شيشبرك أم كباب كرز؟ اشتعلت "الحرب" بين دمشق وحلب بالشوك والسكاكين والطناجر

شيشبرك أم كباب كرز؟ اشتعلت "الحرب" بين دمشق وحلب بالشوك والسكاكين والطناجر

تخيلوا حرباً طاحنة بين طبق "شيشبرك" وصحن "كباب كرز"، أو معركة مستعرة بين طنجرة "حراق بأصبعو" وجاط "كبة سفرجلية".

هذا ما تحولت إليه صفحات فيسبوك خلال الأيام الماضية مع اندلاع حرب حامية بين عشاق المطبخين الشامي والحلبي، واصطفاف رواد التواصل الاجتماعي إلى جانب أحد طرفي النزاع، والحرص على مهاجمة الطرف الآخر بعبارات مسلحة بمفردات مستوحاة من عالم الطبخ، ومن الواقع السوري الزاخر بكل ما له علاقة بالحرب والنزاع.

"لا يسلم المطبخ الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه المرق."

"دخلت عالفيسبوك ما لقيت إلا الشوك والسكاكين والطناجر والصحون تتحادف من كل حدب وصوب. الله يطفيها بنورو."

بدأت الحرب بين أكثر مطبخين شهرة في سوريا بتنافس حول أحقية كل مطبخ في أن يكون الأشهى والأكثر عراقة وأصالة وتنوعاً، وشارك فيها العشرات ممن يعيشون داخل وخارج سوريا، كما تجاوزت بعد أيام المطبخين الشامي والحلبي لتصل إلى مطابخ أخرى كالحوراني والإدلبي والحموي، مع تعداد خصائص كل مطبخ وأشهر وصفاته.

يا ريت كل المعارك هيك!

لا أحد من المشاركين بحرب المطابخ الافتراضية يعلم بالضبط من أشعلها، لكن كثيرين تحمسوا للمشاركة فيها، وإن لم ينتموا لواحدة من المدينتين المتحاربتين طبخياً.

عدنان طرابيشي المقيم في دبي والذي يعمل في مجال الدعاية والإعلان، كتب بعد أيام من إعلان تلك الحرب على صفحته على فيسبوك: "لو أكلكن طيب كنتو صرتو العاصمة خيو"، قاصداً تفوق مطبخ دمشق التي ينتمي إليها على المطبخ الحلبي.

"قررت دخول ساحة المعركة والهجوم على المطبخ الحلبي متسلحاً بتعصبي الدمشقي"، يتحدث طرابيشي لرصيف22 مازحاً، ويضيف: "أحب المطبخين بنفس المقدار، ولكل منهما خصائصه المميزة. فالدمشقي بسيط واقتصادي وقادر على ابتداع أطعمة من أي مكونات متوافرة، في حين أن الحلبي يتميز بالأطعمة الأكثر دسماً واللحم من أهم مكوناتها".

أقوال جاهزة

شارك غردحلب كانت لفترات طويلة محطة على طريق التوابل، ورغبة سكانها بالتجديد والإبداع في المكونات وبتجربة كل ما يحصلون عليه من خلال التبادلات التجارية أضفى على مطبخها طابعاً متنوعاً وغنياً بالتوابل.

شارك غرد"دخلت عالفيسبوك ما لقيت إلا الشوك والسكاكين والطناجر والصحون تتحادف من كل حدب وصوب. الله يطفيها بنورو."

هذه الحرب أعادت لطرابيشي، 40 عاماً، ذكريات عن طقوس يفتقدها منذ غادر سوريا عام 2012: "الرز بفول هو بيت ستي. المشاوي سيران يوم الجمعة. سندويشة الشاورما طلعة الشباب". وهو يعتقد بأن السوريين المشتتين في أصقاع الأرض تحولوا اليوم لسفراء لبلادهم على مستوى الطبخ، وسيساهمون بنشر المطبخ السوري أينما حلوا.

سارية وهي سيدة من حلب فضلت الحديث باسمها الأول، ساهمت أيضاً بحرب المطابخ حيث نشرت عدة صور لمأكولات حلبية ترى أنها تتفوق على أي أطعمة سورية أخرى.

صور وأمثال

تتميز حلب وفق حديث السيدة الخمسينية لرصيف22 بأنواع الكبب التي تتجاوز في عددها الثلاثين إن لم يكن أكثر، ومنها المشوية والمقلية والصاجية والمبرومة والرمانية والسفرجلية واللبنية، وكبة السماق، وكبة السيخ، وغيرها الكثير.

