دعكم ممّا إذا كان عورة أم لا... هل يؤثر صوت المرأة في ارتقائها في العمل؟

دعكم ممّا إذا كان عورة أم لا... هل يؤثر صوت المرأة في ارتقائها في العمل؟

صافرات الإنذار من أشهر الأساطير اليونانية؛ حيث يُروى أن 3 كائنات بوجوه نسائية وأجساد طيور سحرت رجالاً، بحارة، بأصواتها الناعمة وأخذتهم إلى جزيرتها وقتلتهم، ولم ينجُ منهم إلا قلة صمّت آذانها بالشمع.

هذه الأسطورة وغيرها في الحضارات القديمة، هدفها إيصال رسالة واحدة مفادها أن "صوت المرأة خطير"، وربما يثبت ذلك مقولات كثيرة تركها الأسلاف مثل "المرأة يُنظر إليها ولا يُسمع".

تطور الأمر في القرون الوسطى من مجرد "لعنة" إلى "اتهام" بالسحر والقتل لنساء كثيرات. ولطالما نظر إلى المرأة التي تتحدث في الأماكن العامة بأنها "غانية" أو "شخص غير جدير بالثقة" لأنها لا تستطيع حجب كلماتها.

حتى في الأديان؛ فالكتاب المقدس - رسالة بولس إلى كورنثوس - يتضمن أمراً قضائياً بألّا يسمح للمرأة في أي حال من الأحوال، بالتحدث في الكنيسة، فيقول:

"لتصمت نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُوناً لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ، بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقولُ النَّامُوسُ أَيْضاً".

لا يزال هذا الواقع موضع نقاش كجزء من الممارسة الفعلية في الكنائس المسيحية، وفي المقابل نجد بعض مشايخ المسلمين لا زالوا عاكفين على بحث إشكالية "هل صوت المرأة عورة أم لا".

ربما تعتقد عزيزي القارئ أن هذه "ترهات" الماضي، فماذا عن الحاضر؟

هناك فكرة راسخة بأن صوت المرأة "ناعم، صارخ، سريع، غير مقنع وغير مفهوم"، وحتى الأصوات النسائية الأكثر غلظة، ينظر إليها بأنها أمر سلبي وغير مقبول.

يؤكد ويليام تشينغ William Cheng ، الأستاذ المساعد في قسم الموسيقى بدارتموث، أن التاريخ مليء بتوصيات ذكورية للمرأة بتجنب إسماع صوتها للعامة، حتى في العمل، بخاصة الرد على الهاتف. وفي القرن الـ19، تلقت دروساً في التحدث بصوت ناعم وبطبقات رخيمة.

قد يكذّب البعض ما أشرنا إليه، ضارباً مثلاً عن نساء ناجحات لم تُعَر أصواتهنّ اهتماماً، لكن الرد بأن هؤلاء تلقين تدريبات صوتية حتى يستطعن الحفاظ على نبراتهنّ هادئة.

أبرز أنموذج مارغريت ثاتشر التي خضعت لتدريبات صوتية عدة، ونصحت بخفض نبرة صوتها للفوز في الانتخابات عام 1979 وهو ما قامت به فعلاً، وأصبحت السيدة الأولى التي تشغل منصب رئيس وزراء بريطانيا العظمى، والأطول حكماً.

على العكس تماماً، فقد لاحظنا جميعاً، خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة الانتقادات الكثيرة الموجّهة إلى هيلاري كلينتون بسبب صوتها "الشرير والصارخ"، العجيب أنها توصف بـ "الثرثارة" ولا تؤخذ على محمل الجد عندما تتحدث بصوت ناعم.

أقوال جاهزة

شارك غردهناك فكرة راسخة بأن صوت المرأة "ناعم، صارخ، سريع، غير مقنع وغير مفهوم"...كيف يؤثر هذا على مسيرتها المهنية؟

شارك غردماذا إذا كان هناك تحيز نمطي تجاه صوت المرأة في العمل وماذا إذا كانت نبرة صوتها تؤثر في ترقيها في العمل؟

ما الذي تكشفه الدراسات؟

أجريت دراسات عدة للإجابة عن إشكالية "ما إذا كان هناك تحيز نمطي تجاه صوت المرأة في العمل وما إذا كانت نبرة صوتها تؤثر في ترقيها في العمل".

