كيف أمضى فريق كامل من الباحثات 21 يوماً من العمل الشاق في الصحراء لاستخراج منصوراصورس

كيف أمضى فريق كامل من الباحثات 21 يوماً من العمل الشاق في الصحراء لاستخراج منصوراصورس

لا صوت يعلو في مصر الآن على صوت "منصوراصورس"، الوافد الأخير على مصر من قلب الصحراء ليفك شفرة السنوات الغابرة، ويخبرنا عما جرى قبل ملايين السنين.

إنه الديناصور المصري المكتشف حديثاً في الصحراء الشرقية.

قبل نحو 90 عاماً، وبالتحديد عام 1912 كانت مصر على موعد مع حدث جلل، حين اكتشف العالم الألماني أرنست سترومر عظام ديناصور آكل لحوم من نوع "سبينوصور إيجيبتيكاس" في الصحراء الغربية.

كان الحدث غريباً وفريداً، ثم توالت اكتشافات الأجانب للديناصورات في صحراء مصر، حتى وصل عدد المكتشف منها إلى 5 هياكل من أنواع "سبينوصور"، و"باراليتيتان"، و"دلتادروميوس"، و"كركرودونتوصور"، التي كانت تعيش في العصر الطباشيري.

وبحسب المتخصصين، فإن 4 هياكل من الخمسة نُقلت إلى متحف ميونخ بألمانيا ودُمرت خلال الحرب العالمية الثانية، أما الديناصور الخامس فقد اكتشفه فريق أمريكي من جامعة بنسلفانيا عام 2001، وقاموا أيضاً بشحنه للخارج، وبعد التجارب العلمية أعيد إلى مصر وحُفظ في المتحف الجيولوجي.

مرت السنوات وجاء يناير من العام الحالي ليفتح نافذة جديدة على العالم في صوره الأولى، بإزاحة الستار عن "منصوراصورس"، فيما وجد الفريق المُكتشف نفسه وسط الأضواء وعدسات المصورين، ومراسلين من جميع أنحاء العالم يبحثون عن إجابات تكشف حقيقة ما حدث أخيراً في مصر، وأجبر وسائل الإعلام الدولية على التركيز على اكتشافهم بل وصفه بأنه "حدث عظيم" و"أمر بالغ الأهمية" أشبه بـ"الكأس المقدسة".

حكاية منصوراصورس

دكتور هشام سلام، مدير مركز جماعة المنصورة للحفريات الفقارية، وقائد فريق البحث الذي توصل إلى هذا الاكتشاف، قال إن هيكل الديناصور الذي عثر عليه في منطقة "تنيده" بالواحات الداخلة في الصحراء الغربية، أطلق عليه اسم "منصوراصورس" نسبة لجامعة المنصورة شمال القاهرة، حيث يعمل فريق البحث الذي توصل لهذا الاكتشاف.

كما أكد أن الديناصور ينتمي لسلالة إفريقية ترجع إلى العصر الطباشيري عاشت قبل نحو 75 مليون سنة، واصفاً الاكتشاف بأنه حدث علمي تاريخي، خصوصاً أن جميع علماء العالم كانوا في حيرة بسبب اكتشاف حفريات ديناصورات في جميع أنحاء العالم، ما عدا قارة إفريقيا.

أقوال جاهزة

شارك غرداكتشاف منصوراصورس يثبت أن هناك جسراً برياً كان يربط قارتي إفريقيا وأوروبا منذ 80 مليون سنة

شارك غردفريق كامل من البنات أمر يدعو للفخر، والفريق الأول في أفريقيا والعالم العربي المتخصص في الحفريات الفقارية

لحظة الاكتشاف

يعلق سلام على الاكتشاف بأنه كان يعمل في مشروع بحثي خاص بالديناصورات منذ عام 2008، وخلال عودته من زيارته إلى محافظة الوادي الجديد جنوب مصر إلى البيت، قرر أن يمر مع فريق العمل بواحة الداخلة بالصحراء، لمعاينة موقع حفريات الديناصورات، الذي يعمل فيه منذ سنوات، بالتعاون مع جامعة أوهايو الأمريكية وجامعة جنوب كاليفورنيا ومتحف دنفر للطبيعة والعلوم بالولايات المتحدة.

يتابع: "عندما وصلنا إلى المكان قمنا بتقسيم أنفسنا إلى مجموعات لمسح المنطقة، وفجأة حدثتني هاتفياً سارة صابر، إحدى المشاركات ضمن فريق البحث، وقالت إنها وجدت عظاماً كثيرة في مكان ما، وحين وصلت إلى المكان اكتشفت أن العظام ترجع لديناصور، ومن هنا بدأ المشوار".

ما فائدة هذا الاكتشاف؟ ولماذا أثار كل هذه الضجة؟

يؤكد الدكتور هشام لرصيف22 أن هناك الكثير من الفوائد، أهمها أن الاكتشاف جاء بأيدٍ مصرية، على عكس الديناصورات الخمسة التي تم اكتشافها سابقاً على يد خبراء أجانب. وأضاف أن الاكتشاف الجديد يثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن هناك جسراً برياً كان يربط قارتي إفريقيا وأوروبا منذ 80 مليون سنة، لأن الفصيلة التي ينتمي لها "منصوراصورس" كانت تعيش بين القارتين، وطبعاً لا يمكنها الانتقال عبر البحر، مما يعني أنها انتقلت بواسطة هذا الجسر.

