"حلوة يا زلمي" بالنسخة السورية... حين تختصر 14 ثانية بشاعة العالم

"حلوة يا زلمي" بالنسخة السورية... حين تختصر 14 ثانية بشاعة العالم

"حلوة يا زلمي"... كيف يمكن لعبارة مقتضبة كتلك أن تختصر كلّ وحشيّة العالم؟ وكيف لها أن تضعنا بمواجهة كل ما قد تسوّله الذكورية الجوفاء لنفسها من انحطاط وشراسة، إذا ما شعرت بالإهانة لمجرّد أن واجهتها امرأة؟

يحدث ذلك حين نسمعها في خلفيّة الفيديو الذي أظهر جثة المقاتلة الكردية بارين كوباني وقد تمّت تعريتها والتمثيل بها على أيدي عناصر من الجيش الحر المدعوم من تركيا، بعد سقوطها خلال المواجهات معهم على أطراف بلدة عفرين.

بارين حلوة حقاً.

فيها سحر كل ما سمعناه عن جرأة المقاتلات الكرديات وبسالتهن، وفي موتها أكثر من قتل خصم في صراع سياسي أو إثني، بل فظاعة التمثيل بجثة لمجرّد أنها لامرأة تجرأت على تهديد السلطة الذكورية بصفتها ندّاً.

في لحظة يعدّها القاتل نصراً تخرج عبارة "حلوة يا زلمي" كالقيء، بينما يحرّك أحدهم رجله فوق النهد المقطوع. فهل هو اشتهاء لذلك الجسد حتى بعد أن قطع ورفاقه نهديه ومثّلوا به أم تشفٍ أم الاثنين معاً؟

يردّد آخر "في وحدة تانية"، بينما الكاميرا تستمر بالتركيز على جسد بارين خلال 14 ثانية بدت اختصاراً لكل سنوات المأساة السورية، العربيّة والكردية، التي تحوّل فيها جسد المرأة إلى أداة إذلال وتفتيت وتشويه.

وإن يكن فيديو بارين التجلي الأعظم لمأساة الثقافة التي تفرّغ ذكوريتها في الجسد النسائي المخيف والخائف في آن، إلا أنه ليس الوحيد.

التعليقات الواردة في أسفل الفيديو حملت بمعظمها ردوداً طالت نساء الطرف الآخر. كثر من الغاضبين لمقتل بارين لم يجدوا رداً سوى استحضار الأمهات والأخوات والزوجات من الجهة المقابلة لـ"التفظيع بهن" وبمواطن جسدهن الحميمة.

"رابنزل الكرديّة" ورفيقاتها

يعيدنا فيديو بارين إلى صورة ذاك المسلّح من تنظيم "داعش" الذي يقف مبتسماً وهو يحمل رأس فتاة كردية بضفيرة شقراء طويلة وملامح باسمة.

ضحكته الشيطانيّة وإصبعه المرفوع جعلاه أبعد ما يكون عن صورة الأمير الوسيم الذي كان قد حرّر رابنزل الأصلية في القصة الشهيرة بعدما استخدم ضفيرتها الطويلة للتسلق وتحريرها من حبسها.

لم يستطع المقاتل الحصول على "رابنزل الكردية" حيّة ليسبيها، ولأنها خالفت إرادته حتى في موتها، فلم يكن أمامه سوى جزّ رأسها والتباهي به في العالم الافتراضي وعلى صفحات الإنترنت، لتصبح صورة تلك المقاتلة هي صورة الموت وما سبقه وما يليه مجسّداً.

ربما لم تشغل المسألة الكردية العالم العربي بقدر ما شغلته المقاتلات الكرديات بعد بدء الحرب. الصورة التي ظهرت لهن (أو صُنعت لهن وهذا نقاش آخر) كان فيها الجمال الخارجي الطاغي مقترناً بقوة بدنية واستعداد قتالي. وفي تلك الخلطة إرباك ما بعده إرباك.

الجمال، كما جرى تكريسه، مقترن إما بالهشاشة والحاجة إلى الرجل أو بالسترة وجعله حصرياً لرجل بعينه، أما القتال فهو حق حصري له بطبيعة الحال، يستعرض فيه بطولاته ويكرّس سطوته المجتمعية.

هكذا سمعنا عن مقاتلة كردية أنهت حياتها قبل وصول مسلحي داعش إليها، وأخريات يحتفظن برصاصة أخيرة لهذه الغاية، بينما كانت نهاية بارين تجسيداً لحجم الغضب من خوض المقاتلة الكردية للحرب بهذا الشكل.

أقوال جاهزة

شارك غرد"حلوة يا زلمي"... كيف يمكن لعبارة مقتضبة كتلك أن تختصر كلّ وحشيّة العالم؟

شارك غردالاغتصاب ليس مجرّد رغبة جسدية جامحة، بقدر ما هو غضب تجاه الآخر وفعل عدائي، يسعى فيه المغتصب لتحقير العدو ومحو إنسانيته

الجسد... حلبة صراع

تظهر روايات الحروب، منذ الحرب العالمية الأولى وصولاً إلى سوريا، أن الاغتصاب ليس مجرّد رغبة جسدية جامحة، بقدر ما هو غضب تجاه الآخر وفعل عدائي، يسعى فيه المغتصب لتحقير العدو ومحو إنسانيته، إرضاء لشعوره بالتفوق تجاه الأضعف منه.