ففي دراسة استقصائية أجريت عام 1926 على جمهور الإذاعات، تبيّن أن كل 100 شخص فضلوا مقدمي البرامج، قابلهم شخص واحد فضل المقدمات.

وبرر الجمهور اختياره بأن أصوات هؤلاء الناس كانت "صاخبة أكثر من اللازم" و "مبالغاً فيها".

كما أثبتت سلسلة من التجارب أجرتها مختبرات بيل عام 1920، أن أصوات النساء تعادل أصوات الرجال في جهارة الصوت، بينما كانت أقل منها وضوحاً بدرجة ملحوظة.

واستبعد الباحثون أن يكون هناك تحيز ضمني من أفراد العينة ضد النساء.

ووجدت دراسة كندية حديثة أيضاً، أن الناخبين يفضلون "أصوات الذكور الرخيمة" أو العميقة، ويرونها أكثر جذباً وإقناعاً. وأكدت كارا تيغ، معدة الدراسة وزملاؤها في جامعة McMaster University ، أنها طلبت من 125 شخصاً، الاستماع لخطب 9 من رؤساء الولايات المتحدة، بدءاً من هاري ترومان، وتقييمهم من خلال أصواتهم على أساس الجاذبية والقدرة على القيادة والأمانة والذكاء والهيمنة. وأظهرت النتائج تصويت الجميع لأصحاب الأصوات العميقة أو الخفيضة.

وعلى الرغم من عدم وجود أي سيدة بين الأشخاص الذين استمع إليهم أفراد العينة، لعدم ترؤس سيدة الولايات المتحدة حتى الآن، إلا أن تيغ تشكك في تفضيل الأشخاص أي صوت نسائي؛ إذ إنه عادةً ما يتسم بالحدة.

ويعترف تشينغ بأن الانتقادات المتعلقة بالصراخ والثرثرة والحدّة، موجّهة عادةً إلى النساء دون الرجال، لكنه يرى أن للأمر علاقة بمعتقداتنا لا بسبب التحيز الجنسي ضد المرأة كما يشيع البعض.

دراسة أخرى مهمة، أجرتها كاندي لي Candy Lee، من جامعة  Northwestern University، على 75 طالباً؛ من بينهم 57 أنثى و18 ذكراً، أظهرت أنهم أجمعوا على أن التواصل اللفظي هو أهم سمات "القائد الناجح"، وبعده يأتي صنع القرار وإنجاز الأمور وإلهام الآخرين، وفي النهاية التطوير.

بعد ذلك، طلب من أفراد العينة الاستماع لأربعة رؤساء عمل يتحدثون إلى موظفين لديهم من دون أن يعرفوا مواصفات القادة الذين كانوا رجلاً أسود وامرأة سوداء، رجلاً أبيض وامرأة بيضاء. فأجمعوا كلّهم على رغبتهم في العمل لدى "الرجل الأبيض" وحصل على أعلى درجات التقييم، تلاه "الرجل الأسود"، ثم "المرأة البيضاء" وحلّت "المرأة السوداء" في المركز الأخير.

أما السيناريو الذي تعامل به القادة الأربعة مع الموظفين في التسجيل الذي قيم على أساسه الطلاب قابلية العمل معهم؛ فيوضح وجود تحيز ضد القيادات النسائية ورغبة في عدم العمل معهن؛ حيث تغاضى الطلاب عن السلبيات للذكور واعتبروها غطرسة مبالغاً فيها من النساء.

