اغتصاب تصحبه علامات فارقة في وجوه الضحايا... حكايات ترويها فتيات في الشارع

اغتصاب تصحبه علامات فارقة في وجوه الضحايا... حكايات ترويها فتيات في الشارع

فتاة تتعرض للتحرش في أحد المولات التجارية بالقاهرة، لا تصمت على حقها، تسعى إلى تقديم المعتدي إلى العدالة.

يُسجن لمدة أسبوعين، وبعد خروجه يترصدها بهدف الانتقام، يتابع تحركاتها، وأثناء خروجها من إحدى الصيدليات يُناديها باسمها، ثم يسرع نحوها، مشوهاً وجهها بسكين كان يحملها.


تُثير القضية الرأي العام المصري، وتعرف إعلامياً بحادثة "فتاة المول".

التشوه الذي تعرضت له الفتاة في وجهها، تتعرض له كذلك عشرات وربما مئات من فتيات الشوارع في مصر من دون أن يعلم عنهن أحد شيئاً. على الرغم من فظاعة التفاصيل التي يتعرضن لها، إلّا أنه لا يُتحرش بهن فقط، بل يُغتصبن أيضاً ولمرات عدة، وأحياناً يخطفهن المغتصبون إلى أماكن مهجورة لمدة تصل إلى أسبوع أو عشرة أيام بهدف اغتصابهن من جديد.

يُطلق الخاطفون على المخطوفات صفة الـ "خزين" كأي شيء مادي يُخزّن، ويستعينون أحياناً بحبوب مخدرة لكي تتحمّل أجساد المخطوفات الهزيلة ما تتعرض له من وحشية الانتهاك.

لا يقف الأمر عند هذا الحد.

مغتصبون كثر لا يكتفون بكل هذا، بل يفضلون ترك علامة في وجوه ضحاياهم وأجسادهن كعلامة على أنهن اغتصبن، ليتباهوا بعد ذلك وسط رفاقهم بعدد الفتيات اللاتي يحملن علاماتهم.

ولكل مغتصب من أولاد الشوارع علامة خاصة يتركها في جسد الفتاة ظاهرة أو غير ظاهرة، وغالباً ما تكون هذه العلامة بالسلاح الأبيض.

أقوال جاهزة

شارك غردمغتصبون يفضلون ترك علامة في وجوه ضحاياهم ليتباهوا بعدد الفتيات اللاتي يحملن علاماتهم.

شارك غردلكل مغتصب من أولاد الشوارع علامة خاصة يتركها في جسد الفتاة ظاهرة أو غير ظاهرة، وغالباً ما تكون هذه العلامة بالسلاح الأبيض

من القاسي إلى الأقسى

هربت هند (15  سنة) - وليس هذا اسمها الحقيقي - من تنكيل إخوتها، متخيلة أن ما تحيا فيه هو جحيم لا تستطيع التأقلم معه أو الاستمرار فيه.

هي صغيرة وضئيلة الحجم، ترتدي عباءة سوداء، التقيناها على كورنيش النيل في أحد أماكن تجمعات فتيات الشارع.

تعرضت أثناء وجودها في الشارع خلال السنوات الخمس الماضية، لتنكيل أكبر وأشد، ليس أقلّه حملها مرات عدة وإجهاضها في كل مرة بسبب هزال جسدها وظروفها الصحية، وقسوة حياة الشارع التي لم ترحم ضعف جسدها ولا قلّة سنوات عمرها في هذه الحياة.

تعرضت هند لأنواع مختلفة من الاغتصاب سواء من أولاد الشوارع الذين هربوا من بيوتهم مثلها، مفضلين حياة الشارع على قسوة البيوت، أو من البلطجية الذين يتعرضون للفتيات في الشارع، ويخطفونهن مستخدمين الـ "توك توك" ويخزنونهن في أماكن مهجورة، بحسب وصفها.

والبلطجية في مصر هم تلك الفئة التي تعتدي على الآخرين بالقوة البدنية أو التهديد أو استخدام السلاح الأبيض، سواء للحصول على ما هو ليس من حقها، أو لإسداء خدمة لشخص بالاعتداء على آخرين مقابل أجر مادي.

وقد يُستعان بالبلطجية في حوادث سياسية لتسجيل انتصار على طرف آخر. يذكر تقرير صادر عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عام 2015، أن هناك حوالى 500 ألف بلطجي في محافظات مصر يعتدون بشتى الطرائق على الناس مقابل مبلغ من المال.

