كائنات خرافية وبارانويا واستنارة... العالم العجيب والسحري للمرايا

كائنات خرافية وبارانويا واستنارة... العالم العجيب والسحري للمرايا

هل فكرتم في أن تقفوا لحظة، أن تنظروا إلى أنفسكم في المرآة طويلاً، لعل شيئاً ما يهزّكم.

يحذركم مستر س، حساب على موقع التواصل المعرفي "ريديت"، وسميناه بهذا الاسم، من أن تفعلوا هكذا، يحكي عن نفسه أنّه كان يحب القيام بالتجارب الغريبة التي تمنحُه شعوراً مشوهاً بالواقع، كي يكسر رتابة الحياة، وهو في الـ22 من عمره، لكنّه لم يكن يتخيّل أن لعبته تلك أمام المرآة، ستحول واقعه إلى جحيم.

لم يكن يتعاطى المخدّرات، لذا أراد أن يطوّر هلوسته بالنظر إلى المرآة لتشويه الواقع المملّ.

via GIPHY

بداية اللّعبة

بدت الأشياء في البداية رائعة، وكان هو مندهشاً للغاية، "من اللطيف جداً أن ترى الأشياء تتغيّر أمام عينيك"، "أتذكر تلك اللحظة عندما تشوّه وجهي، إنه لم يعد مثلي، حتى أنه لم يعد إنسانياً، كنت مسروراً جداً".

لذا بدأ يطور تجربته، راح يرى نفسه في المرآة تحت أضواء مختلفة، ضوء ساطع، ضوء أحمر، خافت، وأخيراً اهتدى إلى ضوء الشموع، حتى يلاحظ آثار الضوء على وجهه المشوه.

أقوال جاهزة

شارك غردالتحديق في المرآة ممارسة لتنشيط العين الثالثة المسؤولة عن الروحانيات والخيال والتواصل الروحي بين البشر

شارك غردلدينا نظام يفسّر الوجوه بسهولة جداً، فدائماً ما نعيد تركيب الأشكال المشوّهة وكأنها وجوه نعرفها أو نخشاها

لقد تغيرت حياته بسبب هذه التجربة، كما يقول.

أضاء ثلاث شموع لإلقاء الضوء على وجهه، فشعر بألم في بطنه، ينصحكم "لا تتجاهلوا مشاعر إمعائكم، إنها مثل العقل الثاني"، وبدأ يحدّق في عينيه، 20 ثانية مرت، ولكن بدلاً من أن يتغير وجهه فلا يزال كما هو، إذ ذاك قرر أن يستمر فترة أطول، رغم إحساسه بعدم الارتياح، بدأت عيناه تقترب إحداهما من الأخرى، وباتتا محمرتين.

يقول "لم أكن أدرك أني أبتسم، ولكني رأيت نفسي مبتسماً على نطاق واسع، إنها ابتسامة واسعة لدرجة أنك ترى اللثة، وعندما أغمضت عيني وفتحتهما مرة أخرى رأيت صورة مشوهة من نفسي، اعتقدت أن لها علاقة بالذاكرة، ثم سأعود إلى وجهي".

تجاهل المرآة، ولم ير نفسه في المرأة طوال اليوم، وفي تلك الليلة قرر أن يسرح شعره. أمام المرآة رأى الكائن العجيب لثانية، تلك النسخة المشوهة من نفسه تقف خلفه، نظر خلفه وكاد يصرخ ولكنه لم ير شيئاً.

via GIPHY

بدأت نسخته المشوهة تظهر في كل الأشياء العاكسة، في نوافذ مبنى العمل، بِرَك الشوارع، مرآة الحمّام، شاشة الّلابتوب، توقف عن النظر في المرآة، وتخلص من كل الأشياء العاكسة حوله.

حتى عندما ذهب إلى رجل دين مسيحي ولازمه فترة طويلة، ثم أخبره عما رآه في المرآة، أشاح بوجهه عنه، ولم ينظر إليه بعد ذلك، فقط يحدثه بعينين تنظران بعيداً.

في المرايا عفريت

يبدو الأمر وكأنّ لعنة أصابته، هكذا تفسر الثقافات الشعبية والقروية في بلادنا العربية طول النظر إلى المرآة، سيمسّكم عفريت ولن يخرج منكم أبداً.

أشهر شخصيات المرايا الخرافية وجه ماري الدامي، قبل مئة عام تعرضت امرأة في بريطانيا لحادث فظيع خدش وجهها، ونزَفَت حتّى الموت، وباتت تَظهر في المرايا في هيئة شبح، ويُقال إن من يقف أمام المرايا، ويردد اسمها ثلاث مرات تظهر له.

