7 سنوات على 25 يناير... هل تخلّت الأغنية المستقلة عن الأحلام السياسية؟

"’ساقية الصاوي’ تعتذر عن إلغاء حفل ‘كايروكي’ وتتعهد بردّ قيمة التذاكر المباعة بمجرد تسليمها بمنافذنا الرسمية". تدوينة قصيرة نشرتها الصفحة الرسمية لساقية الصاوي معلنة إلغاء حفل فرقة "كايروكي" الذي كانت مزمعة إقامته في 18 يناير الجاري.

هو خامس حفل للفرقة يُلغى منذ سبتمبر الماضي دون أسباب واضحة. وبعد إلغائه بساعات كتب مغنّي الفرقة أمير عيد تدوينة عبر فيسبوك قال فيها: "من ساعة ما الحفلات بتاعتنا بتتلغي والمواقع والقنوات الأجنبية بتكلمني بشكل مبالغ فيه عشان ياخدوا تصريح ناري، والحقيقة أحب أقولهم إن ده شأن داخلي وملكمش دعوة بيه واحنا مش هنبقى مادة يتم استغلالها عشان تخدم أجنداتكم السياسية".

أراد أمير بتدوينته أن يبرئ فرقته من اتهامات معدة مسبقاً وأن يقلل من حدة التربص الأمني بنشاطها. في صباح اليوم التالي، أعدت التذاكر التي اشتريتها واسترددت ثمنها. أمام نفس الشباك وقف شابان يتحدثان عن حال كايروكي. تساءل أحدهما: "هو كايروكي لسه بيغنوا سياسة عشان يتمنعوا أصلاً؟".

بدا السؤال كعلامة استفهام كبيرة حول حال الموسيقى "المستقلة" في مصر، مع اقتراب الذكرى السابعة لثورة 25 يناير التي أضاءت الطريق أمام ما عُرف باسم الموسيقى البديلة أو موسيقى الأندرغراوند أو" الموسيقى المستقلة" كما يفضل فنانوها تسميتها.

أصوات كثيرة انطلقت من ميدان التحرير وحملت أحلاماً جريئة ملوّنة بالفن والحرية. ولكن أين رست تلك التجارب بعد سبع سنوات من التغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية العنيفة؟

جئنا من تحت الأرض وإليها نعود

"أندرغراوند" تعني تحت الأرض، وهو مصطلح ارتبط بالموسيقى الممنوع تداولها تجارياً وإعلامياً. بعد ثورة يناير، لم يعد المصطلح ملائماً لشكل موسيقي أصبح رائجاً بل بديلاً من الأغنية التجارية التي دفع نجومها وقتذاك ثمناً باهظاً لموالاتهم المعلنة لنظام حسني مبارك عبر شاشات التلفزيون والمنصات الإعلامية المختلفة.

التقطت شركات الدعاية الأصوات الشابة باعتبارها الواجهات الدعائية الأنسب للمرحلة واستغلتها في حملات إعلانية ذات طابع تنموي يتماشى مع الجو العام. وجاءت "كايروكي" على رأس القائمة في مرحلة أغنية "يالميدان" مع عايدة الأيوبي ومن قبلها "اثبت مكانك".

انخرطت الفرقة وآخرون في تحوّل صبغ التجربة بلون تجاري مع تصاعد أسهم "ترند" الأندرغراوند في الشارع المصري، وهو ما يفسره شريف الهواري أحد أعضاء الفرقة بقوله لرصيف22: "من 2011 حتى 2013، لم توجد شاشة أو برنامج إلا وظهرنا عليها، قدمنا حفلات في كل مكان بمصر، حتى عندما قررت وزارة الاعلام منع بث أغنية "مطلوب زعيم" عام 2012 وجدنا ظهيراً اعلامياً مسانداً وانتشرت الأغنية، ظهرنا مع باسم يوسف في برنامجه الشهير، كان هذا دعماً كبيراً في حد ذاته، ولكن كل شيء تغيّر الآن".

