي تمتلك أعلى معدلات الانتحار بين الدول المتقدمة

المعجزة الحقيقة بعيداً عن الخرافات

نسف الخرافات المنتشرة حول اليابان لا ينفي المتداول على نطاق واسع حول نهوضها بما يشبه المعجزة إثر الحرب العالمية الثانية.

تكفي مقارنة بسيطة بين ما خلفته القنبلتان الذريتان اللتان ضربتهما الولايات المتحدة من دمار تام وبين ما آلت إليه البلاد من تطور خلال مسافة زمنية قصيرة نسبياً، لتكتسي اليابان تلك الهالة.

يقول البعض إن نهوض اقتصاد اليابان من أكبر مجازر التاريخ الحديث هو مجرّد تعافٍ، فالنهوض الحقيقي كان قد بدأ قبل مئة عام من الحرب. تُنسب النهضة الفعلية إلى الامبراطور موتسوهيتو، المعروف بـ"ميجي" أو "الحاكم المستنير"، الذي استلم الحكم في العام 1868.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، بدأ الاحتلال الأمريكي لليابان حاملاً معه المذابح وانهيار الاقتصاد ومعدلات البطالة المرتفعة. لم تستسلم البلاد للمجاعة ولا للبطالة، فقد استوعبت قطاعات كالزراعة والأعمال الحرفية العاطلين عن العمل، فيما ظهرت البراعة اليابانية في نواح كثيرة.

في ما وصلنا من قصص يابانية مترجمة، سواء في الكتب أو الرسوم المتحركة، ثمة تبجيل ظاهر لقوة الإرادة وقدرة الفرد على التأثير. وفي ما عاشه المجتمع الياباني في فترة الحرب وما تلاها الكثير من القصص لأفراد خالفوا السائد، فشلوا ثم نجحوا وتركوا أثراً بالغاً في بناء الاقتصاد الياباني، لينافس منتصف السبعينات الولايات المتحدة تكنولوجياً، ويصبح أفضل الاقتصادات العالمية.

أحد هؤلاء كان سويتشيرو هوندا، المنحدر من أسرة شديدة الفقر، والذي أسس مصادفة بعد عام على قصف اليابان معهداً للأبحاث التقنية.

تمكن من صنع دراجة نارية أسماها "Dream" وبرع في تسويقها بين المراهقين، ليمتلك لاحقاً الشركة اليابانية الأولى لتصنيع الدراجات، ثم يقرر الذهاب إلى الولايات المتحدة فينافسها على أرضها ويتمكن من الوصول إلى إنتاج مليون دراجة نارية سنوياً.

سويتشيرو هوندا

انتقل بعد ذلك لصناعة السيارات، حتى تمكن، من خلال علامته التجارية "هوندا"، من حجز مكان بين ست أكبر مصنعين للسيارات حول العالم، محافظاً على الصدارة في صناعة الدراجات النارية.

كثيرة الروايات المماثلة التي تعكس في جانب كبير منها الشخصية اليابانية والبنية الاقتصادية والاجتماعية التي تغلبت على الحرب، ثم على النكسة الاقتصادية في السبعينات بفعل ارتفاع أسعار النفط (اليابان تعتمد بشكل شبه كامل على استيراده) وبفعل التحدي الأمريكي، لتبقى رائدة في مجالات عديدة كالاقتصاد والتكنولوجيا والتعليم (ثالث أفضل نظام تعليم عالمياً).

اليابان البعيدة... والمغرية

على مر التاريخ، كانت اليابان بعيدة، غامضة، أشبه بـ"نهاية العالم" للرحالة والباحثين والتجار ورسامي الخرائط.

في جانب، جعل هذا الأمر تلك البلاد مثيرة للاستكشاف (بهدف التعلم أو السيطرة)، بينما في الجانب الآخر جعلها (حتى بالنسبة لكثر من اليابانيين أنفسهم) في "عزلة رائعة"، لأن البديل كان البحث عن دول أقل مشقة للوصول إليها أو التعامل معها.

تغيرت الأمور بعد ذلك، ففي العام 1863 مثلاً، أسس السلطان العثماني عبد العزيز الأول فرقاطة "أرطغرل" البحرية الضخمة التي أرسلت في العام 1889 إلى اليابان لتوطيد العلاقات ومنح إمبراطور اليابان وسام الشرف العالي من السلطان عبد الحميد الثاني.

غرقت الفرقاطة أثناء عودتها، لكنها أسست لعلاقة وطيدة بين الخلافة العثمانية والإمبراطورية اليابانية التي كانت تصعد كقوة مستقلة في وجه القوى الأوروبية.