في الثقافات القديمة كانوا يعتبرون ظل الإنسان هو روحه، وكانوا يتجنبون النظر في المياه حتى لا تلتهمهم التماسيح أو الجنيات.

via GIPHY

وأشهر الشخصيات الأسطورية التي تنظر إلى نفسها في المرآة نرسيس، الذي أدمن التطلع إلى وجهه في الماء مفتوناً به حتى سقط في البحر وتحوّل إلى زهرة النرجس.

ولكن...

ماذا يقول الاطباء النفسيّون عن "عفريت المرآة"؟

يستعرض مقال منشور بموقع "مايند هاك" تجربة عالم النفس الإيطالي جيوفاني كابوتو، يصف التشوهات التي نراها في المرآة بلغته الأكاديمية: "طريقة تطلق الوهم بشكل موثوق به"، ولإتمام التجربة تحتاجون لغرفة يضيئها مصباح خافت "لمبة 25 وات" يوضع خلف المشارك الذي ينظر إلى مرآة كبيرة على بعد 40 سم.

المشارك في التجربة لا يفعل سوى النظر إلى وجهه المنعكس في المرآة، وبعد أقلّ من دقيقة يبدأ المراقب النظر إلى "وهم الوجه الغريب"، وأُجرِيت التجربة على 50 شخصاً.

في نهاية الحالة التي استمرّت 10 دقائق من التحديق في المرآة، طُلِب من المشاركين أن يكتبوا ما رأوه في المرآة، واختلفت الأوصاف وشملت تشوّهات ضخمة في الوجه بنسبة 66%، ورأى 18% وجوه آبائهم على نحو غير كامل، إذ توجد سمات مفتقدة، و 8% من هؤلاء آباؤهم أحياء، و 10% آباؤهم الذين رأوهم متوفون، بينما شاهد 28% وجهاً نموذجاً مثل وجه امرأة مسنة، أو طفل، أو صورة لسلالتنا السالفة 28%، ورأى 18% وجه حيوان مثل قط أو خنزير أو أسد، أو كائنات خيالية وحشية بنسبة 48%.

الآثار الدرامية التي لاحظها المشاركون ناجمة عن مزيج من التشوّهات البصريّة الأساسية التي تؤثر على نظام التفسير الخاص بالوجه، هكذا علّق عالم النفس الإيطالي. ويضيف مقرباً وجهة نظرِه أكثر: يبدأ النظام البصري في التكيّف مع التغيّرات الجديدة مع مرور الوقت، لذا هذا هو سبب أنكم تواجهون تغيرات بصرية عندما تحدّقون في أي شيء لفترة طويلة، ولكن لدينا نظاماً يفسّر الوجوه بسهولة جداً، أي أنّنا دائماً ما نُعيد تركيب الأشكال المشوّهة وكأنها وجوه ندركها أو نعرفها أو نخشاها.

وهذا سبب رؤية الوجوه في السحب، والأشجار أو بين نقطتين في الخط، فالدماغ عادةً ينظر إلى الوجوه، ليُمكننا من رؤية الأفراد الذين تختلف فقط وجوههم في سمات صغيرة للغاية، وبحسب تفسيره أيضاً قد يكون هذا ناجماً عن تقلبات منخفضة المستوى في استقرار الحواف، والظلال، وتأثيرات الخطوط العريضة التي تؤثر على التعريف بالوجه، ويمكن أن يحصل في نهاية التجربة على تعريف مفرط بأنه شخص آخر.

ولكن هذه التشوّهات أنتجت جملة من المشاعر النفسية المختلطة، إذ 50% اختبروا مشاعر فصامية مُؤثّرة على هويّاتهم، خاصّةً هؤلاء الذين رأوا وجوهاً غريبة، البعض رأى تعبيراً خبيثاً على الوجه، وبات قلقاً، ورأى مشاركون آخرون الوجه مبتسماً، وأدّى ظهور الوالدين المتوفين أو الصور النمطية إلى خروج مشاعر "الاستعلام الصامت"، وأثارت ظهور الكائنات الوحشية الخوف أو الاضطراب، ومنحت تلك التشوهات الديناميكية للوجوه إحساساً شاملاً بالخروج عن نطاق السيطرة.