أصدرت "كايروكي" خمسة ألبومات منذ يناير 2011 هي "مطلوب زعيم"، "وأنا مع نفسي قاعد" (2012)، "السكة شمال" (2014)، "ناس وناس" (2015)، وأخيراً "نقطة بيضاء" (2017)، شهدت تحوّلات عديدة في صورة كايروكي أكثرها عنفاً ذلك الشغف نحو تقديم دويتوهات مع مطربي الأغنية الشعبية، استغلالاً لارتفاع أسهم ما عُرف بموسيقى المهرجانات.

قدمت الفرقة دويتو "غريب في بلاد غريبة" مع عبد الباسط حمودة ولاقى نجاحاً تجارياً كبيراً قبل أن تقدّم دويتو "الكيف" مع طارق الشيخ يغازل بشكل كبير رغبات تلاميذ المدارس الدولية والجامعات الأجنبية في تعاطي اللون الشعبي.

ولكن هذا لا يعني أن كايروكي فقدت بوصلتها الأساسية في ظل محاولات تضييق ومنع أغنياتهم عبر الإذاعات المختلفة. ويفسر أمير عيد ذلك التحوّل مؤكداً لرصيف22 أن هذه الدويتوهات "الشعبية" منحت الفرقة فرصاً للتواجد وسط التضييق والاغتيال المعنوي، ولكنها لم تحرفها عن مشروعها الأساسي وهو "ألا نغني في المنطقة الدافئة الآمنة".

في سبتمبر الماضي، وقبل صدور ألبوم "نقطة بيضاء" بأيام، كتب أمير عيد على صفحته على فيسبوك: "أينما حل الظلم فنحن الكتّاب مسؤولون عنه". لم يلتفت أحد إلى اقتباس أمير لجملة جان بول سارتر، في إشارة منه إلى تقديم زملائه أعمالاً منزوعة السياسة في الفترة الماضية، ولم تمرّ ساعات حتى رفضت الرقابة على المصنفات الفنية التصريح بطرح الألبوم، فاضطر الفريق إلى طرحه إلكترونياً عبر موقع يوتيوب وعدة تطبيقات، في عودة واضحة لتعاطي هذا الفن بمنطلق "الأندرغراوند".

لاقى الألبوم أصداءً جيدة ربما سببها انحيازه إلى الجيل الذي فقد ثورته وحلمه. سيطرت حالة انهزامية سوداوية تجلت في صورة الكليبات المطروحة عبر قناة كايروكي الرسمية.

أقوال جاهزة

شارك غرد"شعبية الأندرغراوند بُنيت على أنقاض معركة الكبيرة بين ضمير المبدع وأهداف السلطة"... ماذا حلّ بـ"الموسيقى البديلة" بعد 7 سنوات من 25 يناير؟

شارك غرد"كلنا كنا مشغولين بالثورة. الآن كل منا لديه أحلامه وهمومه"...

ففي أغنية "هدنة"، يتحدث أمير عن حالة الاغتراب التي يعيشها جيله داخل الوطن حالياً عندما يقول: "انكسار في شكل انتظار واستسلام في شكل سلام"، ويخرج منها إلى أغنية "السكة شمال في شمال" المصبوغة بموسيقى المهرجانات الملائمة للسخرية من حكم العواجيز وأصحاب الشعور المصبوغة عندما يغني: "خدلك جوب وازازرة وابعد عن السياسة".

لا شك أن العنوان العام للألبوم يحمل رسالة ملخصها أن الكل شارك في جريمة إجهاض الثورة. وعلى سؤال: هل ستغنون مرة أخرى؟ يجيب أمير عيد: مش عارفين هنغني تاني ولا لأ.

الحب والتفاؤل... الغناء في المنطقة الآمنة

ربما كانت فرقة "وسط البلد" في طليعة الفرق المستقلة في مصر. تأسست عام 1999 وقدّمت أول ألبوماتها بعنوان "وسط البلد" عام 2007. ولكن الفرقة المهتمة بإحياء التراث الموسيقي وجدت مساحة ملائمة لانتشارها عقب ثورة يناير عندما قدّمت بمشاركة كايروكي أغنية "صوت الحرية" التي صدحت في أصداء الميدان قبل تنحي مبارك بأيام.

