قهوة تفور، قطار يدخل النفق ومسمار يخرق الحائط: مشاهد جنسية بديلة منعاً لـ"خدش حياء" الجمهور؟

قهوة تفور، قطار يدخل النفق ومسمار يخرق الحائط: مشاهد جنسية بديلة منعاً لـ"خدش حياء" الجمهور؟

يقترب أحدهما من الآخر، عناق حميم، قبلات حارة، جسدان يتلامسان، إذن مشهد جنسي في الانتظار، "أوبا"...

ربما حدث خطأ ما. فجأة يتمّ اقتطاع المشهد بركوة قهوة تغلي وتفور، أو جرار يحفر في الأرض أو لوحة عارية، وفي أفضل الأحوال تُخفت الإضاءة مع بعض الأصوات، وهنا على المُشاهد أن يستخدم مُخيلته لمعرفة ما يجري خلف الكواليس، فما حدث ليس سوى خطأ إخراجي مقصود هدفه عدم خدش حياء المتفرجين بمشاهد جنسية كاملة وصريحة، فكانت البدائل الإيحائية هي الحل.

رغم أن هناك عدداً من الأفلام العربية والأجنبية أخذت نهج الفن الواقعي من خلال تجسيد "العُري التام" كما يقتضيه السيناريو، أو تلك التي أطلق عليها أفلام مقاولات هدفها الربح المادي وجذب المشاهد بأي وسيلة، فإن هذه الفئة من الأفلام تبقى استثناءً.

وبالنسبة للسوق المصرية، فإن تجارب الأفلام الإيروتيكية التي ظهرت خلالها مشاهد عُري كامل تُعدّ على أصابع اليدين، أبرزها سيدة الأقمار السوداء، ذئاب لا تأكل اللحم، المذنبون، لتبقى القاعدة العامة في صناعة السينما المصرية مصبوغة بشعار "لا للأجساد العارية" حتى لو تطلب المشهد هذا الأمر.

ومع وجود رقابة فنية صارمة، وتماشياً مع الحالة العامة للمجتمع الذي يُصنف محافظاً، انتشرت ظاهرة استخدام الرموز الجنسية عوضاً عن المقاطع الحميمية المطلوبة لضمان استقرار السياق الدرامي للعمل، ولكن هل بهذه الوسيلة حقق صانعو العمل هدفهم وتمكنوا من إيصال الرسالة إلى المشاهدين؟

يجيب الناقد الفني طارق الشناوي لرصيف22 بالقول "إن طريقة استخدام الرموز الجنسية مثل فوران اللبن فوق البوتجاز، ووقوع القهوة بعد غليانها، وظهور عواصف عاتية، لتجسيد حالة عواطف ملتهبة، أمر تجاوزه الزمان، واليوم يعدّ أمراً مضحكاً، وكان قديماً يستخدم بكثرة بسبب حالة المجتمع التي كانت تستوجب إيجاد بدائل للمشاهد الحميمة، فجاءت هذه البدائل من خلال رموز من شأنها إيصال الرسالة المطلوبة من دون خدش للحياء، فاخترع المنتجون والمخرجون لغة بصرية أخرى بديلة".

ويؤيد الشناوي تقديم مشاهد حميمية بشكل مباشر إذا أتت في خدمة السيناريو والقصة.

في أحد المشاهد القديمة، يظهر الفنان فريد شوقي وهو يغازل امرأة، فتسأله وهو ممسك بمطرقة، عن عُمق وطول "الفتحة" التي يمكنه أن يصنعها في الحائط، ويجيب 20 سم، وهنا تبدي إعجابها واستغرابها وتجيبه "الحيطة ماتستحملش" في تلميح جنسي صريح.

بعض الرموز الجنسية أكثر فجاجةً من المشاهد الحميمية

من حق كل فنان أن يجسد الشخصية التي يقتنع بها، إلا أنه في فترة الخمسينات والستينات، لم يكن تجسيد العلاقات الجنسية بشكل واضح متعارفاً عليه، ولم تكن مطروحة فكرة المشاهد التي تُظهر أجساد الفنانين عارية تماماً، بحسب الناقدة الفنية ماجدة خيرالله، التي أوضحت لرصيف22 أنه تمّ استبدال اللقطات الجنسية برموز حميمية، ولكن المشاهد لم يكن متعوداً على هذه الرموز، مثل حفر البريمة لاستخراج البترول وما يعنيه هذا المشهد من إيحاء جنسي.

أقوال جاهزة

شارك غرداستخدام الرموز الجنسية كفوران اللبن فوق البوتجاز وظهور عواصف عاتية، أمر تجاوزه الزمان ويعد أمراً مضحكاً

شارك غردبدأ مشهد الجنس بين رشدي أباظة وناهد شريف بالقبلات والعناق ثم خفتت الصورة بظلال مموجة، وانتهى بانفجار جبل

وترى خير الله أن المشهد الرومانسي المتمثل في حضن دافئ مقبول للمتفرجين، ولكن أكثر من ذلك صعب أن يتقبله المشاهدون، وبخاصة العائلات التي لديها أطفال، ومع ذلك تؤكد خيرالله أن بعض الإيحاءات المستخدمة في عدد من الأفلام جاء تفسيرها أكثر فجاجة من المشاهد التي هرب من تصويرها المخرج كي لا يخدش شعور المشاهدين.

