كأنهم يصارعون الابتسام في الصور القديمة...

كأنهم يصارعون الابتسام في الصور القديمة...

يطغى على ملامح الأشخاص في الصور القديمة العبوس. وكأن هناك من كان يحدد الابتسامة بمقياس دقيق، مانعاً ظهور الأسنان في الصور. أو كأن ثمة صراعاً بين الجدية والابتهاج يظهر في الفم الذي يحاول أن يتمدد ويبتسم، وتمنعه ضوابط المجتمع.

لماذا لم يبتسم الأجداد في معظم الصور؟ ولماذا لا نرى عفوية في ضحكاتهم؟

سؤال طرحه من فترة مقال نُشر في موقع هف بوست العربي.

نحاول في هذا المقال الإجابة عن هذا السؤال، بعدما طرحناه على المصورة اللبنانية داليا الخميسي، والمختص النفسي ماهر الشرافي وأستاذة العلوم السياسية في لبنان الدكتورة بيان الحوت.

كأنهم يصارعون الابتسام

"الابتسامة من ضروريات الحياة والتفاعل بين البشر سواء في الواقع أو حتى في الصور، وعلى الرغم من هذا، ومن خلال تتبعنا الصور الفوتوغرافية القديمة، لا نكاد نرى أثراً واضحاً للابتسامة، وهذا يختلف تماماً عن الصور التي نراها اليوم"، يقول المختص النفسي الدكتور ماهر الشرافي لرصيف22.

وهو ما تؤكده داليا الخميسي، المصورة الفوتوغرافية في بيروت، قائلةً لرصيف22: "لوقت طويل كانت الابتسامة غائبة عن البورتريه إذ حلّ محلها عبوس حاد في ملامح الوجه، ما يعطي انطباعاً بأن الناس في حالة عدم رضا، وملل، وعدم راحة مع بعض الحرج. أو كأن الناس يصارعون الابتسام".

نرى أن صوراً لأناس مشهورين تدور حول هذا الصراع نفسه، وذلك ما نلمسه في صورة الموناليزا التي لها وصمة خاصة بها، هي الابتسامة الغامضة.

"في القرن السابع عشر، كانت في أوروبا حقيقة راسخة مفادها أن الناس الذين ابتسموا في الصور كانوا الفقراء أو في حالة سكر أو أبرياء"، تقول الخميسي.

وتكمل: "البسطاء الذين يمتهنون مهناً يدوية كأهل الريف مثلًا، إضافة إلى الذين يعملون في المسرح والتمثيل، يتميزون بالابتسامة العريضة في الصور. هؤلاء هم الذين تظهر أسنانهم في الصور".

وتقول أستاذة العلوم السياسية في لبنان الدكتورة بيان الحوت لرصيف22 أنه كان من العيب رسم الابتسامة وإظهارها، لأن الطبيعة، برأيهم، تخالف ذلك.

أما شخصيات الطبقات العليا فمن المفترض أن تكون صورهم جدية أكثر، وتميل إلى الرزانة والبعد كل البعد من التقليد وأخذ طابع خاص بهم قوامه ابتسامة غامضة لا يمكن ملاحظتها ولا رؤيتها.

هل هي حقاً الأسنان؟

يذكر مقال هف بوست أن ثمة اعتقاد سائد لدى الناس هو أن عدم الابتسام في الصور القديمة سببه التخوف من إظهار الأسنان، والتي لم يتمكن الناس من العناية بها كما هو الحال اليوم، فكانت بحالة سيئة. وهي نظرية ترفضها الخميسي.

لكن الشرافي يختلف جزئياً معها في هذه المسألة. يقول إن فظاعة شكل الأسنان كانت دافعاً أحياناً لإغلاق الفم، إلا أن التخوف من إظهارها انعكاساً لأمر أعمق، وهو شدة التزام الناس بنظرة المجتمع لما هو مقبول وجميل وذو هيبة.

أقوال جاهزة

شارك غردلماذا لم يبتسم الأجداد في معظم الصور؟ ولماذا لا نرى عفوية في ضحكاتهم؟

شارك غردلوقت طويل كانت الابتسامة غائبة عن البورتريه مع عبوس حاد في ملامح الوجه ما يعطي انطباعاً بعدم الرضا

شارك غردبشاعة الأسنان لم تكن بحد ذاتها دافعاً لكف البسمة بل نوع من الالتزام بما هو مقبول

"هناك من يعزو الأمر (عدم الابتسام) إلى وجود عيب خلقي يتمثل بإعوجاج في الأسنان، لأن الناس في الأزمنة الغابرة، كانوا أكثر اهتماماً بالشكل والصورة العامة للجسد"، يقول الشرافي.

ويضرب الشرافي مثلاً بحديث موروث عن الرسول محمد يقول فيه "لعن الله المتفلجات"، أي اللواتي يفرقن بين أسنانهن.

"هذا كان معياراً لجمال المرأة، وعليه، أعتقد أن الأمر يعود إلى الموروث الثقافي والعادات والتقاليد"، يضيف الشرافي.

ويقول أن من خلال تتبع الصور وتحليلها، نجد أن هناك قيماً يتشبث بها الإنسان بناءً على صورة ذهنية تتواءم مع الموروث الثقافي. فمن معايير الرجولة، الشخصية القوية الصلبة الخشنة.

"لذا، نرى في الصور ارتفاع الهامة، وامتشاق السلاح، أما الابتسامة فهي صفة من صفات أشباه الرجال لاعتقادهم أنها أقرب إلى صفات النساء وتطعن في مروءتهم. وهذا لا نجده في زمننا، فلو تتبعنا الصور الحديثة لوجدنا أن الموروث الثقافي يلعب دوراً، إذ يمنح الابتسامة دلالة على الشخصية السمحة المحبوبة".

مدة التصوير

يقول مقال هف بوست "أن الكاميرات كانت تستغرق وقتاً طويلاً لالتقاط الصورة في ذلك الوقت، ما يضطر من يجلس أمام الكاميرا إلى اتخاذ وضع مريح".

وهو ما تؤكده داليا الخميسي قائلة: "قديماً، كان يلجأ المصور إلى إجبار الأشخاص على عدم الحركة أثناء التصوير، ومن هنا تستغرق العملية وقتاً طويلاً تصبح خلاله الابتسامة غير مريحة. وذلك يشير إلى الملل وعدم الرضا، خاصةً مع وجود أطفال في الصورة، فذلك لا يتماشى مع طبيعتهم وحركتهم المستمرة".

فكان هذا طفرة ثورية في التصوير الفوتوغرافي، إلّا أن الأمر ظلّ غير جيد في ذلك الوقت.

"لكن لا تزال الصور الرسمية، حتى الحديثة منها، لا ابتسامة فيها الابتسامة"، تقول الدكتور الحوت لرصيف22.

وتضيف: "صورة أي رئيس جمهورية تعلق على الحائط في الدوائر الرسمية، أو على طابع بريدي، تؤخذ من دون ابتسامة. حتى أفراد العائلة المالكة البريطانية في قصر بكنغهام، بمن فيهم الأطفال أحفاد الملكة إليزابيث، لا يبتسمون في الصور، وأتكلم عن صور معاصرة جداً جداً".

ما يدل، برأيها، على التمسك بنظرية أن شخصيات الطبقات العليا عليها الالتزام بالجدية والنمطية في الصور.

إسلام الخالدي

صحافية فلسطينية مختصة بالشأن الإجتماعي والإنساني إلى جانب متابعة الأوضاع السياسية وما يجري على الساحة الفلسطينية، وبالأخص قطاع غزة، من مجريات مستجدة.

كلمات مفتاحية
فن التصوير

التعليقات

المقال التالي