استغلت سارية فرصة الحرب المطبخية لتتفنن في إعداد أطباق حلبية ومشاركتها عبر الصور مع أصدقائها وأفراد عائلتها، وقسم كبير منهم يعيش خارج سوريا، وقد اعتبرت أن الطعام هو من المواضيع القليلة التي يجتمع السوريون على حبها دون خلاف.

أمضت السيدة أيضاً بضعة أيام في استذكار أمثال تتحدث عن المطبخ الحلبي خاصة، والسوري عامة، ونشرها على فيسبوك، ومنها: "القبيوات أكل الأغوات... والكبب أكلات أصحاب المعالي والرتب"، "افرح يا كرشي جارتنا طابخة محشي". "بشوف المعلاق وبقول سبحان الخلاق". "اليبرق ما أصعب لفو وما أطيب سفو".

بعيداً عن الحرب الفيسبوكية... عن المطبخين المتنافسين

ملكة جزماتي، سيدة سورية تعيش في ألمانيا منذ عامين وتعمل في مجال الطهو وتوثيق المطبخ السوري، ترى في حديث مع رصيف22 أنه من الصعب تفضيل مطبخ على آخر، فلكل من الأطعمة الدمشقية والحلبية خصائص ومكونات أساسية وثانوية مختلفة، وكلا المطبخين فيه من الأطعمة ما يرضي معظم الأذواق.

وتفرّق جزماتي، 30 عاماً، بين المطبخين الدمشقي والحلبي وفق عدة عوامل: "فالحلبي أكثر دسماً ويستخدم التوابل، ومنها الحد بشكل مكثف، كما يتميز بمزج الطعمين الحلو والحامض كما في الكبة السفرجلية، بينما يعتمد الشامي على الخضراوات والأطعمة النباتية واللبن المطبوخ مع محدودية استخدام التوابل، إذ يفضل الدمشقيون الحفاظ على النكهة الحقيقية للأطعمة".

تذهب بنا ريتا باريش، وهي كاتبة ومدونة سورية في مجال المطبخ، أبعد من ذلك، وتتحدث عن تاريخ المطبخين وتطورهما عبر حقب وعوامل متعددة أثرت فيهما وبمكوناتهما بشكل أو بآخر.

المطبخ الحلبي وفق باريش، 37 عاماً، يعتبر من أعرق وأقدم المطابخ الشرقية، وهو يجمع الكثير من التقاليد الموجودة في المنطقة، إضافة لغنى المدينة بحد ذاتها، والذي تستمده من موقعها الجغرافي المميز.

فحلب كانت لفترات طويلة محطة على طريق التوابل، ورغبة سكانها بالتجديد والإبداع في المكونات وبتجربة كل ما يحصلون عليه من خلال التبادلات التجارية أضفت على مطبخها طابعاً متنوعاً وغنياً بالتوابل بشكل خاص، كما أن محيطها الغني بالموارد والقادر على تزويدها بمواد عدة، أهمها اللحم والقمح والرمان، أسهم في اعتماد أطباقها على اللحم والبرغل، والتحميض بدبس الرمان وأيضاً السماق.

إضافة لذلك، يعتبر سكان حلب من التجار والحرفيين الأغنياء القادرين على توفير ثمن المواد اللازمة لإعداد الأطباق، مما وفّر فرصاً جديدة للمدينة ومطبخها بالتنوع والازدهار.

تقاليد قديمة جديدة

حتى اليوم، تستمر حلب في الحفاظ على كثير من تقاليد المطبخ العباسي، وهو أقدم مطبخ نعرف اليوم وصفاته عن طريق ما يتوفر من كتب مختصة بهذا المجال، كما تقول باريش المقيمة في ألمانيا منذ أربعة أعوام.

من هذه التقاليد، استخدام الفواكه لإضفاء الطعم الحامض على أطباق مثل الكبة السفرجلية وكباب الكرز، إذ اعتبرت الفواكه إلى جانب مكونات أخرى مثل الحصرم ودبس التمرهندي والجانرك من مواد التحميض، وذلك قبل دخول الحمضيات من الهند والصين والطماطم من أمريكا للمنطقة أواخر القرن الثامن عشر. "احتفت حلب بالطماطم لتصبح من أهم مكونات مطبخها، إلى جانب الفليفلة ذات الطعم الحاد والتي عرفتها المدينة خلال نفس الفترة".