وأوضح أنه جرى اكتشاف الديناصور في 2013 وتم استخراجه في 2014 بعد معسكر دام 4 أسابيع داخل الصحراء. ومن خلال تحليل الخصائص التشريحية لعظام الديناصور المكتشف، تأكد أن "منصوراصورس" أوثق صلة بديناصورات أوروبا وآسيا من ديناصورات عثر عليها في أقصى الجنوب في أفريقيا أو في أمريكا الجنوبية.

وقال: "رغم أن الاكتشاف تم قبل 5 سنوات فلم نعلنه إلا الآن بسبب الأبحاث التي احتجنا لإنجازها قبل الإعلان عن "منصوراصورس".

واختتم دكتور هشام الحديث: "في الفترة المقبلة سوف نكثف أبحاثنا للكشف عن الكثير من الحفريات التي ستجيب عن أسئلة حيرت العلماء، وكم أتمنى أن نقيم متحفاً للحفريات في مصر، على غرار متحف لندن، وأنا واثق من أننا سننجز تلك الخطوة خلال السنوات المقبلة".

سارة أول من تعرف على منصوراصورس

أما سارة صابر شريكة النجاح وأول من توصل لـ "منصوراصورس" فقالت لرصيف22: "عندما اكتشفنا العظام بالمصادفة في طريق العودة من الوادي الجديد، لم تكن معنا المعدات المناسبة، لذلك تركنا الموقع وعدنا إليه بعد فترة. وعقب إحضار المعدات، وفي اليوم التالي لوصولنا بدأنا العمل بجهد شديد وحماسة أشد. كنا نعمل ساعات طويلة دون نوم أو راحة، وبعد 3 أيام أصبحت عظام الديناصور واضحة المعالم. ووجدنا أنفسنا في مواجهة ديناصور من آكلات العشب، بحجم حافلة مدرسية، ووزنه 5 أطنان، أي ما يعادل وزن فيل".

تستطرد: "غمرتنا الفرحة عندما كشفنا النقاب للعالم كله عن "منصوراصورس"، فنحن نكتب تاريخاً جديداً يثبت أن الأرض قبل ملايين السنين كانت كتلة واحدة قبل أن تنقسم إلى قارات خلال العصر الطباشيري، وتتحول إلى الشكل القاري الذي نراه اليوم".

وتابعت سارة: "بقينا في الصحراء 21 يوماً لاستخراج عظام الديناصور، ورغم أن الفريق كله من الإناث، ورغم أن المجتمع المصري في أغلبه يرفض إقامة الفتيات خارج البيت فترة طويلة، فإن أسرنا كانت تشجعنا على العمل، ولم نجد أي اعتراض على الإقامة خارج الديار، وتحديداً في الصحراء".

" فريق كامل من البنات هذا أمر يدعو للفخر"، تقول الباحثة، خصوصاً أنه الفريق الأول من نوعه في أفريقيا والعالم العربي المتخصص في الحفريات الفقارية .

وتعود للحديث عن "منصوراصورس" بشغف: "استخرجنا 19 قطعة، تضم عظمتين من العضد، وإصبعاً واحدة من اليد، و3 أصابع من القدم، وجزءاً من الجمجمة، وآخر من الفك السفلي، وفقرات من الرقبة، وأخرى من الظهر والذيل، وبضع أضلع وهي تمثل 68% من جسم الديناصور، ومن تلك القطع توصلنا إلى أن "منصوراصورس" ينتمي لنوع جديد من الديناصورات، وأنه لا شبيه له على الإطلاق".

وبسؤالها عما يشاع بأن هناك فريق بحث أجنبياً ساهم في هذا الكشف، أجابت: "الفريق العلمي المصري اكتشف الديناصور واستخرجه من بين الرمال وصوَّره ونظَّف عظامه، أما الفريق العلمي الأجنبي فكان دوره محصوراً في المراجعات العلمية وتحليل النتائج وكتابتها، والمناقشات حول نوع وجنس الديناصور، وطبعاً كل ذلك تم بعد الاكتشاف".

ماذا لو عرضت أمريكا أو إحدى الدول الكبرى الدخول على الخط ورعاية فريقكم البحثي من الألف إلى الياء؟

ترد سارة سريعاً بأن إحدى أهم إيجابيات الاكتشاف أن الفريق كله من المصريين، ومن هنا "أعتقد أننا سنمضي نحو تحقيق أحلامنا بأيدينا لا بأيدي الآخرين. فنحن نريد أن نؤسس لمرحلة جديدة تكون فيها الاكتشافات المهمة مصرية من الألف إلى الياء"، تقول.

وختاماً تحدثت سارة عن الصعوبات لرصيف22: تعودنا حروق الشمس، والمناخ المتغير في الصحراء، وقلة الطعام، لذا كانت عملية استخراج عظام الديناصور هي الأصعب لأن كل قطعة استغرق استخراجها حوالى 4 أيام.

قالوا عنه منصوراصورس

فيرونيكا ديز ديز، الخبيرة في ديناصورات سوربود من متحف التاريخ الطبيعي في برلين، علقت على الكشف الجديد: "المهم هو أننا لم نكن نعرف أي شيء عن ديناصورات سوربود عاشت في شمال أفريقيا خلال العصر الطباشيري المتأخر، وبفضل اكتشاف منصوراصورس لم تعد هذه هي القضية".

أما فيليب مانيون، الخبير التابع لجامعة الملكية بلندن، فقال إن الكشف "أشبه بقمة جبل جليدي، ويشير إلى أن قارة أفريقيا لديها إمكانية الكشف عن سجل حفري أكثر ثراء".

كلمات مفتاحية
الصحراء ديناصور

التعليقات

المقال التالي