"أن ندمن القات أفضل من أن ندمن السلطة"

"أن ندمن القات أفضل من أن ندمن السلطة"
وأكياس القات في شوارع اليمن

يرتبط القات بالحياة اليومية لليمنيين كما بالسياسة والحرب والاقتصاد والعلاقات الدولية.

في الجبهات يستخدمه المتمردون الحوثيون والقوات الحكومية كمنشط ومحفز على القتال بينما يمضغه المدنيون في المنازل والأماكن العامة لنسيان واقعهم البائس.

لا تصنف الأمم المتحدة نبتة القات ضمن المخدرات المحظورة دولياً إلا أن القات صار مشكلة محلية واقليمية ومتهماً غربياً بتمويل الإرهاب وإعاقة اندماج المهاجرين، دون أن تستند هذه الاتهامات بالضرورة على أدلة كثيرة.

"حذرونا من أضرار القات ولم ينبهونا لكارثة السياسيين ورجال الدين المدمنين على السلطة"، يقول مختار (39 سنة)، الذي كان يشتري من محل وسط صنعاء كمية من القات المجفف إثر موجة برد غير مسبوقة تسببت في إتلاف جزء كبير من المحصول الأكثر ربحاً وإثارة للجدل.  

أساطير القات

على مدى قرون شكل القات طقساً اجتماعياً وثقافياً في اليمن ودول أفريقية عدة كالصومال وأثيوبيا وجيبوتي، ويعد جزءاً من الهوية الوطنية لسكان هذه البلدان، تماماً كما هو مشروب الفودكا بالنسبة للروس والنبيذ للفرنسيين.

جلسة القات المعروفة بالمقيل هي فضاء اجتماعي وسياسي وثقافي في المقام الأول، وبعض الذين لا يتعاطون القات يحضرون المقيل للمشاركة في النقاشات. كما أن معظم جلسات الصلح الاجتماعي والسياسي ومناسبات الخطوبة والزواج والعزاء، كانت تُعقد في أثناء جلسات القات هذه.

وفي تسعينيات القرن العشريين ابتكر العراقي المقيم في اليمن كريم جثير "مسرح المقيل"، وهي عروض مسرحية تقدم في جلسة القات الأسبوعية التي كان ينظمها في صنعاء الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح.

وفي منتصف 2013 حظرت بريطانيا القات، ما وُوجه بانتقادات خاصة أن القرار جاء مخالفاً لتقرير حكومي أكد أنه لا يشكل خطراً على الصحة والمجتمع.

وبحسب مسؤول طبي في وزارة الصحة اليمنية فإن التأثير السلبي للقات يعود أساساً إلى المبيدات السامة التي تستخدم في زراعته، بعضها سموم محظورة دولياً، إضافة إلى تناول بعض الشباب عقاقير معه تسبب اضطرابات نفسية حسب قول المصدر الذي اشترط عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخول بالتصريح للإعلام.

منتقدو قرار الحظر أرجعوه إلى ضغوط أمريكية اعتمدت على معلومات وصفوها بالمغلوطة حول شبهة استخدام تجارته لتمويل الإرهاب.

أقوال جاهزة

شارك غردالقات: في الجبهات يستخدمه الحوثيون والقوات الحكومية كمحفز على القتال ويمضغه المدنيون لنسيان واقعهم

شارك غردجلسة القات المعروفة بالمقيل هي فضاء اجتماعي وسياسي وثقافي في المقام الأول

حروب القات

"الصقيع حرر أرحب من القات والشرعية ما زالت تأكل الدجاج والرز في مأرب"، يقول شهاب (42 سنة) معلقاً على تسبب الصقيع في توقف إنتاج القات في مديرية أرحب في محافظة صنعاء غامزاً قناة التصريحات التي تطلقها الحكومة الشرعية منذ أكثر من سنتين بأنها على وشك تحرير صنعاء من قبضة مليشيا الحوثيين.

يرى باحثون في انتشار القات خصوصاً في المناطق الجبلية مثل محافظات صنعاء وعمران وصعدة وحجة وذمار نوعاً من الصفقة السياسية بين النظام الحاكم والقبائل.

ووفق دراسة للباحث الألماني بيير جاتر، استُخدم القات كأداة للهيمنة السياسية والريع وشراء الولاءات.

يفرض التحالف العربي بقيادة السعودية حظراً جوياً وبحرياً وبرياً على اليمن إلا أن ذلك لم يوقف عمليات تهريب القات إلى السعودية وسلطنة عمان. حيث تباع حزمة القات الكافية لشخص واحد بمبلغ 300 ريال سعودي، وفي سلطنة عمان ما بين 25 و35 ريال عماني حسبما تذكر مصادر مطلعة.