أيضاً يستخدم المطبخ الحلبي منذ العصر العباسي المكسرات كاللوز والجوز والفستق الحلبي، ويعتمد بشكل كبير على الباذنجان، الذي استمر استخدامه من الحقبة العباسية حتى يومنا هذا.

أما الحلويات الحلبية فمتنوعة وكثير منها يعود كذلك لتلك الفترة، كالبقلاوة وهي عبارة عن طبقات رقيقة من العجين المحشي بالمسكرات والمغرقة بالسمن والعسل، والذي استبدل خلال فترات لاحقة بقطر السكر.

هذا التعقيد الغنى في المكونات قد لا نجده تاريخياً في المطبخ الدمشقي، والذي يعتبر أكثر تواضعاً واعتماداً على حسن التدبير وإعادة التدوير، برأي باريش، دون أن يكون أقل طيبة من حيث المذاق والنكهات، ولعل الحروب وحالات الحصار التي شهدتها دمشق هي العامل الأساسي في بساطة الوصفات الشامية، والتي يحتمل بأنها شهدت الكثير من التعديلات على مر العصور بهدف المواءمة مع الموارد المتاحة.

يعتمد المطبخ الدمشقي بشكل أساسي على الخضراوات المزروعة في الغوطة، مما أدى لوجود عشرات الأطباق التي تطبخ على شكل "يخنة" خضراوات مع المرق والأرز.

سهل حوران وجنوب سوريا أيضاً يمدان دمشق ومطبخها بالبقول وعلى رأسها الفول والحمص والعدس، فكانت الفتات الدمشقية والفلافل التي تتكون من هذه البقول مع بعض المواد الأخرى. والفتات أيضاً هي طريقة الدمشقيين لإعادة تدوير بعض المواد الغذائية المتوافرة كالخبز، واليوم هي تمتد لتشمل اللحوم كفتة اللسانات وفتة السلاسل وفتة المقادم.

الألبان والأجبان الآتية من الغوطة والقلمون مورد آخر لمطبخ دمشق الذي يحفل بالأطعمة المعتمدة على اللبن مثل الشيشبرك والشاكرية، وكذلك الحلويات المعتمدة على الحليب كالألماسية والهيلطية وكشك الفقراء.

وبالاتجاه أكثر نحو الجنوب، ونتيجة التبادلات التجارية، عرف الدمشقيون طبخة "الملوخية" بطريقتيها المصرية والفلسطينية. وعنها تقول باريش: "يحتفي الدمشقيون على عكس الحلبيين بالملوخية ويضيفون إليها الكثير من المكونات كالخبز والدجاج واللحم وأحياناً الكبة، وبالطبع الكزبرة".

وفيما يخص التوابل، تنوه باريش باستخدام الدمشقيين الكزبرة الخضراء مع معظم الأطعمة، وانتشار استعمال الهال والقرفة وجوزة الطيب والبهار الحلو والزنجبيل.

مع كل ذلك، لا ترى باريش جدوى من كل ما له علاقة بالتنافس في مجال الطبخ، وتختم "لماذا تطغى الحروب والنزاعات على حياتنا؟ مطابخنا متنوعة ومتغيرة ومتطورة ولا تعرف القيود، فلمَ لا تكون مجالاً للتبادل ونافذة للحوار عوضاً عن الصراع؟"

* الكبة: أكلة شرقية تشتهر بها بلاد الشام بشكل خاص وتحضر من البرغل ولحم الهبر الطازج لتشكيل عجينة يمكن حشوها أو مدها، مع اختلاف طريقة التحضير والحشي والطبخ من بلد لآخر.

* القبيوات، المقادم، السلاسل: أجزاء من الخروف تقطع وتحشى باللحم والأرز وتطبخ بطرق مختلفة.

* المحاشي: خضراوات متنوعة (كوسا، باذنجان، بطاطا، فليفلة، طماطم، بصل) تفرغ وتُمزج بالأرز واللحم أو الأرز مع مكونات أخرى وتطبخ بطرق مختلفة.

* اليبرق: ورق العنب أو الدوالي يلف ويُحشى بالأرز واللحم ويطبخ بطرق مختلفة.

* الشيشبرك: عجين محشو باللحم ومطبوخ مع اللبن.

* الشاكرية: لبن مطبوخ مع لحم يؤكل مع الأرز أو البرغل.

زينة شهلا

صحافية سورية في دمشق

كلمات مفتاحية
سوريا

التعليقات

المقال التالي