لم يكتفِ المغتصبون بجميع تلك العلامات الموغرة التي تركوها في نفس هند، بل فضل بعضهم أيضاً أن يحتفظ بعلامة من سلاحه الأبيض في وجهها لكي يتباهى بأنه اغتصبها. 

"مشتبه بنا بالضرورة"

بجرح غائر في وجهها تتحدث منال – 22 سنة - وليس هذا اسمها الحقيقي - عن عدم مقدرة الفتيات على الوقوف أمام المعتدين بأي شكل من الأشكال.

تقول أنهن لا يقدرن على الاقتراب حتى من قسم الشرطة، لأنهن مشتبه بهن في كل حال، فالمجتمع يحملهن ذنب أنهن تركن بيوت الأهل وهربن منها إلى الشارع.

تركت منال بيتها منذ أربع سنوات، بعدما عجزت عن الاستمرار في بيت زوجها بسبب عائلته وتسلط والدته عليها.

تقول أنها تخرج إلى الشارع بشعر مرسل لتشعر بالهواء يلفح وجهها، وبأنها حيّة، بعدما تتعرض للاغتصاب، ثم تتوجه إلى إحدى دور رعاية أطفال الشوارع لكي تتمكن من تناول المطعم والمشرب وتسترد جزءاً ممّا فقدته من صحتها، وجسدها الهزيل.

كاميليا...

تقول كاميليا أن عمرها 18 سنة، لكن العباءة السوداء اللامعة التي ترتديها والجرح الغائر في خدّها الأيمن الشاحب وصبغة شعرها الصفراء تجعلها تبدو أكبر بكثير من ذلك.

التقينا كاميليا أيضاً في أحد تجمعات فتيات الشارع بمنطقة وسط البلد.

بدأت كاميليا - ليس هذا اسمها الحقيقي - حياتها في الشارع منذ سنوات ست، بعد خلاف دبّ بينها وبين زوجة أبيها، انتهى بتركها المنزل.

حاولت أن تلتقط أنفاسها، قبل أن تفاجأ بأن خاطفها لم يكتفِ بالتنكيل بها، بل أَعمَلَ سلاحه الأبيض في وجهها، مسبباً لها جرحاً في خدها الأيمن.

تقول أنها نزفت وهي تسير في الشارع، ولم يعرض أحد عليها المساعدة. كانت تعرف جيداً أيضاً أن ما من مستشفى يقبلها، من دون أسئلة وأجوبة ستخرج بعدها مدانة أكثر من كونها ضحية.

وصلت إلى المكان الذي تبيت فيه وزميلاتها اللواتي أخذنها إلى إحدى العيادات الطبية. هناك تحصل العمليات غير المشروعة لخياطة الجروح، لكي لا يسألها أحد عن شيء.

يُقول أحمد جمال – الطبيب في أحد المستشفيات الحكومية - عن كاميليا وغيرها من الفتيات، أن لا مستشفى يقبلهن، على الرّغم من أن مهمة المستشفى إنقاذ حياة الناس أياً كانت ظروفهم. لكن هذا لا يحدث، فحالات كثيرة لا تصل إلى الأطباء، لأنّ مكاتب الاستقبال في المستشفيات تمنعها من دخولها، لعدم حيازة أوراق ثبوتية.

يضيف جمال أنه يجب فتح باب التحقيق في هذه الحالات حتى لا تقع مسؤوليتها على المستشفى، وهو ما لا ترحب الفتيات في أحيان كثيرة بأن يحدث، إما خوفاً من انتقام البلطجية منهن بعد خروجهن، أو من إعادتهن إلى بيوت أهاليهن على غير رغبتهن، أو حتى من أن يقع جزء من المساءلة القانونية عليهن.

ولا ينفي جمال أن هناك مستشفيات كثيرة تدفع تكلفة العلاج قبل أي شيء، لمجرد الشك في أن أياً من الحالات لن تتمكن من دفع هذه التكلفة المادية، على الرغم من أن كثراً يرفضون دخول المستشفى لهذا السبب.

ماذا تنتظرون؟

سعيد – أحد من يطلق عليهم أطفال الشوارع - وليس هذا اسمه الحقيقي - يصف زملاءه المغتصبين الذين يشوهون الفتيات بعد اغتصابهن، بأنهم "عيال مجنونة وفاضية".

يقسم سعيد ليؤكد كلامه، بأنه لا يفعل ذلك، وإن كان قد شارك من قبل في حادثة اغتصاب، لكنه ينتقد بشدة التشويه. وعن مبررهم في فعل ذلك.

