"سأبقى أرسم وإن انتهت ألواني سأرسم بدمي"... 7 أعوام على ثورة الجرافيتي و7 ألوان أقل

"سأبقى أرسم وإن انتهت ألواني سأرسم بدمي"... 7 أعوام على ثورة الجرافيتي و7 ألوان أقل

"وجه ضاحك ولحية خفيفة مع شعر كثيف"، هكذا جاءت صورة محمد صلاح، لاعب نادي ليفربول الإنجليزي و«معشوق المصريين» على أحد جدران مقاهي وسط البلد، بعد أن قرر أحد رسامي الجرافيتي بمعاونة بعض الشباب، رسمه تخليدًا لما قامه به من دور في تأهيل مصر إلى كأس العالم بروسيا 2018 بعد غياب أكثر من عقدين، وسرعان ما تحولت الرسمة إلى مكان لالتقاط الصور التذكارية.

"الجرافيتي" الذي عاد مرة أخرى إلى شوارع وسط البلد القريبة من ميدان التحرير لم يبدأ مشوار عودته بـ«بصلاح»، فعلى أحد جدران مقهى البستان بميدان التحرير تم رسم وجه الروائي الراحل «مكاوي سعيد» بجوار وجه آخر لـ«نجيب محفوظ»، وهو ما مثّل عودة قوية لهذا النوع من الرسم الذي اختفي خلال السنوات الماضية قبل أن يعود بوجهه الجديد.

التقينا ببعض الأسماء اللامعة من فن الجرافيتي في القاهرة، كانت شاركت في الثورة ولونت جدرانها برسومات وكلمات الحرية، لتحكينا عن تغيّر خطوط فن الشارع العريضة واستبدال ألوانها بألوان أكثر مسالمة وحذراً بعد تغيّر مسار الثورة وثوارها.

جرافيتي بعيد عن السياسة

محمد فتحي راسم هذا الجرافيتي وخريج كلية الفنون الجميلة يخبرنا إنه رسم «محمد صلاح» تقديرًا له على الدور الذي لعبه خلال الفترة الماضية سواء مع المنتخب المصري أو مع نادي ليفربول الإنجليزي، ووجد تشجيعًا من رواد وسط البلد الذين وجدوه يرسم محبوبهم الأول.

يضيف «فتحي» لرصيف22 أنه استعان بعدد من الشباب لإنجاز رسومات أخرى، اختارها كلها بعيدة عن المواقف السياسية إذ كانت أول تجربة له هي رسم لاعب المنتخب المصري السابق «أبو تريكة» وتم مسحه بعد ساعات من قبل المحليات، خاصةً أن اللاعب مُدرج على قوائم الوصول في المطارات المصرية لوجود اتهامات بدعمه للإرهاب.

أقوال جاهزة

شارك غرد«تشتتنا بعد أن عرفنا أن الرسم ممنوع»

شارك غردجرافيتي بلا اعتراض وموقف من الفنان نفسه لا يعتبر جرافيتي

ما قاله «فتحي» عن اضطراره اختيار شخصيات بعينها، يمثل تطور فن الجرافيتي الذي وُجد كوسيلة اعتراض على النظام السياسي كما يوضح شريف عبدالمجيد في كتابه «ثورة الجرافيتي»، لافتاً إلى أن هذا الفن الذي ينقسم نوعين أولهما جرافيتي مرسوم وآخر مكتوب نشأ على يد السود في الولايات المتحدة الأمريكية للاحتجاج على عنصريتهم، ليصبح بعدها وسيلة للاحتجاج ويلجأ رساموه إلى التوقيع بالأحرف الأولى لاسمائهم خشية الاعتقال.

"عبدالمجيد" يكشف أيضًا في كتابه أن عام 2005 كان بداية فن الجرافيتي بمفهومه الاحتجاجي في مصر وساهم في ذلك ظهور روابط الألتراس الرياضية التي لجأت إلى رسم ما تعانيه من مواجهات مع الأجهزة الأمنية داخل الملاعب، ليتحول الأمر بعد ثورة يناير إلى وسيلة تأريخ حقيقية لكل الشهداء والأحداث الكبيرة.

وإن كان «فتحي» بدأ رسم الجرافيتي منذ عام فقط، فإن الحديث مع «جنزير» رسام الجرافيتي أو «street art» كما يطلق عليه، يعيدنا إلى أحداث ثورة يناير التي كان لـ«جنزير» دور قوي فيها من خلال رسوماته في شارع محمد محمود أحد شوارع ميدان التحرير الذي ظل حتى عام 2014 بمثابة معرض مفتوح للجرافيتي ليخلدوا عليه كل ذكرى.

مسح ورسم وانتقام

"جنزير" امتنع عن الرسم خلال الثلاثة أعوام الماضية، ويقول: "حين يفقد الفن رسالته فلا قيمة له، ولم أتعود أن اخلد الأحياء لأن منهم من سيخطئ، لكن الأموات يمكن الحُكم عليهم جيدًا واختيار من يستحق التخليد، فنحن نعمل من أجل الفن، لا نتقاضى أموالًا بل نشتري المعدات من جيوبنا، لذلك فلا داعي لأن نفعل ما لا نريده، كما أن رسم جرافيتي يفرض نفسه فلا يوجد فنان يقرر ماذا سيرسم غدًا لكنه الاحتجاج الكامن في الفن".

