كبير المنطقة... فتوة على طريقة 2018

كبير المنطقة... فتوة على طريقة 2018

"طلقها بما يُرضي الله"، كلمات بسيطة نطقها المعلم صبحي الحمودي، وكانت كافية لأن تُنهي مأساة أميرة.

طلبت أميرة الطلاق بعد عامين من الزواج بشاب مدمن مخدرات، ولأن طريق القانون طويل ولا تقدر عليه كما تقول لرصيف22، اختارت "كبير المنطقة" الذي لا يستطيع أحد أن يرد كلمته، وبالفعل أنهى الأمر في أيام قليلة.

أميرة ليست الوحيدة التي تلجأ إلى الحمودي الذي يملك مقهى في منطقة العمرانية بالجيزة، فكثرٌ من أهالي الحي يلجأون إليه لحل المشكلات الخاصة بهم بعيداً من القانون الذي لا يجدون فيه نفعاً وفق قولهم.

تقول أميرة اللجوء إلى القانون يعني توكيل محام، ثم الذهاب إلى القسم والمحاكم. والأحكام لا تُنفّذ فوراً، لكن نظام الحمودي ينفّذ.

المعلم الحمودي صاحب الستين سنة، يُسلّط الضوء على كونه "كبير المنطقة" فيعتبر، وفق ما يقول لرصيف22، أنه ممن "اختصهم الله بقضاء حوائج الناس".

إحساس يشبه شعور كورليوني في فيلم العراب.

منذ ما يقرب من عشر سنوات، وكونه صاحب مقهى، تدخّل في مشكلات عدة ومن خلال سعيه إلى الخير دوماً وأحكامه العادلة، بات كثرٌ يلجأون إليه من أجل حل مشكلاتهم.

صبحي الحمودي

تلك المشكلات، وفق ما يقول الحمودي، لا علاقة لها بجرائم القتل أو السرقة، بل هي مشكلات يأخذ حلها بالقانون وقتاً أطول كالطلاق مثلاً أو مشكلة بين صاحب عقار وساكن، أو مشاجرة بين شخصين من أبناء الحي، إذّاك يتدخل بين الطرفين ليقضي بينهما حسب العُرف السائد في المنطقة.

المحكمة الحمودية تستلزم شروطاً معينة

بداية، يقول الحمودي أن هناك شرطاً أساسيّاً كي يتدخل في أي مشكلة، أهمها أن يُستدَعى، فهو لا يتدخل في ما لا يعنيه، إلا في حالة اعتداء من غرباء على الحي فيتدخل هو وغيره، مضيفاً أنه بعد اللجوء إليه وإحضار الطرفين وبعض أقاربهما يكون الشرط الأول قبل الحديث، هو القبول بحكمه حتى إذا حكم صار ما يقوله قانوناً يُنفذ فوراً. ويكمل الحمودي الذي يحكم في ما يقرب من 10 مشكلات شهرياً، أن ما يقوم به يمكن اعتباره امتداداً لعصر "الفتوات" مع اختلاف الزمن وآلياته، فلم يعد في إمكان شخص أن يعتمد على قوته أو "البلطجة"، فمهمته تستلزم صفات عدة أهمها ثقة أهالي الحي في أنه رجل مُنصف حتى يقبل الطرفان المختلفان بحكمه.

أقوال جاهزة

شارك غرداللجوء إلى القانون يعني توكيل محام، ثم الذهاب إلى القسم والمحاكم. والأحكام لا تُنفّذ فوراً، لكن نظام "الحمودي" ينفّذ.

شارك غردفي الانتخابات البرلمانية، يتهافت المرشحون ليحصلوا على تأييد "كبير المنطقة"، ويعتبرون طلباته أوامر.

فضلاً عن قدرته على إلزام ما يأمر به، إذا رفض أحد الطرفين الحكم، يظهر قوته وهيبته. والعائلة التي ينتمي إليها، تلعب دوراً كبيراً في لجوء الناس إليه، وهي إما بكثرة العدد أو بالنفوذ المالي أو السياسي، وهذا شرط أيضاً لمن يتولى الأمر.