كانت الفرصة ملائمة أمام الفرقة لزيادة فرص الإنتاج، فقدمت ألبومين هما "روبابيكا" (2011) و"كراكيب" (2014)، وبمنطق التحوّل التجاري قدمت الفرقة نسخة مطورة مع أحمد عدوية لأغنيته الشهيرة "كراكشنجي" إلا أن اتجاه مؤسسها هاني عادل للتمثيل بشكل أكبر جعل حدود انتشارها خلال الأعوام الماضية مقتصراً على الحفلات في المراكز الثقافية والفنية وأماكن السهر الشهيرة مثل "كايرو جاز كلوب".

بالمنهج نفسه، تسبح فرقة "مسار إجباري" في المياه الآمنة بعيداً عن أية محاذير أمنية وبالتركيز على أغنيات عاطفية منزوعة السياسة تماماً، بل إن الفرقة تخلت شيئاً فشيئاً عن التعاون مع شعراء بخلفيات سياسية لتقدم لوناً غنائياً أكثر هدوءاً مما قدمته في أغنيات سابقة ذات طابع اجتماعي ساخر مثل "حاوي" و"اقرأ الخبر".

تفسر ذلك خلفيات أعضاء الفريق الاسكندري. فعلى سبيل المثال، كان أحمد حافظ عضو الفرقة ضابط شرطة سابق قرر التقاعد والتفرغ للفن. وينفي مطرب الفرقة وملحن أغنياتها هاني الدقاق وجود أية علاقة بين اتجاههم للغناء العاطفي بشكل أكبر والخوف من التضييقات الأمنية، ويقول لرصيف22: "مرحلة التضييقات الأمنية اقتصرت على فترة الغناء في الشارع، كان ذلك قبل وصولنا إلى القاهرة وانتشارنا، أما الآن فالوضع مختلف، لنا جمهور وجدول حفلات خارجية وداخلية".

في ألبوم "تقع وتقوم" الصادر في فبراير 2015، تعمّدت "مسار إجباري" تقديم جرعة من الأغنيات المتفائلة مثل "تقع وتقوم" ممزوجة بجرعة أكبر من الأغنيات العاطفية مثل "صباحك"، "زيك أنا"، "قلبك ده عنواني". مساحات من الحب والرومانسية لا تعبّر عن واقع اجتماعي بل هي أقرب إلى تجارب ذاتية.

وبعد عام من صدور هذا الألبوم، أصدرت الفرقة أغنية منفردة بعنوان "مطلوب حبيب" تنتمي إلى موسيقى الديسكو سترنغز "السبعينية". كلمات مشحونة بقدر كبير من التمرد الرومانسي على أفكار الحب المعلبة، ولكنها في النهاية محطة في طريق الفريق نحو الفن التجاري.

تستعد الفرقة حالياً لتقديم حفل في "كايرو جاز" يوم 25 يناير الجاري بمناسبة ذكرى الثورة.

البحث عن النجاح في حضن النظام

إذا كان فريق "مسار إجباري" قد اختار الغناء في المنطقة الآمنة، فإن فريق "بلاك تيما" كان أكثر وضوحاً في إعلان تخليه التام عن مشروعه الغنائي الذي تأسس على عدم الانحياز لأي نظام سياسي، وذلك مقابل البقاء والانتشار، بل ونيل رضا النظام السياسي.

الفريق الذي دعم شعبيته في الشارع عبر حفلات "الفن ميدان" عقب ثورة يناير، ليمسح عنه اتهامات بتمويل ألبومه الأول "بحار" من قبل الشاعر والمنتج نبيل خلف، الرجل المقرب من حبيب العادلي وزير الداخلية في عهد مبارك، تعاون مع شعراء من أبناء "الميدان" مثل ميدو زهير ورامي يحيى، أصحاب التجارب الشعرية المتمردة، وسط أجواء شهدت صعود أسهم التيار الموسيقي المستقل بتحرره وعنفوانه.