رؤية العفاريت في المرايا بداية الاستنارة؟

الفيلسوف الصوفي الهندي أوشو يرى أن النظر إلى المرآة هو "تأمل طبيعي". جاء له سوابهافا، يُعرّفه بأنّه شخص خطر في الهند، مليونير، أناه عالية، قال له إنه يريد أن يعرف الحقيقة، سأله أوشو: هل أنت مستعد للمخاطرة بكل شيء؟ أجابه بنعم، قال له: انظر لنفسك في المرآة!

وبعد مرور فترة بات يرى شخصاً آخر في المرآة، أصابه قلق، "هل هذا أنا؟" قال له أوشو لست بحاجة إلى السؤال، فقط أشعر بذلك، واصبر، وبعد مدة نظر إلى المرآة فلم يجد نفسه، لا أحد في المرآة، ويربط أوشو تلك الحالة بالاستنارة: إنه شخص سعيد الآن، لقد تحوّل بشكل كامل، أناه ذهبت إلى الربّ، لم يعد موجوداً.

يقول أوشو إن الخوف والفزع يحدث لأنكم تخلقون نفسكم في الانعكاس على المرآة، أنتم تخلقون الوهم، ثمّ هو أنتم الذين تحبون وتكرهون، تجدون الأصدقاء والأعداء، وكلهم جميعاً انعكاسكم.

ويحكي قصة هندوسية قديمة تقول إن ملكاً عظيماً ابتنى قصراً، وغطّى القصر بملايين من المرايا، تدخلون إلى القصر فترون وجهكم في كثير من المرايا، وإذا أشعلتم شمعة ترون الملايين من الشموع، وفي ليلةٍ ما دخل كلب بالصدفة، نظر الملك حول نفسه فوجد الملايين من الكلاب، أصابه فزع، ونسى أمر المرايا، ملايين من الكلاب حوله، نبح الكلب وكأن مليون كلب ينبح، بات عدائياً، ملايين من الكلاب عدائية، ولكنه نسى مخرج الباب، ووُجِد مُحطّماً بإحدى المرايا، وفارق الحياة.

يشبّه أوشو تأمل المرآة بالموت، الخوف يظهر والعطش للحقيقة موجود، وكل ما هو مطلوب منكم أن تتركوا ذكرياتكم ومخاوفكم وهويتكم وتقفزوا إلى المجهول.

ويشاركه مؤلف مجهول لموقع "كونداليني تيتشر" في تلك الزاوية، فيحكي أنه رأى وجه كائن فضائي رمادي اللون، ولكنه لم يخف، أدار وجهَه للناحية الأخرى ليتفحّص ملامحه.

يرى أن التحديق في المرآة ممارسة لتنشيط العين الثالثة المسؤولة عن الروحانيات والخيال والتواصل الروحي بين البشر وبين الإنسان والعالم، ويقدم لكم نصيحتين: إذا كنتم مصابين بجنون العظمة فهذا النوع من التأمل ليس لكم، وإن لم تكونوا كذلك فلا تخافوا إن رأيتم شياطين أو قروداً أو ووجوهاً بائسة، إنها فرصة لأن تحضنوا العالم بِحُبّ، تقبّلوا تلك الوجوه فالعالم واحد أحد.

يُسمّيها "لعبة المرايا" ويجدُها متعة أن تمارسوها وحدكم أو مع الآخرين، في الحمام أو مع أخرين، في أضواء خفيفة أو تحت ضوء الشفق.

ركّزوا في المرآة، كلما كان تركيزكم أعلى تحركت العين الثالثة، حتى تشرع الوجوه الأخرى بالظهور، وحياتكم الماضية، وكائنات فضائية، وشخصيات من أجناس أخرى، وفي أزمنة أخرى، وجه ثور.

يقول إن بعض الوجوه قد تكون مخيفة للدرجة التي تجعلكم لا تنظرون، هذا هو تحدّي لكم لتعطوا الحب غير المشروط لكل ما ترونه.

هل تحب شريكتك لطلاقة وجهها وخفة دمها وخصرها الملفوف، هل تشعر بالذعر كلما رأيت شعرة تسقط من رأسك، أو تجعيدة ترتسم على وجهك، أنظر لنفسك في المرآة ولا تخف، إنها فرصتك، وتحدٍ لأن تقبل نفسك وتحب العالم كله في وجهك.

ولعلك تستيقظين ذات يوم وتنظرين إلى المرآة، وترين شعرك غزاه البياض، والتجاعيد على وجهك، فتبتسمي لك، وتحبي نفسك أكثر.

التعليقات

المقال التالي