في أحد المشاهد الجريئة، ظهر الفنان رشدي أباظة مع الفنانة ناهد شريف، وهما يمارسان الجنس، وبدأ المشهد ببعض القبلات والعناق ثمّ خفتت الصورة بظلال مموجة، ليختفي البطلان حتى انتهى المشهد بانفجار جبل، تعبيراً عن إتمام الحالة الجنسية.

السينما الأمريكية والهندية على خُطى الإيحاءات

توضح خيرالله أن صناعة السينما في مصر ليست وحدها التي انتهجت نهج استبدال الجنس الواضح، برموز / إيحاءات جنسية، فالسينما الأمريكية والعربية سارت على النهج نفسه.

ففي الفيلم الأمريكي الكوميدي، The Naked Gun 2½: The Smell of Fear، بطولةPriscilla Presley و Leslie Nielsen، ظهرت مجموعة من الإيحاءات الجنسية المضحكة، مثل صاروخ يندفع بقوة إلى السماء، "هوت دوج" يدخل بين جانبي "ساندوتش"، وردة تتفتح، وقطار يدخل بسرعة في النفق.

كما انتهج الفيلم الهندي الحديث PK، بطولة Aamir Khan الحالة ذاتها، إذ استعان بالإيحاء من خلال تجسيد مشاهد جنسية داخل السيارات، فبدلاً من ظهور ممثلين عراة يمارسون الجنس، لجأ إلى حركة اهتزاز السيارات مع ظهور بعض الملابس على جوانبها، ما يعبّر عن حالة العُري التام، ويفتح الباب أمام المشاهد لتخيل الصورة كاملة من دون أن يعرضها.

الدكتور وليد سيف، رئيس قسم النقد السينمائي والتليفزيوني بأكاديمية الفنون، أوضح لرصيف22 أن لكل زمن لغة وأدوات وأساليب، ومن الممكن أن توجد تفاصيل رمزية يتقبلها الجمهور في حينه، ولكن بعد مرور زمن تصبح هذه التفاصيل مكررة إلى حد الابتذال.

وهنا استعان صُناع الفيلم بلوحة لبوستر فيلم أمريكي أُنتج عام 1958 اسمه The Naked Maja، وكما يشير عنوانه، فهو يعبر عن لوحة شهيرة للفنان الإسباني فرانسيسكو غويا، كان رسمها لامرأة عارية مستلقية على ظهرها تضع يديها خلف رأسها، وقيل إنها ربما تكون عشيقة غويا، كذلك جاءت لقطة لأسطوانة تدور وفوقها محركها.

في هذا المقطع، جاءت الاستعارة من خلال مشهد تمّ داخل غرفة استحمام، فبعدما غازل الفنان نور الشريف الفنانة هياتم وهي تأخذ "شاور" في البانيو، قرر ممارسة الحب معها، وبدلاً من ظهور المشهد بشكله الواضح ذهبت الكاميرا إلى صنبور المياه التي تدفقت بكثافة وتغير لونها، ثمّ ظهرت سدادة البانيو التي فُتحت ونُزع عنها الغطاء ليدخل الماء المتدفق من الصنبور في "الفتحة" التي صوّرت بشكلها الدائري.

لا شروط أو معايير للإبداع

في الفن، ليست هناك شروط للمبدع، يستخدم رمزاً أو لا، يقدم لقطات جنسية صريحة أو لا، المهم هو التوظيف الدرامي والقدرة على تقديم أسلوب فني جديد وجذاب وملائم للعصر، بحسب سيف، الذي يوضح أنه في الفيلم السينمائي يمكن أن نرى مشاهد حميميةً ولكن بعد توظيف الأضواء بطريقة ملائمة، والتركيز على تفاصيل ترتبط بموضوع العمل.

ومع ذلك، يوضح سيف أنه ليس مع هذه المدرسة التي تقوم على تقديم مشاهد واضحة، فهو يرى أن مشاهد الجنس الصريحة مكانها أعمال "البورنو" وليس الأفلام الروائية، فالقدرة الحقيقية تمكن في توظيف التفاصيل بأسلوب فني متناغم من خلال وجهة نظر يعبّر عنها العمل من دون التخلي عن المعايير المجتمعية.

الفنانة سعاد حسني، منفصمة الشخصية في فيلم بئر الحرمان، تذهب إلى منزل الفنان محيي إسماعيل، ومع بدء المشهد الجنسي الذي ظهر فيه البطلان فوق سرير، تتحرك الصورة بدلاً من اكتمال المشهد إلى إيحاء جنسي تمثل في لوحة لامرأة ذات شعر أحمر مثل شعر البطلة ويظهر بجانبها رجل وهما عاريان، وظهرت كذلك لوحة لفتيات يرقصن الباليه ومُلئت الشاشة بصورة لتمثالين "رجل وامرأة" يمارسان الحب.

كلمات مفتاحية
أفلام مشاهد جنس

التعليقات

المقال التالي