منح هذا الفرقة أرضية جماهيرية أوسع استمرت معها حتى مرحلة 30 يونيو 2013، والتي شكلت تحولاً مفصلياً في علاقة الفرقة بجمهورها ومشروعها الفني بل وبشركاء المشروع.

ويصف الشاعر رامي يحيى ذلك بعملية "نصب فني" متكاملة الأركان، ويقول لرصيف22: "بشكل عام حدث تدجين للفن المستقل في مصر، وتم تصدير فكرة فصل الفن عن السياسة رغم أن نداءنا الأهم كمبدعين كان فصل الدين عن السياسة".

ويضيف: "كشريك في مشروعات فنية عديدة منها ‘بلاك تيما’، بدأت أسمع عبارات مثل ‘بلاش كلام في السياسة’، ثم بلاش كلام جريء أو لا تورطنا في مواقفك السياسية! منذ متى كانت المواقف السياسية والفكرية لي كمبدع ورطة لمن كان يشاركني هذه المواقف ويتحدث معي ليلاً ونهاراً عن أن الفن ضمير الأمة؟ شعبية الأندرغراوند في مصر بنيت على أنقاض هذه المعركة الكبيرة بين ضمير المبدع وأهداف السلطة".

أمام شباك التذاكر وقف شابان يتحدثان عن حال فرقة كايروكي. تساءل أحدهما: "هو كايروكي لسه بيغنوا سياسة عشان يتمنعوا أصلاً؟"

ويتابع رامي منتقداً بلاك تيما: "لو تعاملت كشاعر مع مطرب عادي سأمنحه ما أكتب بمقابل مادي مجزٍ، ولكن عندما تقدم نفسك لي كمبدع مؤمن بمشروعي فالحسابات تختلف، لأنك هنا تشاركني في ما أؤمن به. أعذر أي مبدع يتعامل بمنطق المغلوب على أمره وسط التضييقات الأمنية، ولكنني لا أعذر على الإطلاق مَن يهرول للغناء في مؤتمرات النظام السياسي ويشارك في الدعاية له ويتهم مَن ينتقده بعدم الوطنية".

هذا ما فعله فريق بلاك تيما حين فاجأ جمهوره منذ أشهر بتقديم أغنية "سيب بصمتك" الترويجية لمؤتمر الشباب الذي نظمته الحكومة المصرية. تعاون الفريق مع أسماء معادية لمشروعه الفني، وربما كل الفنون النابعة من الثورة وعلى رأس هذه الأسماء الملحن عمرو مصطفى الذي قاد حملات إعلامية ضخمة على مدار السنوات الماضية للهجوم على الفن المستقل وتخوينه.

في مقابل ذلك، فُتحت الشاشات والإذاعات أمام أعضاء بلاك تيما ليقدموا صورتهم الجديدة كفريق غنائي شاب قادم من رحم يناير، ولكنه يحب الوطن ويحث الشباب على ممارسه دورهم التنموي البناء في المجتمع.

تبدّل ملامح وسط البلد

في صيف 2017، تبدلت ملامح شوارع وسط البلد مثل أشياء كثيرة تغيرت في القاهرة. فُتحت الشوارع المغلقة في محيط وزارة الداخلية، وتلاشت رسومات الغرافيتي الثورية شيئاً فشيئاً من على جدران سور الجامعة الأمريكية وحلت محلها رسومات فنية يتصدرها وجه كليوباترا مرتدية نظارة شمسية حديثة، بلا معنى مفهوم.

بالقرب من ميدان عبد المنعم رياض، يتصدّر إعلان ألبوم عمرو دياب "معدي الناس" أضخم اللافتات الإعلانية، وإلى جواره لافتة إعلانية أخرى لألبوم "حبايب زمان" للمطرب الشاب محمد محسن. أتأمل صور دعاية الألبوم لأكتشف مطرباً آخر غير الشاب الذي قدم نفسه للجمهور عام 2011 مرتدياً "الكوفية الفلسطينة" .