تشكل تجارة القات والسلاح مورداً رئيساً لمليشيا الحوثيين (حركة أنصار الله). ويقوم هذا النوع من التجارة على الطلب المتزايد في دول الجوار.

تقدر دراسة الألماني جاتر عائدات تهريب القات بنحو مليار دولار أمريكي سنوياً تذهب لتمويل الحوثيين. غير أن مصادر يمنية اعتبرت الرقم مبالغاً فيه. مشيرة إلى أن تهريب القات ليس عملاً منظماً.

بحسب مصادر محلية في صعدة (242 كم) يتم تهريب القات بواسطة أفراد يحملونه على ظهورهم عبر منطقة آل ثابت الحدودية. الشخص الذي يحمل كمية من القات يحصل على مبلغ يتراوح بين 700 و1000 ريال سعودي عن الرحلة الواحدة.

عندما منع النظام الاشتراكي الذي حكم الجنوب حتى 1990 تعاطي القات وبيعه باستثناء يومي الخميس والجمعة ظل القات المهرب يصل إلى العاصمة عدن وبين الذين كانوا يخزنون القات المهرب مسئولون حكوميون على ما أفادت مصادر عاصرت تلك الفترة.

في ماليزيا والأردن ومصر يباع القات بمبالغ تتراوح بين 300 و400 دولار للكيلو بالنسبة للقات المجفف كما يباع في القاهرة نوع من القات الإثيوبي الطازج بسعر 150 دولار للحزمة وهي بالكاد تكفي لشخص واحد.

وفق ما أفادت مصادر يمنية تحدث إليها رصيف22، معتبرة الرشوة والحقيبة الدبلوماسية وسيلتين رئيستين في تهريب القات بنوعيه المجفف والطازج.

القات السعودي

لسنوات مضت ظلت الدول الخليجية تعتبر انتشار القات والسلاح والفساد عائقاً أمام قبول عضوية اليمن الكاملة في مجلس التعاون الخليجي. بيد أن الإمارات والسعودية اضطرتا أخيراً إلى الاستعانة بالقات في حربهما التي تشناها ضد الحوثيين لإعادة الرئيس عبد ربه منصور هادي المعترف به دولياً.

منذ كان القات زاداً صالحاً للمتصوفة اليمنيين في سهراتهم الربانية في حوالي القرن 12ميلادي، حظي بإطراء شيوخ المذهبين الزيدي والشافعي ومع تمدد الأيديولوجية الوهابية جنوباً ظهرت فتاوى تحريم القات من قبل جماعات السلفية الجهادية مثل القاعدة وداعش، غير أن الممانعة المجتمعية تبدو أقوى من الفتاوى والقوانين.

منتصف مايو 2016 أقرت قيادة الحزام الأمني التي يقودها رجل الدين السلفي الشيخ هاني بن بريك حظر القات في عدن إلا أن القرار اصطدم بممانعة شعبية خصوصاً مع وجود عدد من أبناء محافظة الضالع، المنطقة الجنوبية الأشهر في زراعة القات، ضمن قوام المقاومة والجيش والشرطة وفق مصادر محلية.

تشكل قبائل القات قوة لا يستهان بها ليس في اليمن والصومال فقط بل وفي المملكة العربية السعودية أيضاً، وتعتبر لجنة البحوث والإفتاء السعودية القات محرم شرعاً، إلا أنه يزرع داخل الأراضي السعودية.

كما تقول هيئة تطوير محافظة فيفاء أنها خصصت مليار ريال سعودي لمشروع إزالة أشجار القات في المناطق الجبلية، وفي وقت سابق صرفت الهيئة أكثر من أربعين مليون ريال سعودي كتعويض للمزارعين مقابل إزالة 35 ألف شجرة قات، وفق ما ذكرت وسائل إعلام سعودية.

يذكر الناشط السعودي حسن (52 عاماً)، الذي رفض استخدام اسمه الحقيقي في حديثه مع رصيف22، وهو من أبناء جازان، أن القبائل السعودية في المناطق الجبلية مسلحة وتشكل قوة لا يستهان بها، موضحاً لرصيف22 أن الحكومة السعودية تلجأ إلى أسلوب التفاهم والمساومة والإغراء مع هذه القبائل لأن التصادم معها سيتسبب في فوضى.

كلمات مفتاحية
اليمن

التعليقات

المقال التالي