وإن شكلت المقاتلة الكردية حالة استفزازية للرجل، إلا أن الاغتصاب طال نساء سوريات كثيرات بعضهن متظاهرات، ناشطات ومناضلات، لكن أغلبهن لم يكن ذنبهن سوى أنهن ولدن نساء.

لم يكن استخدام الاغتصاب كأداة حرب موجهاً حكراً ضد نساء، فضحاياه كانوا رجالاً وأطفالاً من مختلف الأعمار.

لكن الثقافة العربية التي تُعلي من "عفّة" المرأة وطهارتها وتربط شرف الرجل وذكورته بهما، جعلت جسدها "السلاح المثالي" لتهويل المجتمع وتحقير رجاله، ومن ثم تفتيته عبر إغراقه في حالة من العار دفعت كثراً من النساء إلى دائرة الانتحار أو القتل للاغتسال منه.

قبل مدة، عرضت قناة "فرانس 2" الفرنسية وثاقي "سوريا: الصرخة المخنوقة" للمخرجة مانون لوازو. يقوم الوثائقي، الذي حوّل ما سمعناه من قصص اغتصاب لنساء في السجون وعند نقاط التفتيش وفي المنازل إلى أسماء ووجوه، على شهادات الضحايا من دون أي مؤثرات.

تختصر الشهادات كل أشكال الاغتصاب وتبعاته.

من تعرضت لاغتصاب جماعي وتناوب على جسدها خمسة عناصر أمن من دون أي اعتبار لآلامها الفظيعة، إذ يقول أحدهم "كمّل ما بيأثر". الأم التي شهدت اغتصاب بناتها أمامها، الواحدة تلو الأخرى، حاولت افتداءهن بجسدها: "شلحت تيابي وقلتله تعى اغتصبني أنا، بس بناتي لأ". اغتصبوها، ثم اغتصبوا بناتها وقتلوهن. تلك التي قتلها والدها "حفاظاً على شرفه"، وتلك التي طلقها زوجها بعد خروجها من السجن.

يقولون إن "الاغتصاب جريمة كاملة"، إذ يتحقق القتل من دون أن نرى الجثة. وهكذا نسمع من ضحايا "روحي انفصلت عن جسمي" و"أنا جسد بس، ما بقى فيي روح".

الوثائقي الفرنسي ليس إلا توثيق بسيط لآلاف القصص التي انتشرت عن اغتصاب عناصر من النظام السوري وشبيحته للنساء كفزاعة لتخويف المنتفضين ضده وإخضاعهم. نسمع دائماً قصة الفتاة التي اغتصبت على مرأى من والدها، وقصص فيديوهات جرى تسجيلها لعمليات اغتصاب وإرسالها إلى "ذكور" العائلة.

في المقلب الآخر، لا تقلّ قصص الاغتصاب فظاعة. لم يكن توفر النساء بكافة أشكال الزواج والشراء والبيع وجهاد النكاح كافياً للجماعات المسلحة التي تقاتل النظام. الاغتصاب كان فعل تضخم للهوية الجنسية لدى المقاتلين جعل البحث عن إثبات الهوية ملحاً، كما إهانة النظام العدو غاية.

"فتح" المناطق التي كان يسيطر عليها النظام سابقاً اقترن بعدائية "فتح" جنسيّة، بدأت من معاقبة الرجال على تصرف زوجاتهن لناحية الالتزام بالنقاب والتبرج، وصولاً إلى سبي النساء وبيعهن واغتصابهن بكل الأشكال والطرق، في عودة إلى أبشع عهود البربرية، وشهادات الأيزيديات الناجيات من التنظيم تؤرق وجدان كل من سمعها.

فوق الاغتصاب... صمت و"عصّة قبر"

ولأن العار ينتظر المغتصَبة، يصبح الصمت سيّد قصتها. والبحث في مجال الاغتصاب في الحرب السورية لا يزال شديد الصعوبة نظراً للصمت المطبق الذي تغرق فيه الضحية وعائلتها.

قد تسمع عرَِضاً من أحدهم عن سيدة سمعت عند خروجها من السجن أن أهلها أقاموا لها العزاء حتى قبل معرفتهم بمصيرها، لتقرّر عدم مواجهتهم "حرصاً على كرامتهم".

تتحدث بعض التقارير أنه حتى منتصف العام 2016 تم توثيق أكثر من 12 ألف حالة اغتصاب، في حين تم توثيق 300 حالة اغتصاب في السنة الأولى للاحتجاجات، و6000 حالة اغتصاب حتى العام 2014.

قد يكون للأرقام هنا الأهمية نفسها التي تحظى بها فكرة تأكيد أن الاغتصاب هو فعل تعذيب ممنهج، كجمع عبارات على شاكلة "بدكن حرية... هاي الحرية" و "يا خونة" التي رافقت الفعل، للتأكيد على أنها جريمة حرب وليس انفلاتاً فردياً. يؤسس ذلك لمحاكمة المسؤولين في المستقبل أمام المحاكم الدولية كما جرى في حالات شبيهة.

وأخيراً، لا يمكن إنكار أن  تحويل المرأة إلى "أداة حرب" ليس حكراً على سوريا والعالم العربي، لكن الثقافة السائدة في المنطقة العربية جعلت من الصعوبة فصل الاغتصاب في الحروب عن ثقافة اجتماعية ودينية سابقة عزّزت قابلية "الرجل" على ارتكاب هذا الفعل... وتبريره.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

كلمات مفتاحية
حقوق المرأة سوريا

التعليقات

المقال التالي