هل تفسد كتب تربية الأبناء حياتنا وعلاقتنا بهم؟

هل تفسد كتب تربية الأبناء حياتنا وعلاقتنا بهم؟

بقدر سعادة الزوجين باستقبال مولودهما الجديد، تكون الحيرة والقلق من ضخامة مسؤولية تربيته، وكثيراً ما يلجأ الأبوان، وخاصة الأم، لكتب المشورة التربوية لفهم ما هما مقدمان عليه.

في حين تعتمد صغار الحيوانات على نفسها في الوقوف والحركة منذ ولادتها، مثل الحمار الوحشي والسلاحف. يبقى الطفل أشهراً غير قادر على رفع رقبته أو حتى التجشؤ من دون مساعدة، لذا فإن رعايته ليست بالأمر اليسير.

وهنا تكمن أهمية ومشقة الأمومة والأبوة.

أسئلة كثيرة تطرحها الكتب التي تدعي أنها متخصصة، منها هل أهز طفلي لينام، أم أطعمه لينام، أم أتركه يبكي حتى يعتاد أن ينام بمفرده؟

وفيما يظن الآباء أنهم بين أغلفة هذه الكتب سيجدون نصائح تساعدهم على جعل أطفالهم أفضل وأسعد، يؤكد أوليفر بيركمان Oliver Burkeman، الكاتب والصحافي بالجارديان، أن هذه المؤلفات مجرد "نصائح سخيفة" تطبع في كتب فقط بغرض الربح.

ويقول: "التحدي الحقيقي أمام مقدمي المشورة التربوية أن لا أحد يعرف ماهية الطفل، كما أن كل شخص بالغ نسي ما كان عليه وهو طفل، وهذا ما يتفق ونظرية "فقدان الذاكرة الطفولي" التي أكدها سيغموند فرويد.

كما أنه لا قاعدة ثابتة في أي شيء، فكذلك في كل ما يتعلق بالطفل.

مثلاً هل الرضاعة الطبيعية مفيدة في المطلق أم يتوقف ذلك على صحة الأم وجودة حليبها؟ كذلك في ما يتعلق بأنماط التربية الأخلاقية، فأيها يؤدي إلى جيل ناجح، وأيها يتسبب بكوارث كالتعقيد والتزمت.

وبحسب Alison Gopnik، الفيلسوف وعالم التطور، فإن الأطفال هم تجربة فريدة تجمع الألفة الشديدة والغرابة العميقة في نفس الوقت، لذا كان الفلاسفة يتجاهلون الحديث عن الأطفال لمدى إدراكهم صعوبة توقع كيف يفكرون أو كيف سيتطورون.

أقوال جاهزة

شارك غردكيف تخدعنا كتب المشورة التربوية؟ هل تفسد حياتنا وعلاقتنا بأطفالنا؟

تضر أكثر ما تفيد

ومن عيوب هذه الكتب، في رأي بيركمان، أن ضررها يفوق نفعها، إذ تفرض على الآباء القواعد الصارمة في التعامل مع الأبناء وتفترض أن عكس ما تقدمه هو خطأ، وخاصةً تلك المؤلفات التي تحدد كمية الطعام بربع كوب أو نصف ثمرة وهكذا. فمثل هذه القواعد الصارمة لا يمكن تنفيذه على طفل أو في العلاقات الإنسانية.

وحتى الكتب التي تتضمن تجارب فعلية لآباء في تربية أبنائهم لا يمكن أن نعول عليها نظراً لتفرد تجربة كل طفل. فالأطفال لا يتبعون جدولاً زمنياً ثابتاً في النمو أو التطور الحركي أو السلوكي، ولا يفضلون نفس الطعام، ولا يعيشون في نفس البيئات.

وإذا أدركنا أن غالبية هذه الكتب  تتناقض فيما بينها بل فيما يقدمه محتوى المؤلف الواحد في المواقف المتعددة، فمن الطبيعي أن تزيد حيرة الآباء.

كما يصبح البحث عن إجابة واحدة صحيحة ونموذجية للخبرات والمواقف التي نعاصرها مع أطفالنا أمراً غير مجدي وغير ممكن.

ويدلل بيركمان على وجهة نظره هذه بنتائج دراسة أجرتها باحثة من جامعة سوانسي تدعى آمي براون، العام الماضي، على 345 سيدة حديثة العهد بتجربة الأمومة، وتبين أن اللواتي اعتمدن على كتب المشورة التربوية كن أكثر شعوراً بالتوتر والإحباط وأقل ثقة بأنفسهن وأدائهن.

ويوضح "أن كتب المشورة التربوية فشلت في الإيفاء بوعدها الدائم بـ  "تجربة أفضل لتربية طفلك بأقل مشقة"، ويضيف أن هذه الكتب عادةً ما تقدم تنظيرات افتراضية، خاصة أن المواقف التي نختبرها مع أبنائنا في الواقع تتطلب حلاً واحداً وقاطعاً.