يقول: "هما بيبقوا عاوزين يعلنوا أنهم أقوياء ورجالة". وبحسب سعيد، فإن كل منهم يتباهى بعدد الفتيات اللاتي يحملن علامته.

أحياناً، يترك المغتصب علامته في مكان غير ظاهر في جسد المغتصبة، لكي يفاجئ المغتصب التالي أو الزوج إذا كانت متزوجة عرفياً بأحدهم في الشارع، بحسب سعيد.

يختتم سعيد بسؤال فيه لوم، قائلاً: "أنتم منتظرين أيه من اللي تركتوهم في الشوارع سواء ولاد أو بنات نهبة للكلاب المسعورة بالشارع؟".

يتفق الدكتور سمير الشريف – الأستاذ في علم النفس - مع رأي سعيد اللائم، والذي لخصه بعبارة "ماذا تنتظرون؟"، حيث يؤكد الشريف أن هؤلاء الأولاد لديهم حنق لا يستهان به تجاه كل من أدى بهم إلى هذه النتيجة، بدءاً من أسرهم، وصولاً إلى كل ما يتعرضون له في الشارع من مظالم وإهانات، سواء من البلطجية أو من الشرطة أو بسبب اشمئزاز المارين في الشارع منهم.

ذلك الحنق – بحسب الشريف - هو ما يدفعهم إلى تجريح سيارات مركونة في جوانب الطرقات بآلات حادة، من دون حتى أن يعرفوا أصحابها، ومن دون أنه يفرقوا بين سيارة وأخرى.

وما سلوكهم هذا، إلّا لتفريغ الغضب في دواخلهم، والذي يدفعهم أيضاً إلى الاغتصاب وتشويه وجوه أو أجساد الضحايا. هذا مرض، وكل ما يرغبون فيه من تصرفاتهم هذه إثبات القوة والسلطة، والإحساس بأنهم قادرون على قهر شخص آخر، وأن هناك من هو أضعف منهم، ما يجعلهم في نظر أنفسهم أقوياء ويشعرهم بالرّضا.

يتابع الشريف: "هؤلاء الاولاد مظلومون تماماً، وإن تحولوا قساة غلاظ القلوب أو ظالمين، يظل كل هذا انتقاماً ممّا واجهوه من ظلم وقهر وإهانات في البيت والشارع، ومن الأسرة والمجتمع".

البيت هو السبب

تُجمع هند ومنال وكاميليا على معرفتهن بأنه في إمكانهن أن يعدن إلى بيوتهن وينتهي كل ما يتعرضن له من معاناة في الشارع، لكن ثلاثتهن لا يغفرن لأسرهن أنها السبب الأول في خروجهن إلى الشارع سواء من قسوة الإخوة أو زوجة الأب أو الأب نفسه، معللات ذلك بأن قسوة الغريب يمكن احتمالها في أي حال، أما قسوة القريب الذي يُفترض به الحنان والرعاية فلا تُحتمل أبداً.

تنقّل محمد علي – المختص الاجتماعي في جمعيات رعاية أطفال الشوارع - خلال مهنته بين جمعيات كثيرة ترعى هؤلاء الأطفال. يقول أن دور تلك الجمعيات محدود جداً، وربما هي عاجزة بالكامل عن توفير أكثر من ساعات رعاية أو تقديم المأكل أو الملبس أو جعل الأولاد يقومون بنشاطات معينة أو يتحدثون قليلًا عمّا يواجهونه من مصاعب في حياة الشوارع، وأحياناً تقدم مأوى دائماً لعدد محدد من الفتيات أو الفتيان، وفقاً لما تسمح به مقارهم.

يعتبر علي أن الحل يتمثل في وعي مجتمعي شامل، مصالحة اجتماعية تحدث مع الأولاد، حتى يقبلوا بإعادة تأهيلهم وانخراطهم في حياة سوية، "كثيراً ما نجد فتياناً وفتيات يهربون من المقار الدائمة، ويفضلون عليها حياة الشارع مرة أخرى". ويضيف أنّ لا تفسير لديه أكثر من أن هؤلاء الأولاد غير مهيئين لحياة طبيعية، ولا بد من عمل جبار لإعادة تأهيلهم.

نيرة الشريف

صحافية وكاتبة مصرية

كلمات مفتاحية
الاغتصاب المرأة

التعليقات

المقال التالي