عصر الفتوات

عصر الفتوات يعود وفق ما يقول الباحث سيد عبدالفتاح في كتابه «تاريخ فتوات مصر»، إلى عصر الجاهلية، وكان أول فتوة هو «عمرو بن معد يكرب»، ثم تطور الأمر مع دخول الفاطميين مصر عام 969 ميلادياً. ومع تدهور الأحوال في عهد المماليك، ترسخت سلطتهم التي ظهرت بشكل جليّ في أواخر القرن التاسع عشر حين قُسّمت البلاد إلى مناطق لكل منطقة «فتوتها». وعلى الرغم من محاولة محمد علي بداية حكمه عام 1805 كسر شوكة الفتوات وإجبار الناس على اللجوء إلى القانون، إلا أنه فشل.

ويوضح عبدالفتاح أن الفتوة يصل إلى منصبه من خلال طريق واحد هو القوة التي تمكنه من مصارعة «فتوة» المنطقة ليستولي على مكانته، وتكون مهمته بعد ذلك ضبط الأمن، وجمع الضرائب وتسليمها إلى السلطات، إضافة إلى الفصل بين الناس في مشكلاتهم. ولا يجوز لفتوة أن يجور على فتوة منطقة أخرى، وإلا نشبت المعارك بين الفتوتين.

ويشرح عبدالفتاح في كتابه، أن هناك فتوات كانوا يتمتعون بحصانة من بعثات الدول الأجنبية كما حدث مع الفتوة الشهير محمود عبدالحكيم الذي تاجر في المخدرات ولم يقدر البوليس المصري على ضبطه، إلا بعد الحصول على إذن القنصلية الفرنسية التي فضلت نفي رجلها بدلاً من حبسه.

الفتوات ليسوا حكراً على مصر

يسرد عبدالفتاح أن الأمر كان موجوداً في العراق ولبنان بمسميات مختلفة كـ «القبضاي». وفي مصر، كانت للفتوات جولات ومعارك واشتهر منهم كثر وأبرزهم إبراهيم كروم فتوة روض الفرج عام 1926، والذي أعلن توبته وانضم إلى الإخوان المسلمين، فقال حسن البنا فيه مقولته الشهيرة: "كان أبو الأشقياء فأصبح أبا الأتقياء".

وفي ميدان الفتونة، ظهرت أيضاً سيدات فتوات، وكانت أشهرهن "سكسكة" التي ظلّت لسنوات طويلة فتوة منطقة الجيزة، وهي وصلت إلى المنصب من خلال قوتها الممثلة في ضربة الرأس التي أخضعت لها رجالاَ كثراً.

الفتوة والدين...

يلعب الدين دوراً أيضاً في الفتوة، ولنا في الشيخ عبدالبر السيد، إمام مسجد في منطقة الدرب الأحمر بالقاهرة، مثل، حيث يعتبر كبير المنطقة.

بدأت القصة، وفق ما يروي لرصيف22، منذ 4 سنوات حين لجأ إليه أكثر من شخص يطلبون رأيه وحكمه، وحين وجدوا فيه الإنصاف والعدل في ما يقول الدين نفذوا كلامه، ومع مرور الوقت بات حلّال المشكلات الأول في منطقته.

يخصص السيد ساعتين بعد صلاة العشاء من كل خميس للاستماع للناس ولفض النزاعات، والحكم بينهم، ويحضر معه كبار عائلات حي الدرب الأحمر الذين يشرفون على تنفيذ ما يحكم به.

وعن عدم تنفيذ الحكم، يقول الشيخ عبدالبر: "من يفعل ذلك يعرض نفسه لمعاداة أهالي الحي جميعهم، بالتالي لا سكن له فيه إذا كان وحيداً. وإذا كان من حُكِم عليه ينتمي له عائلة، فإن الحديث يصبح مع عائلته التي تستجيب غالباً للأمر، فمن يوافق على اللجوء إلى الجلسات الأهلية يعرف جيداً أنه لا مناص من احترام من جلس معهم".

من فيلم الحرافيش (1986)

المشكلات التي يفصل فيها عبدالبر لا تختلف كثيراً عنها في منطقة الحمودي، فالأمر لا يتعلق بالجرائم، لكنه أوضح أن هناك مشكلات يرفض أن يتدخل فيها، وهي التي يلجأ إليه فيها رجال أو نساء سيئو السمعة.

عبدالبر موظف في وزارة الأوقاف ولديه ابنتان وولد ما زالوا في المدرسة.

يقول عمله "كبيراً للمنطقة" هو تطوع لا أكثر، لافتاً إلى أن هناك تواصلاً دائماً مع فتوات المناطق الأخرى.