نقطة أخرى مهمة لفت إليها مقال الجارديان، هي نغمة الثقة وافتراض صحة كل ما تقدمه هذه الكتب تعد أكبر عامل ضغط "وابتزاز" يتعرض له الآباء لشراء تلك الكتب التي تفترض أن تجعل حياة أطفالهم أفضل في حين أن هدفها الحقيقي هو جني الأرباح.

علماً أن أغلبها يوقف حياة الأبوين على الطفل وكأنه هو كل ما لديهم، وتبالغ في تكثيف المهام وفرض القواعد على الجميع بتحديد كل شيء: النوم والطعام وغيرهما،  لكن على أرض الواقع لدى كل شخص عشرات المسؤوليات .

لذا كان منوطاً بالخبراء تيسير تربية الطفل على الأهل في خضم هذه الانشغالات بل مساعدتهم على إيجاد فرصة للراحة وسط كل ذلك.

الحداثة في مواجهة الفطرة

كما يشدد المقال على التأثير السلبي للحداثة التي أفسدت كل شيء حتى فطرة الأبوة والأمومة السوية والرائعة، ولفت إلى جانب مهم يتمثل في تحذير أطباء الأطفال وأساتذة التربية من إتباع نصائح الأمهات والجدات التي تتعارض مع عملهم وتقلل من دخلهم أضر كثيراً بالأبوين والأطفال بالطبع، إذ تصبح العلاقة بينهم أكثر جفافاً وصرامة وليست حميمية كما كان في السابق. فنجد مثلاً أن أدلة التربية الحديثة تحث على عدم حمل الطفل وتدليله، لأن ذلك يجعله يعتمد على الأم في الكبر.

وعلى النقيض من ذلك، نجد في القبائل البدائية التي تعيش في بيئات بسيطة أن الأم تحمل طفلها أينما ذهبت حتى وهي تعمل، ونجد الأبناء يتسمون بالطاعة والهدوء.

ونجاح تجارب التربية في المجتمعات البدائية والتي لا تعتمد إلا على استشارات الأمهات والجدات، أبرز دليل على تأثير الحداثة السلبي، إذ يكمن الفرق هنا بين النظر للطفل على أنه حيوان يصعب التعامل معه، كما تراه الأساليب التربوية، وبين أنه نبتة تحتاج لرعاية وجهد لتنمو وتزدهر.

ويلفت المقال إلى أن الأبناء أولى بالوقت الذي يقضيه آباؤهم في قراءة كتب المشورة "غير المجدية".

أما  Alison Gopnik، أخصائية علم النفس، فترى أن أزمتنا لا تكمن في تطبيقات تقنيات خاطئة في التعامل مع أبنائنا، بل في البحث عن "تقنيات" لإدارة علاقتنا الحميمة مع أبنائنا، فالعلاقات الإنسانية لا ينبغي أن تحكمها قواعد أو قيود.

وتضيف: "عوضاً عن التفكير الأناني في حلول تجعلنا أكثر قدرة على التعامل مع الطفل، ينبغي التفكير في الطريقة التي نسعد بها طفلنا ونساعده على مواجهة الحياة".

ماذا عن المجتمعات العربية؟

أما عن كتب الاستشارات التربوية المنتشرة في العالم العربي، فيؤكد الخبير التربوي، حسني السيد، أنه لم يكبد نفسه عناء قراءة أحدها لنهايته.

ويقول لرصيف22: "معظم هذه المؤلفات مترجم من لغات أخرى، لذا لا يناسب مجتمعاتنا الشرقية والعربية، وحتى الجزء العربي الخالص، فإنه يخلط بين أصول التربية السليمة وقواعد الدين، وأغلب الأشخاص يعرفون قواعد دينهم، لذا لا يجدون أي جدوى من مطالعتها".

ويشير إلى أن "القيم التربوية" تختلف من عصر لآخر، والثابت هو المثل العليا مثل الأمانة ونبذ الكذب وما شابه، لذا فمن غير الصواب، برأيه، كتابتها في مؤلفات وتناقلها بين الأجيال.

ويتابع: "كما أن الفروق الفردية مؤثرة جداً في التعامل بين الأشخاص، فحتى الأب إذا كان له طفلان لا يعاملهما بنفس الطريقة، ولا يَصلح أسلوب واحد لكليهما".

ويختم السيد بنصيحة للآباء الجدد باستلهام الخبرات الناجحة في التربية من المحيطين بهم بمساعدة الأمهات والجدات، فضلاً عن "القراءة بوعي وحذر" في بعض كتب المدروسة، والتي يشرف عليها تربويون متخصصون".

سامية علام

محررة صحافية مصرية مهتمة بشؤون المرأة والمجتمع

التعليقات

المقال التالي