يوضح «جنزير» القصة أكثر: "بعد ثورة يناير كان الرسم متاحاً للجميع، ولا يستطيع أحد أن يمسح بل كانت تلك الأمور تتم من خلال اتفاق رسامي الجرافيتي، فبعد وقوع حدث كبير يستلزم التخليد أو سقوط شهيد مثل الشيخ عماد عفت، كنا ننزل الشوارع ونحدث الرسم بصور جديدة ومسح أخرى، وظلت الأمور هكذا حتى تولى الإخوان الحكم، لتبدأ عملية المسح الذي رددنا عليها برسومات أخرى حتى كان ،2015 حين تم هدم سور الجامعة الأمريكية بالقاهرة وإعادة بنائه، وهو السور الذي يطل على ميدان التحرير وبه كان الكثير من رسوم تخليد الثورة.

مسح الجرافيتي الذي قصده «جنزير» بدأ لأول مرة في مايو 2012 حين فوجئ فنانو الجرافيتي بعمال محافظة القاهرة وهم يزيلون الجداريات التي تؤرخ لثورة يناير بدعوى التجميل، لتندلع عاصفة غضب تحت عنوان «مهما هتمسح هنرسم تاني»، وهو ما تم ترجمته فعليًا وقتذاك تحت عنوان حملة «الجرافيتي العنيف» التي أعادت الرسوم مرة اخرى على سور الجامعة الأمريكية في شارع محمد محمود.

وفي سبتمبر من نفس العام، أعادت محافظة القاهرة الكرّة بمسح «الجرافيتي»، وأعاد الفنانون الكرّة من خلال الرسم الفوري الذين عبروا فيه عن قمع نظام الإخوان الحاكم آنذاك، لكن في عام 2015 كان الأمر مختلفاً، حين قررت محافظة القاهرة هدم جزئي لسور الجامعة الأمريكية بميدان التحرير وتحديدًا السور الملآن برسومات الجرافيتي، وهو ما تم ليطوي فكرة متحف مفتوح لتخليد أحداث ثورة 25 يناير وهو المتحف الذي تجسد في شارع محمد محمود.

ولم تكن مقاومة «الجرافيتي» من خلال مسح الرسومات فقط، فرساموه ايضًا تعرضوا لمضايقات أمنية، فـ«جنزير» مثلًا كما يروي في حديثه، تعرض لمضايقات خلال عهد الإخوان ودخل السجن أكثر من مرة، أما ما أثار الشبهات أكثر هو هشام رزق فنان الجرافيتي الذي لم يتجاوز عمره العشرين عامًا، ووُجدت جثته في يوليو 2014 وسط حالة من التساؤلات.

هشام رزق

التقرير الطبي الشرعي كان واضحًا بابيانه أن السبب المباشر للوفاة هو الغرق في النيل، لكن غياب «رزق» قبل الحادث بأسبوع أثار التكهنات حول إمكانية احتجازه إثر موقفه السياسي الذي عارض فيه سياسات وزارة الداخلية وكان يعرف نفسه دائمًا بمقولة "سأبقى أرسم وإن انتهت ألواني سأرسم بدمي".

جرافيتي بلا اعتراض لا يعتبر جرافيتي

الجروب الذي كان يضم «جنزير» وغيره من رسامي الجرافيتي، يقول عنه الفنان الشاب أن كثيرين اعتزلوا الرسم وبدأوا ممارسة أعمالهم الخاصة، وقلة منهم تعيش من رسوماتها، فيما تم القبض على البعض وسفر آخرين إلى الخارج، «تشتتنا بعد أن عرفنا أن الرسم ممنوع»، لافتًا إلى أن المحاولات الجديدة مثل محمد صلاح أمر جيد وبداية العودة لكنها عودة محددة بخيوط من ترضى عنهم السلطة وهو "ما لا استطيع فعله".

محمود السيد عضو رابطة فناني ثورة 25 يناير، يضيف لرصيف22 أن هناك فرقاً بين التجميل والجرافيتي، وإتاحة الفرص لرسم شخصيات بعينها، ورفض أخرى يعني أن ما يتم رسمه هو «تجميل»، فجرافيتي بلا اعتراض وموقف من الفنان نفسه لا يعتبر جرافيتي.

محمود السيد

"السيد" يوضح أيضًا أنه لا يزال يرسم حتى الآن بعض الرسوم حتى وإن تم مسحها بعد الرسم مباشرة. ورغم تعرضه لمضايقات أمنية بسبب ذلك يرى أن عدم الرسم في حد ذاته خيانة من الفنان لمبادئه، ولا شك أن رسم أي شخص معاد للنظام لن يتم رسمه لكن ليس مطلوبًا منا أن نرسم بأمان، وصحيح أن الأمر حاليًا بات للتجميل والتهليل لا أكثر، لكن الجرافيتي سيظل معبرًا عن كل شيء ثائر.

ويتابع أن ما يتم توجيهه له من تهم بخصوص رسم جرافيتي هي تهمة إتلاف ممتلكات عامة باعتبار أن الأسوار التي يُرسم عليها ممتلكات للدولة، وهي تهمة في قانون العقوبات المصري، يترك تقديرها للقاضي ما إذا كان التخريب متعمداً، وفي هذه الحالة يصل السجن إلى 5 سنوات أو غير متعمد فتكون العقوبة دفع غرامة إصلاح ما تم إتلافه.

نتيجة المسح المتكرر بات فيلم «حيطان» مهماً، وهو الفيلم التسجيلي الذي أعده الكاتب شريف عبد المجيد، وفيه جسد رسومات الجرافيتي في شوارع المحروسة بدءًا من القاهرة وصولًا إلى المحافظات.

عبدالرحمن عباس

صحفي وكاتب مصري

كلمات مفتاحية
25 يناير جرافيتي

التعليقات

المقال التالي