رائحة المدينة والإنسان والجنس... ماذا يقول الأنف عن علاقاتنا وأسرارنا؟

رائحة المدينة والإنسان والجنس... ماذا يقول الأنف عن علاقاتنا وأسرارنا؟

"الأذن تعشق قبل العين أحياناً"، يقول الشاعر العربي الكفيف بشار بن برد، ولكن العلم أثبت أن الأنف قد يعشق قبل العين والأذن، كما يقول بيت فيرون، أستاذ علم النفس بجامعة أوترخت الهولندية في كتابه "الرائحة: أبجدية الإغواء الغامضة"، الذي شاركه فيه أكثر من متخصص في مجالات مختلفة.

واعتبر الفيلسوف اليوناني سقراط أن الروائح تعكس الانتماء الاجتماعي، والوضع الطبقي، بما يعني أن الرائحة تحمل في طياتها قيمة ودلالة معلوماتية، بحسب ما نقل فيرون.

الرائحة هي إحدى العلامات التي نستدل بها على الأشياء، بجانب الشكل واللون والملمس والطعم وغيرها، وتبدو في ذهن البعض أمراً عابراً، ولكن الحقيقي أن للرائحة بصمة لا تقلد، تخزن في الذاكرة، وقد تكون أقوى من بصمة جلد اليد والصوت وغيرها.

حتى أن خبراء القانون أدرجوا رائحة العرق ضمن البصمات التي يستدل بها في الجرائم، كما ذكرت إيناس هاشم الرشيد في بحث بكلية القانون بجامعة كربلاء، مشيرةً إلى أن هناك جهازاً يقيس رائحة عرق الانسان، ويسجل مميزاتها على شكل مخططات وبيانات لكل شخص، ولا تتشابه مع غيره.

هذه البصمة جعلت يعقوب يرتد بصيراً بعد أن شم قميص يوسف، بحسب الرواية القرآنية، وهي التي تجعل الرجل لا ينسى رائحة جسد المرأة، لا رائحة عطرها، وهي التي تجعل رجلاً أكثر جاذبية من آخر. بشكل عام، للرائحة تأثير كبير على ارتباط الإنسان بغيره من البشر وغير البشر. فكيف يحدث ذلك؟ وما مدى تأثيره على الحب والعلاقات الإنسانية؟

رائحة اللوعة

للأحبة رائحة لا تنسى رغم الغياب، تشتاق إليها الأنوف، ضمن تفاصيل كثيرة... في "الأماكن" غنى محمد عبده "كنت أظن الريح جابت عطرك يسلم علي"، معبراً عن لوعته واشتياقه لاستنشاق عبير حبيبته.

وعن رائحة أمها قالت الشاعرة السورية، ميساء سيفو: رائحة أمي مجبولة بالحنين بآلام السنين، مصبوغة بحناء الصبر بلون الطهر، فينا قد أشعلت جذوة الأمل، وعلمتنا أن الحياة تعاش بالحب رغم المحن، ولعيوننا السمر أعادت البريق ولقلوبنا النبض الأنيق، رائحة أمي سر التكوين، بها الفرح اكتمل.

أقوال جاهزة

شارك غردرائحة عرق جوزفين حققت مع رائحة عطرها معادلة كيميائية مثيرة لنابليون، فكان يطلب منها ألا تستحم قبل لقائه

شارك غردالإنسان لا يتكيف مع مكان جديد بسهولة لأنه لا يجد رائحته فيه، يحن إلى بيته لأن به رائحة جسمه وأجسام ذويه

أول سلام باليد: لماذا لا ننساه؟

"ومين ينسى ليالي الشوق ولا نارها.. ولا أول سلام بالإيد، ولا المواعيد ولهفتها".. يغني عبدالحليم حافظ في "أعز الناس"، مؤكداً أن أول سلام بيده ليد حبيبته لا ينسى.

بالتأكيد هناك أسباب كثيرة لعدم نسيان أول لمسة ليد الحبيب، ولكن من أهمها رائحة تلك اليد، لأنها تحمل بصمة خاصة، لا يشترك اثنان فيها.

وتوصل باحثون هولنديون وبرتغاليون، خلال دراسة نشرتها دورية eLife العلمية، أن لكل يد رائحة تحمل بصمة خاصة بصاحبها، فإذا تصافح شخصان حمل كل منهما رائحة الآخر في يده.