الآن، لدينا محمد محسن بنسخته المعدلة مرتدياً قميصاً أبيض فضفاضاً وشالاً ملوناً. صورة جديدة لمطرب "بوب عربي" لا يختلف كثيراً عن النماذج السائدة. خمس سنوات مرت على ألبومه الأول "اللف في شوارعك" والذي تعاون فيه مع الشاعر مصطفى إبراهيم وأنتجه على نفقته الخاصة بالتعاون مع بعض المحبين والمؤمنين بتقديم عمل فني كامل معبّر عن الثورة.

من الغناء للشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم إلى الغناء بأموال تركي آل الشيخ وألحان عمرو مصطفى. هكذا يمكن اختصار التحوّل الذي طرأ على شخصية محمد محسن الفنية في ألبومه الجديد "حبايب زمان". على غلاف الألبوم الذي أنتجه العراقي سيف عريبي، تبرز عبارة شكر لتركي آل الشيخ الشاعر والمليونير السعودي ورئيس هيئة الرياضة في السعودية والذي كتب لعمرو دياب أغنيتين في ألبومه الأخير وسط أقاويل حول مساهمته في إنتاج الألبوم مقابل غناء كلماته.

هذا التحول ظهر أيضاً على حياة محسن الذي جلس في الصيف الماضي "بفيلته الجديدة" في منتجع رأس سدر الساحلي ليتحدث عن ألبومه في لقاء خاص مع موقع "في الفن".

يعترف محسن بأن "حبايب زمان" ألبوم عبّر عن التحوّل الذي طرأ عليه فنياً وإنسانياً. أغلب أغنياته رومانسية تعكس حالة الحب التي يعيشها مع زوجته الممثلة هبة مجدي. يقول: "أريد التعبير عن حالتي الآن وما أشعر به، تغيّرت في خمس سنوات وتغيّر كل شيء من حولي، تسألني عن ألبوم اللف في شوارعها؟ كلنا كنا في هذا الوقت مشغولين بالثورة، الآن كل منا لديه أحلامه وهمومه".

النهاية "تسكر تبكي"

في سبتمبر الماضي، احتفلت مريم صالح بصدور ألبومها " الإخفاء" وهو عمل مشترك مع موريس لوقا وزوجها تامر أبو غزالة. اسم الألبوم في حد ذاته يعكس رمزية شديدة تعبّر عن حالة الإخفاء المتعمد لجيل كامل حلم بالتغيير مما ترتب عليه إخفاء واضح لفنه، حتى أن غلاف الألبوم هو لوجه تتخله بنايات القاهرة بشحوبها ووجعها.

مريم، صاحبة الأداء المسرحي غير الطربي، عرفها الجمهور منذ طفولتها كمطربة في فرق وورش غنائية متعددة. غنّت للشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم في مشوارها الفني وأطلقت ألبومها الأول "أنا مش بغني" عام 2012، ثم قدمت ألبوم "حلاويلا" عام 2015، وهما تجربتان مختلفتان شكلاً ومضموناً عن "الإخفاء" الذي يستخدم لغة مواربة في التعبير بعكس الصراحة والمباشرة السياسية التي استخدمتها في أغنياتها السابقة مثل "وطن العك" الصادرة عام 2012 والتي كانت أغنية ثورية خالصة.

تتجرع مريم كأس السخرية من أحلام جيلها بمنتهى الأسى في ألبوم الإخفاء. يتجسد ذلك في الدخول بلحن جنائزي في أغنية "كنت رايح". تنتقل إلى حالة من الحيرة في أغنية "ماكنتش وأكون"، وتليها حالة انكسار تام في أغنية "إيقاع مكسور".

إلا أن العلامة الثورية الأبرز في تجربتها تتجلى في أغنية "تسكر تبكي" التي صدرت بنسختين إحداهما "+18" لاحتوائها على ألفاظ خارجة ولم تطرح في cd للتداول وفقاً لقانون الرقابة المصري. الأغنية كتبها ميدو زهير، أحد شركاء مريم في مشروعها الغنائي، بمصاحبة موريس لوقا الذي صنع مزيجاً مدهشاً من موسيقى المهرجانات الشعبية والموسيقى الإلكترونية.