صوت المرأة في المجتمعات العربية

يوضح أحمد علام، مدرب التنمية البشرية، أن الرسائل التي نبعث بها إلى الآخرين تعتمد على 3 عناصر أساسية هي: لغة الجسد وتحتل 55%، نبرة الصوت وتمثل 38%، الكلام ويمثل 7% فقط. هذا في التواصل وجهاً لوجه. ويستطرد أما إذا كان التواصل هاتفياً فتستحوذ نبرة الصوت على نسبة 93% من القدرة على إيصال المعنى الذي نرغب فيه مقابل 7% فقط للكلمات.

وهذا يعني أن لنبرة الصوت تأثيراً كبيراً في أي تعامل مع الآخرين وبالطبع في العمل، لكننا لا نقصد بها هنا حدة الصوت أو طبيعته، منخفضاً أو عالياً، بل نقصد بها وتيرة الصوت وتوظيفه؛ أي متى نرفعه ومتى نخفضه.

تؤكد أسماء مراد الفخراني، مدربة الأنوثة والمحاضرة في مجال التنمية البشرية، أنه لم يعد ممكناً أن نفرض على المرأة الصمت في الأماكن العامة كما في العصور السابقة.

فالصمت مع النظر إلى الآخر في لغة الجسد يعني التهديد. وتضيف صوت المرأة مهماً في المجال المهني بشكل عام وفي المجتمعات العربية بشكل خاص. فهي متهمة دائماً؛ فإذا تحدثت بنعومة لا تؤخذ على محمل الجد وتتهم بسوء الخلق وأنها "مش بتاع شغل"، وإذا تحدثت بحدة "استرجلت" تتهم بالمبالغة.

وتتابع مقولة "صوتك العالي دليل على ضعف موقفك" صائبة تماماً، لذا ينبغي على المرأة التخلي عن الصراخ، فهو يجعل الآخرين غير مهتمين بما تقول ويرونها ضعيفة وليست على حق.

يقول علام: "لنكن عادلين، الرجل أيضاً يتعرض للانتقاد إذا كان صوته ناعماً، وحتى الصوت الغليظ له عيوبه، فالأمر مرتبط بالأفكار المتوارثة". ويزيد: "هناك مهن معتمدة على نبرة الصوت؛ كمهنة أستاذ الجامعة وتقديم البرامج في الإذاعة والتلفزيون، والمناصب القيادية بخاصة السياسة، ولأهمية الصوت استحدث منصب "الناطق الرسمي"، حيث يُختار شخص بعناية ويُدرّب على الكلام جيداً.

يستطيع أي شخص التغلب على مشكلات صوته بثلاث خطوات فقط؛ الاستماع لتسجيلات صوته؛ ليدرك مكمن المشكلة، الاستماع لانتقادات المقربين منه والاستفادة منها، التدرّب على استعمال نبرة الصوت، وهناك دورات ومراكز عدة مختصّة بذلك.

لا حجة لمن يدعون أن طبيعة أصواتهم توقعهم في أزمات في العمل أو تؤخر ترقيتهم، فنبرة الصوت أمر مكتسب ويسهل تغييره.

أما مدربة الأنوثة، فتنصح كل سيدة بالثقة في نفسها؛ فالاختلاف أمر طبيعي بين الذكر والأنثى، حتى في الصوت. وتستطيع المرأة أن تفرض احترامها وتثبت جديتها مهما كان صوتها ناعماً أو خفيضاً؛ وليس أدل على ذلك من همس الأم، محذرةً أبناءها من العقاب إذا شاغبوا أثناء وجود ضيوف، فهو يكون أكثر وقعاً من الصراخ. في حين تعتقد تيغ أن الأمل في تلافي مثل هذه المعتقدات يتمثل في تولي عدد أكبر من النساء مناصب قيادية وسياسية مؤثرة في العالم مثل أنغيلا مركل، ليعتاد الناس الأمر ويبدأوا التركيز في ما يقال، عوضاً عن التركيز في طبيعة الصوت المتكلّم.

سامية علام

محررة صحافية مصرية مهتمة بشؤون المرأة والمجتمع

كلمات مفتاحية
المرأة

التعليقات

المقال التالي