وهو يشير إلى أنهم "فتوات"، لكن بمعناها الإيجابي لا السلبي، فهم لا يتقاضون أموالاً عما يفعلونه ولا يتدخلون في منطقة تحت سيطرة غيرهم.

صلاحيات عبدالبر...

للأمر منفعة أيضاً

يعترف عبدالبر بأن دوره يمنحه بعض الصلاحيات، فمثلًا في الانتخابات البرلمانية يتهافت عليه المرشحون ليحصلوا على تأييده، وأياً كان الناجح فإن طلبات "كبير المنطقة" يُستجاب لها لأنها لمصلحة المنطقة لا للمصلحة الشخصية.

ويقول الشيخ هناك علاقات جيدة مع قادة الأمن، وهم يحرصون على التعرف إليه. فمع تعيين أي قائد جديد لقسم شرطة مثلًا يُستدَعى "عبدالبر" إلى جلسة تعارف، ما يمنحه هيبة أكبر، والعمل المشترك مع القيادات الأمنية من ضمن عمله لمحاربة المجرمين وفق ما يقول. وهذا ما يؤكده اللواء مجدي البسيوني، مساعد وزير الداخلية الأسبق.

ويقول هناك تعاون مستمر بين القيادات الأمنية وكبراء المناطق أو العائلات، فالأمن كما يوضح لرصيف22، يقوم على محورين أولهما الأجهزة الأمنية، والثاني المجتمع المدني الذي يشمل المسؤولين عن حل المشكلات ودياً بين المواطنين.

يكمل مساعد وزير الداخلية الأسبق، أن مهمة الأجهزة الأمنية في تلك الحالات هي مد جسور التواصل بينها وبين من يقومون بحل مشكلات المواطنين، طالما أن الأمر لا يتعلق بارتكاب جريمة كبيرة. يتابع: "هو أمر نوصي به دائماً، فلا يمكن أن يتسع القضاء لمشكلات المواطنين الصغيرة والكبيرة، وإن كان البعض يرى أن ذلك ترسيخ لدولة بلا قانون، فإن الأمر يسير في منظومة تضمن عدم حدوث ذلك".

الأمر في الصعيد مختلف، فالحاج «علي الجبالي» الذي يعد كبير منطقة "الغنايم" في أسيوط، يؤكد أن النفوذ في الصعيد للعائلات، وأن الخلافات التي يحلها لا تتعلق بالمشكلات العادية فقط، بل بقضايا الثأر أيضاً التي تنتهي بما يعرف بجلسة صلح يتم الحكم فيها بين المتخاصمين وهي جلسة يحضرها غالباً قادة الأمن في المحافظة.

علي الجبالي

لا ثقة في القضاء؟

يرى الدكتور أحمد الباسوسي الأستاذ في علم الاجتماع في حديثه إلى رصيف22، أن لجوء الناس إلى أشخاص ذوي نفوذ له أكثر من معنى، منه أنه لا يوجد ثقة في العدالة الناجزة، فبدلًا من الانتظار شهوراً لحل مشكلة يلجأون إلى مَن يحلها بشكل أسرع، وتلك الظاهرة تشير إلى غياب مفهوم الدولة والقانون.

وثقافة المصريين تعتبر أن من يلجأ إلى الشرطة يصعّد المشكلة ولا يريد حلها، ما يزيد الاحتقان بين المتخاصمين.

وإضافة إلى أن عصر الفتوات في مصر لم ينتهِ، فالزفة البلدية التي كانت في الأصل تقام ليتجول الفتوة بصحبة العروسين، ما زالت موجودة حتى الآن.

وفي الصعيد، العائلات هي التي تتولى حل الخلافات، فالمصريون يفضلون أن يكون لهم أشخاص يمكن اللجوء إليهم، وإن كانت تلك الظاهرة تتراجع مع ثقافة الأجيال الجديدة.

خطورة ذلك وفق ما يوضح ناصر أبو سعدة العضو في المجلس القومي لحقوق الإنسان، لرصيف22، أنه ترسيخ لدولة اللاقانون.

فإذا كان "الكبير" أو "الفتوة" غير منصف مع شعور المواطن بأن القانون لن ينقذه، الحل الوحيد هو أخذ حقه بالقوة، كما أن إعطاء كبراء المنطقة نفوذاً كبيراً هو في الحقيقة انتقاص من سلطة الدولة التي لن تستطيع الحكم بين المواطنين.

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي