"فهلوة" المصريين لا تتوقف... وهكذا يواجهون البطالة والأوقات الاقتصادية العصيبة

"فهلوة" المصريين لا تتوقف... وهكذا يواجهون البطالة والأوقات الاقتصادية العصيبة

على الرغم من أن عمره لم يتعدَّ السبع عشرة سنة، إلا أن كل ما يشغل جلال محمد هو الحصول على فرصة عمل.

لم يكن يريد أن يُنهي تعلّمه ليجد نفسه وجهاً لوجه أمام شبح البطالة الذي لم يرحم إخوته وأبناء عمومته وأصدقاءه ومعارفه جميعاً الذين لم يجد أحدهم طوق نجاة من هذه المعاناة.

حصل جلال على شهادة تعليم متوسط، وأصبح الحصول على عمل يدرّ دخلاً جيداً هو شغله الشاغل. وبعد تفكير كثير، توصل جلال إلى مشروع "وصلات الدش".

يقطن جلال أحد أحياء القاهرة الشعبية، ما يجعل ثمن الاشتراك الباهظ في القنوات الفضائية بالنسبة إلى جيرانه، أمراً شديد الصعوبة.

وقد رأى جلال مدى رغبة جيرانه في مشاهدة مباريات كرة القدم المُشفرة أو الأفلام السينمائية التي ما زالت تُعرض في السينما، فتوصل إلى أنه لو تمكن من شراء طبق مركزي لالتقاط القنوات وتوزيع وصلات على الجيران، لكان هذا مشروعاً جيداً جداً، وسيدرّ عليه الدخل الذي يتمناه. وبالفعل تحقق له ما أراد.

"لا أكلف المشترك أكثر من عشرين جنيهاً، وهو ما يعادل الدولار الواحد تقريباً أو أكثر قليلاً، اشتراكاً شهرياً، لكني وجدت نفسي أمام مشروع قد يكون مكسبه كبيراً بحسب عدد الذين يحتاجون إلى هذه الخدمة"، يقول جلال لرصيف22.

ولعمله مواسم، فخلال مباريات كرة القدم المشفرة يكثر عدد المشتركين الراغبين في مشاهدتها في منازلهم.

يفكر الآن جلال في التوسع أكثر، سواء من خلال هذا المشروع أو غيره.

يقول المثل الشعبي المصري: "الرزق يحب الخفية"، وقد اعتاد المصريون اتباعه، خصوصاً في الأوقات الاقتصادية العصيبة، كالتي يعيشها اليوم سكان مصر بعدما فقد الجنيه المصري الكثير من قيمته في ظل التغيرات السياسية والأمنية والاقتصادية التي تعيشها البلاد، ما جعل الشعب يلجأ إلى "الفهلوية" لكسب المال، وهو وصف يطلق على سلوكات الذكاء والحنكة، وأحياناً الاحتيال، في التعامل، فيجد حلولاً ذكية، وغير قانونية، لكنها وفي الوقت ذاته غير مكلفة على الناس فيكتسبون هم منها وتوفر على الزبن مالاً.

الشرطة والوصلات المختلفة...

تتخذ الشرطة المصرية مواقف حادة من أصحاب الوصلات، كجلال، فتقوم بزيارات دورية تقطع خلالها الوصلات للمشتركين. وما عدا ذلك، لا ينغص عمله شيء. وهو يعيد إيصال ما قطعته بعد مغادرتها ببساطة وسرعة، مستنكراً تصرفها.

"حكومة مفترية... لا ترحم ولا تترك مجال لرحمة ربنا أن تصل إلينا"، يقول لرصيف22.

أقوال جاهزة

شارك غرد"فهلوة" المصريين لا تتوقف فكلما ازدادت الحال الاقتصادية سوءاً، ازدادوا ابتكاراً لحلول

شارك غردممكن دقيقة تلفون لو سمحت؟ ممكن انترنت لو سمحت؟... "ممكن، بس تدفع كام"؟

لا يقتصر الأمر على التجارة بوصلات القنوات الفضائية فقط، بل يمتد أيضاً إلى التجارة في وصلات الإنترنت.

لا يتجاوز عمر سمير عبدالحفيظ السبع والعشرين سنة، وهو يمتلك محل دهانات صغيراً أسسه بمجهوده الشخصي. خلال عمله، أدرك أنه يحتاج إلى جهاز كمبيوتر لتسهيل عمله وتطويره، لكي ينسق من خلاله ألوان الدهانات، فاشترى جهازاً ووضعه في محله. وبعد مرور أشهر عدة، أراد الاشتراك في إحدى شركات الإنترنت التي تتيح هذه خدمة أربعاً وعشرين ساعة.

أدخل عبدالحفيظ كلمة السر وأوصل الاشتراك لجيرانه، ثم بدأ السكان يتوافدون إليه للاشتراك مقابل مبلغ شهري بسيط، وهو ثلاثون جنيهاً، أي ما يعادل دولاراً ونصف الدولار.

وجد عبدالحفيظ نفسه مصادفة أمام مشروع بدأ بدخل متواضع، ثم درّ عليه بعد ذلك ربحاً كبيراً.

"بدأ عدد المشتركين يزداد أكثر، ما جعل الأمر مشروعاً قائمًا بذاته، ربما يقترب ربحه من ربح التجارة بالدهانات، بل يزيد لأنه يعتمد على الاشتراكات الثابتة شهرياً لا على ربح متغير كتجارة الدهانات"، يقول لرصيف22.

بعد أن كان عبدالحفيظ مشتركاً في أقل سرعة تتيحها الشركة، وهي خاصة بالاستخدام الشخصي في المنازل، والتي يصل اشتراكها إلى نحو 120 جنيهاً، أي ما يعادل سبعة دولارات تقريباً، بدأ يعمل على زيادة سرعة الإنترنت لديه لتُقسم على عدد المشتركين.

وبعد زيادة السرعة، توسع في مشروعه أكثر، وأصبح عدد من يأخذ منه الوصلات أكبر.

يقول خالد (33 سنة) الذي رفض ذكر اسمه كاملاً، لرصيف22، أنه منذ سنوات عدة، اشترى شقة ليتزوج فيها وقرر الاشتراك في الإنترنت.

ولكن، لعدم قدرته على سداد المبلغ، قرر التحدث مع ثلاثة من جيرانه لمشاركته الأمر، مشيراً إلى أنه بدلاً من أن يسدد 160 جنيهاً وحده شهرياً، يسدد 40 جنيهاً فقط ولا يجد عبئاً بشأن مشكلة سرعة الإنترنت، حيث يستخدمه كل منهم في أوقات مختلفة بحسب ظروف عمله.

ممكن دقيقة لو سمحت؟

من بين هذه الحيل، بيع دقيقة مكالمات الهواتف المحمولة بنصف جنيه، حيث يشتري أحدهم "موبايل" ويبيع المواطنين في الشارع ممن يريدون إجراء مكالمات هاتفية، الدقيقة بنصف جنيه، الأمر الذي يحقق له ربحاً وفيراً.

يجلس أحمد (32 سنة) على كرسي على رصيف أحد الشوارع في منطقة الخليفة الشعبية، أمامه منضدة خشبية صغيرة مكتوب عليها بقلم "فلوماستر" الدقيقة لأي شبكة محمول 50 قرشاً، عليها 3 هواتف محمولة صغيرة لا تتعدى كلفة الواحد منها 150 جنيهاً  .

قد تندهش للوهلة الأولى، متسائلاً مَن الذي يحتاج إلى هاتف في الشارع لإجراء مكالمة في الوقت الذي يمتلك معظم المواطنين هواتف محمولة.

يقول أحمد لرصيف22، أن معظم زبنه من كبار السن الذين تتعدى أعمارهم 60 سنة، لأنهم يمتلكون هواتف محمولة، ويكون ذلك في الأغلب لجهلهم كيفية تشغيلها ويظهر ذلك بوضوح عندما يأتون إليّ ويخرجون ورقة من جيوب ملابسهم مدوناً عليها أرقاماً ويطلبون مني الاتصال عليها.

ويكشف أحمد أن مكالمات هؤلاء تكون غالباً للاطمئنان إلى أحوال ذويهم. وهناك شريحة أخرى من تتركز في طلاب مدارس يرفض ذووهم شراء هواتف محمولة لهم بسبب صغر سنهم والخوف من تأثيرها في دراستهم، فيلجأون إلى هواتف الشارع لمحادثة أصدقائهم وأحبائهم.

الشريحة الثالثة تتركز في أشخاص لا يريدون استخدام هواتفهم للتحدث مع أشخاص معينين بسبب رفض الأخيرين الرد عليهم وغيره من الأسباب، فيلجأون إلى تلك الهواتف لإجبار المتلقي على الرد عليهم والاستماع إليهم. يُضاف إلى تلك الفئات، الأشخاص الذين نفدت أرصدة هواتفهم ويريدون إجراء مكالمات طارئة فيلجأون إلى هواتف الشارع.

يشرح أحمد أن ذلك يساعده في كسب المال، حيث يشحن رصيد باقة لشبكة ما بـ80 جنيهاً تعطيه 1600 دقيقة للشبكة ذاتها، ويبيع الدقيقة الواحدة بـ50 قرشاً فيجمع 800 جنيه، ولكن بالطبع يستغرق الأمر مدة طويلة لجمع المبلغ، ما يضطره للبقاء مدة طويلة في الشارع، وحسب أعداد المترددين عليه ومدة مكالماتهم يأتي الربح.

الهواتف في أكشاك الحلوى

بجانب هواتف الشارع، هواتف داخل أكشاك لبيع الحلوى.

ينقسم الأمر إلى نوعين: الأول، هاتف صغير غالباً ما يربطه صاحب الكشك بسلسلة معلقة بأحد جوانب الكشك، وذلك خوفاً من سرقته من أحد المتحدثين، بخاصةً في ظل انشغال صاحب الكشك بالبيع.

أما النوع الثاني، فالهاتف الشخصي لصاحب الكشك، ويكون هذا نوعاً من الربح الإضافي له إذا كان شخص يبحث عن هاتف، فيسمح له بإجراء مكالمة من هاتفه مقابل 50 قرشاً للدقيقة.

"فهلوة" المصريين لا تتوقف مطلقاً، فكلما ازدادت الحال الاقتصادية سوءاً، ازدادوا ابتكاراً لحلول لا يعرفها سوى من يقترب من الشارع وحاجاته.

التعليقات

المقال التالي