وشملت الدراسة نحو 280 شخصاً، تابعهم الباحثون عن طريق كاميرا خفية رصدت حركات أيديهم بعد المصافحة، وتبين أنهم جميعاً حاولوا دون قصد شم راحاتهم بعد السلام، بفرك عيونهم أو المسح على الوجه أو الجبهة أو الأنف، أو غيرها، وتبين أنهم استنشقوا هواءً أكثر من المعتاد، وهم يفعلون هذه الحركات.

وخلص الباحثون إلى أن المصافحة تنقل معلومات وانطباعات من الشخص إلى الآخر من خلال رائحة يده، قد تتعلق بمستواه الاجتماعي أو ذوقه العام، وغيرها، رغم اختلاف طبيعة السلام من حيث طوله وحرارته، لكن هذا السلام يصبح مألوفاً للطرف الآخر، وله تأثير على مدى ارتياحه الشخصي لمن صافحه قبل ذلك.

رائحة الكلام والقبلات

"أنفاسها، إحساسها، بركان نار"، يغني كاظم الساهر في قصيدته "لست فاتنتي"، وفيها أيضاً يهب أنفاسه لحبيبته فقط (صدري أنا أنفاسه ملك فقط لحبيبتي).

وتقول الشاعرة الليبية ردينة الفيلالي في قصيدتها "شقاوة الفتيات": "قبلة واحدة و أصبحت لك أسير، من ثغر ملائكي مكتنز مثير، في أنفاسه شجن الناي وطعم الزمهرير".

النفس مخرجه الفم، حيث يخرج الكلام، وحيث تنطبع القبلة. ولكل نَفَس رائحة، تصاحب كلام الحبيب، وتنطبع على ثغر المحبوب مع القبلة... والمسألة هنا ليست مجرد خيال شعري، بل هي كلام علمي.

فريق من الباحثين من معهد تكينون للأبحاث التكنولوجية، ابتكر جهازاً بإمكانه تحليل بصمة الرائحة لأنفاس الأشخاص، بالاعتماد على مجموعة من أجهزة الاستشعار الدقيقة المتصلة بتقنية الذكاء الاصطناعي، أثبتت أن لكل شخص بصمة خاصة برائحة أنفاسه.

للجنس رائحة تلهبه

أيّ حرب تتحدّثين عنها؟ فأنتِ لم تدخلي معركةً واحدةً مع رجل حقيقي.. لم تلمسي ذراعَهْ.. ولم تشُمّي رائحةَ صدرهْ.. ولم تغتسلي بعَرَقِهْ.

في قصيدته "رسالة حُب" يخاطب نزار قباني امرأة خاملة، تمارس الحب في خيالها وكلامها فقط، وفيها يستعرض لذة اللقاء الجنسي الغائبة عن علاقة تلك المرأة بحبيبها، مصوراً رائحة الجسد والعرق كعنصرين شهيين.

وتواترت الروايات حول أن الزعيم الفرنسي، نابليون بونابرت، كان يطلب من حبيبته جوزفين ألا تستحم قبل لقائه بها بأيام، وبعض الروايات قالت أسابيع.

وبسبب هذه القصة شاع أن الفرنسيين لا يحبون النظافة، وبرعوا في صناعة العطور كي لا تظهر رائحتهم، على عكس الحقيقة، التي توضحها الدكتورة فوزية الدريع، في كتابها "الرائحة والجنس"، إذ بينت أن رائحة عرق جوزفين حققت مع رائحة عطرها معادلة كيميائية مثيرة لنابليون، ألهبت رغبته الجنسية، لدرجة اعتياده تلك الرائحة، وافتقاده إياها حين يغيب عن صاحبتها.

لكل جسد رائحته الطبيعية، هذه الرائحة تنقلها الفيرمونات التي يفرزها الجلد، وتتميز من شخص إلى آخر، فتنجذب المرأة إلى رائحة جسد رجل بعينه دون الآخر، وكذلك ينجذب الرجل إلى امرأة بعينها دون أخرى، حتى أن للعضو التناسلي لدى الطرفين رائحة خاصة به وحده، تستثيرهما جنسياً تجاه بعضهما البعض، تقول الدريع.

الرومان والإغريق أدركوا ذلك، حتى أن الزناة من الرجال كان عقابهم قطع الأنف، اعتقاداً بأن ذلك سيثنيهم عن العودة لفعلتهم، بحسب ما ذكر الشاعر الروماني بوبليوس فيرجيليوس، في كتابه الإنيادة.

وحتى القرون الوسطى كان الأطباء يعتقدون أن بوسعهم التيقن من عذرية الفتيات بتشمم أنوفهم، واعتقد آخرون أن ما يعتري الأنف من تغيير واضطراب يدل على نشاط جنسي مفرط، بحسب فيرون.