وفي بداية القرن الحالي، بدأت شعوب الشرق العربي تحديداً تتطلع بإعجاب شديد إلى اليابان.

الأخيرة كانت قد انتصرت على روسيا حديثاً (في العام 1906)، وعلى الرغم من تحالفها مع بريطانيا لهذا الغرض إلا أن النظرة لها بقيت مرتبطة بوصفها دولة كبرى أحيت الأمل لدى الشعوب الشرقية الخاضعة للاستعمار بالتخلص منه.

كتب الشاعر الشهير حافظ ابراهيم قصيدته "الغادة اليابانية" التي عبّر فيها عن إعجابه بانتصار اليابان، وكذلك فعل الزعيم مصطفى كامل في كتابه "الشمس المشرقة".

وفي العام 1906، زار الشيخ علي الجرجاوي اليابان، بدعوة من مؤتمر الأديان في اليابان وتمويل السلطان عبد الحميد الثاني.

كتب الجرجاوي كتابه "الرحلة اليابانية"، وفي مراجعة لأستاذ التاريخ الحديث في جامعة القاهرة رؤوف عباس للكتاب نجد أن الانبهار، الذي تختلط فيه الحقيقة بالخيال، كان الطاغي.

وفي تجربة أخرى، زار الضابط المصري أحمد فضلي اليابان بدعوة من صديقه الكونت شيغو نوبو، ثم عاش هناك وتزوج من يابانية. وثق تجربته في كتابين هما "النفس اليابانية" (1909) و"سر تقدم اليابان" (1911).

وعن تلك التجارب، كتب عباس بأن السعي لفهم اليابان أتى في إطار البحث عن تجربة نهضة بديلة للتجربة الغربية، ومن هنا تمّت مقاربة التجربة اليابانية بكثير من الانبهار والمبالغة.

لـ"منبع الشمس" وجه مظلم كذلك

في محاولة دحض الشائعات حول اليابان، ينزع البعض للتركيز على مشكلات عديدة تضرب المجتمع الياباني. وعلى رأسها تفشي ظاهرة البيدوفيليا.

تُعرف اليابان بأنها المركز الدولي لإنتاج المواد الإباحية المتعلقة بالأطفال والاتجار بها. حصلت محاولات قانونية للسيطرة على المشكلة، لكنها تبقى منتشرة، لا سيما أن القانون يحدّد القاصر بـ12 سنة وما دون، ويتغاضى عن أمور كثيرة في التعامل الإباحي مع الأطفال لجهة التصوير والاستغلال الجنسي، طالما لم يُسجل وجود علاقة جنسية متكاملة.

وهناك جانب مظلم آخر سلطت الكاتبة إشيكاوا يوكي الضوء عليه، وهو صناعة يُطلق عليها في اليابان "جيه كي" أي "JK: Joshi Kosei" والتي تعني "طالبة مدرسة ثانوية".

تقوم هذه الصناعة على خدمات متعددة من مواعدة ومصاحبة الفتيات من الثانوية، بدءاً من السير معهن، وصولاً إلى الدردشة واللعب معهن وهن يرتدين الزي المدرسي، في ما يسمى بتجربة "جيه كي كافيه"، إضافة إلى خدمات أخرى مثل العناق وتدليك الجسد.

ثمة تقارير أخرى تتحدث عن العنصرية في اليابان. حسب استطلاع للرأي، فإن واحد من ثلاث سياح تعرض للعنصرية هناك، ويواجه 40 في المئة من الأجانب مشكلة في العثور على منزل للسكن.

يُضاف لذلك مشكلة الانتحار، ففي العام 2014، انتحر 25 ألف ياباني لأسباب مرتبطة بكبر السن والمشاكل الشخصية والفقر والتكنولوجيا الزائدة (مشكلة معروفة بالـHikikomori).

"نحن نريد أن يشعر العرب بأن اليابان دولة طبيعية وشعبها مثلهم، ولديهم الخير والشر"، هذا ما قاله أحد مؤسسي "اليابان بالعربي". المشكلة ليست في اليابان إذاً، بل في مقاربة العرب لها.

في ما يُحكى في علم النفس عن جلد الذات أنه تقوقع وانحسار داخل بوتقة الانهزام، مروراً بفقدان الرؤية والطموح وصولاً إلى اجترار مرارة الألم حتى إدمانه. أما نقد الذات الإيجابي فيكمن في معرفة مواطن القوة ومواطن الضعف، بصدق وموضوعية.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
اليابان

التعليقات

المقال التالي