ولكن التجربة كاملة تعكس حالة واحدة تعيشها مريم صالح وهي الهروب، وهو ما يفسر اتجاهها للمشاركة في جولة فنية بالسويد وفرنسا وعدة دول أوروبية للترويج للألبوم ما دامت النوافذ موصدة في القاهرة.

تقول مريم لرصيف22: "أغني ما أريده ولن يمنعني أحد من الغناء كما أشاء، ولو أن الأمور معقدة هنا فلدي جناحان أحلق بهما نحو مساحات أكثر رحابة. أنا لست مناضلة ولكنني فنانة أعبّر عما أشعر به، فقط دعوني أفعل ذلك".

نفس الحالة تعيشها دينا الوديدي، بشكل أو بآخر. دينا التي ظهرت في برنامج "البرنامج" لباسم يوسف لتؤكد حضورها جماهيرياً عام 2012، بعد سنوات من التواجد في الشارع عبر الحفلات المختلفة، واجهت عام 2016 أزمة كبيرة عندما قررت نقابة الموسيقيين إحالتها على التحقيق ومنع تصاريح الغناء الخاصة بها، بعد أن كتبت تدوينة عبر صفحتها على فيسبوك تنتقد فيها منح النقابة حق الضبطية القضائية لفنانين.

مرّت الأزمة بعد اعتذار دينا الوديدي ولكنها لم تخلُ من هجوم إعلامي مدبّر على المطربة المحسوبة على جيل يناير. ولهذا فضلت دينا التركيز على إحياء حفلاتها خارج مصر والمشاركة في مهرجانات معنية بالموسيقى المستقلة آخرها مهرجان "بيروت أند بيوند" الذي أقيم الشهر الماضي بالعاصمة اللبنانية.

"لسه بحنلها"

بين المقاومة والاختفاء والهروب، تنوّعت وسائل مطربي الأغنية المستقلة للبقاء، إلا أن رامي عصام المعروف بمطرب الثورة اضطر للهجرة إلى السويد عام 2014 بعد تعرضه لملاحقات أمنية في القاهرة. رامي، صاحب الأغنية الشهيرة "ارحل"، وكان صدر له ألبوم واحد ضم أغنيات الميدان في 2011، لم يجد مفراً من قبول منحة من شبكة مدن اللاجئين الدولية كي يقيم لمدة عامين بمدينة مالمو حتى يصل إلى سن الثلاثين ويتمكن من العودة إلى مصر دون الخضوع للتجنيد الإجباري.

أطلق رامي قبل فترة أغنية بعنوان "لسه بحنلها" يعبّر فيها عن اشتياقه الشديد لبلده. وبغض النظر عن الملاحظات الفنية على صوته وموهبته إلا أنه الوحيد الذي ظل متمسكاً بمشروعه الفني بلا تعديل، ولهذا السبب اعتبر الهجرة حلاً أمثل.

يقيم رامي في شقة متواضعة في إحدى ضواحي مدينة مالمو. قبل اللجوء إلى السويد تزوج مديرة أعماله وأنجب منها طفلة وسريعاً ما انفصلا لأسباب قال إنه لا علاقة لها بالسياسة على الإطلاق.

حاول موقع "باز فيد" الاقتراب من حياة رامي في السويد، فجاءت كلماته معبرة عن إحباط إنساني وفني عميق عندما قال: قالوا لي إن السويد جنة، ولكنها عكس ذلك، أعيش في شقة متواضعة، لم أكوّن صداقات واسعة بل إنني بعد حادث شارلي إيبدو مُنعت من دخول أحد البارات لأنني عربي، أريد العودة إلى مصر، وسأفعل ذلك عندما أبلغ عامي الثلاثين".

كلمات مفتاحية
مصر

التعليقات

المقال التالي