المدن والبيوت رائحة

القاهرة

عكا رائحة اليود البحري والبهارات، حيفا رائحة الصنوبر والشراشف المجعلكة، موسكو رائحة الفودكا على الثلج، القاهرة رائحة المانجو والزنجبيل، بيروت رائحة الشمس والبحر والدخان والليمون، باريس رائحة الخبز الطازج والأجبان ومشتقات الفتنة، دمشق رائحة الياسمين والفواكة المجففة، تونس رائحة مسك الليل والملح، الرباط رائحة الحناء والبخور والعسل، يقول شاعر فلسطين الأشهر، محمود درويش، في كتابه "في حضرة الغياب".

بيروت

ويؤكد درويش أن كل مدينة لا تعرف من رائحتها لا يُعوَّل على ذكراها، وأن للمنافي رائحة مشتركة هي رائحة الحنين إلى ما عداها، رائحة تتذكر رائحة أخرى. رائحة متقطعة الأنفاس، عاطفيّة، تقودكم كخارطة سياحية كثيرة الاستعمال إلى رائحة المكان الأول.

باريس

رائحة المكان هي من أكثر الروائح أصالة وثباتًا وسطوة وديمومة وسحراً وإدهاشاً، حين ينجح المرء فجأة في التقاطها، فإنها ستتجذر فيه، وتستعمر حواسه، وتصبح جزءاً لا يتجزأ من كيانه الوجداني العميق، ويكون من الصعب عليه بعد ذلك الاستغناء عنها أو التنازل عن فداحة حضورها، إذ تغللت في مساماته ولغته وحساسيته وأنفاسه، ويندبغ بها جلده، يقول طلال زينل سعيد، في رسالة أدبية بعنوان "نافذة للوجد: حين يخضر العطر"، ضمن كتابه "رسائل حب بالأبيض والأسود: بورتريهات ونوافذ".

ويضيف أن تلك الرائحة تستعمر جسد المرء وروحه وجنونه إلى ما شاء الله، وحينها يكون للمكان معنى آخر يخضر فيه العطر خضرة أبدية، مكتظة بالنور، لا تدانيها خضرة، خضرة هي العطر نفسه، وعطر هو الخضرة نفسها.

دمشق

ما يقوله طلال يفسر للقاهري لماذا يشعر بالحنين حين يشم رائحة الذرة أو البطاطا المشوية وهو في الغربة، وذلك لأنه غالباً سيتذكر كورنيش النيل، أما رائحة مناقيش الصاج والكبة فستحمل إلى قلب اللبناني صورة شوارع بيروت، ولو صادف مغربي رائحة كسكس في أي بلد، فستحضر أمامه ساحة جامع الفنا في مراكش.

الإنسان لا يتكيف مع المكان الجديد بسهولة، بل أحياناً يشعر فيه بالتيه، لأنه لا يجد رائحته فيه، وعلى العكس فهو يحن إلى بيته ومكانه القديم، لأن به رائحة جسمه وأجسام ذويه، وقيل إن رواد الفضاء يزودون بروائح من منازلهم في مركباتهم، كي لا يشعروا بالوحشة خلال رحلاتهم، يقول فيرون.

كيف نتذكر الرائحة؟

يذكر بيت فيرون أن المخ يحتفظ في ذاكرته بالروائح التي شمها، خاصة إذا ارتبطت بذكريات واضحة (سعادة، حزن، بهجة، ألم... )، ولكنه لا يحتفظ بتفاصيل دقيقة عنها، فتجد إنساناً مدركاً بأن هذه رائحة والده الذي توفي قبل سنوات، ولكن يصعب عليه شرح تفاصيلها.

ويوضح أن بالمخ ذاكرة لفظية وأخرى عفوية، فاللفظية هي التي نستطيع التعبير عنها بالكلام، والعفوية هي التي ندركها ولكننا لا نجيد وصفها بدقة، وهذان النمطان ضالعان في عملية الشم، ولكن النمط العفوي هو الأغلب.

للأنف فتحة يمنى ويسرى، متصلتان بالمخ، ولكن مركز الثقل بالنسبة للشم يقع في الفص الأيمن من المخ، حيث ينشئ الروابط مع ما نتلقاه من منبهات شمية، على جميع الحواس الأخرى، ولكن عند المرأة يعمل الفص الأيسر مع الجانب الأيمن على تفسير الروائح، بكفاءة أعلى من الرجل، وبالتالي يصبح لدى النساء ذاكرة وتمييز أعلى حيال الروائح، يشرح فيرون.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

التعليقات

المقال التالي