البعلبكية vs الجنوبية... مناكفات تتخطى صحن الفراكة ومرطبان المكدوس

البعلبكية vs الجنوبية... مناكفات تتخطى صحن الفراكة ومرطبان المكدوس

لم تعد تذكر من اتصل بوالدها في ذاك اليوم الصيفي الحار ليبلغه أنها نجحت في دخول كلية الإعلام في بيروت. كل ما تذكره هو هرولتها فرحاً، ذهاباً وإياباً، بين منزلها ومنزل جدها المجاور.

حتى ذلك الوقت، كانت لا تزال تلك الفتاة غريبة الأطوار التي تخرج مراراً إلى "السطيحة" في إحدى القرى النائية على تخوم مدينة بعلبك، لتلقي خطاباً أمام جمهور متخيّل كانت تظن أنه يحتاجها ليعبر إلى برّ التنوير.

من بين الخطابات المطبوعة في ذاكرتها كان ذاك الذي تلا قراءتها رواية "آنا كارنينا" لتولستوي. في عمر الـ14، تعاطفت مع آنا في قصة حبها وخيانتها لزوجها الصارم، واكتشفت ما تعنيه الجرأة في ملاحقة الرغبات، حتى لو كلفت صاحبها حياته.

شاركت مع جمهورها "الاكتشاف"، ودعتهم للتضحية بحياتهم سعياً وراء رغباتهم.

وهي تستعد للنزول إلى بيروت، في الثامنة عشرة، كان العالم بالنسبة لها كتلة من الألوان والأفكار والوجوه المنفتحة التي تنتظرها في العاصمة. هكذا تيّقنت، ولكن اليقين كان أول الأخطاء.

هناك، اكتشفت للمرة الأولى كيف تحوّلت بغمضة عين من "آنا" التي تعيش في عالمها المتخيّل، إلى "بعلبكيّة بتخوّف" أو "بعلبكيّة بس مش مبيّن عليها" أو "بعلبكية! وين الفرد (المسدس)؟".

أعادتها العاصمة إلى واقع تأتي منه، لم يكن قد أشعرها يوماً وهي فيه أنها جزء منه. "بعلبكية في بيروت، غريبة في بعلبك"، هذه كانت المعادلة.

هناك، في العاصمة، كانت هذه البعلبكية ترى الجنوبّي، أو تتفاعل معه، للمرة الأولى... وكذلك البحر. بدت الفكرة هزليّة لمن عاش قريباً من البحر وعايشه، كما كان مضحكاً مطلب "بدنا بحر ببعلبك" الذي انطلق قبل عامين تزامناً مع موجة التظاهرات التي شهدها لبنان.

***

في حلقة المبارزة المطبخية الأخيرة التي شهدها فيسبوك بين أهل بعلبك وأهل الجنوب اللبناني، بشأن أفضلية مذاق وأصالة المطبخ البعلبكي على المطبخ الجنوبي أو العكس، كان تاريخ العلاقة بين "البعلبكيّة" و"الجنوبيّة" يعود إلى المشهد.

المبارزة في المأكولات كانت صحيّة (بالمعنى المجازي طبعاً)، فقد خلّصت لبنان من متلازمة "أكبر صحن حمص" و"أطول سندويش فلافل". عادت الفراكة والكمونة واللحمة المدقوقة إلى الطاولة جنوباً، وفي مقابلها الكشك والمكدوس والقاورما والصفيحة في بعلبك خصوصاً، والبقاع عموماً.

ولكن المبارزة انتقلت إلى حقول أخرى، كاللهجات التي يصبح فيها مثالاً الصاروخ "ساروخ" في الجنوب، بينما بالنسبة للبعلبكي يجب أن يكون "صاراوخ" (مع تضخيم الصاد أكثر مما هي مضخمة)، وإلا فقدت الكلمة معناها المدمر.

ثم نزلت الحشيشة "فخر الصناعة البعلبكيّة" على المائدة، والتي بحسب أهل المنطقة تصبح معها كلّ المأكولات شهيّة بهيّة.

بدا واضحاً في تلك المبارزة أن الساركازم هو الطاغي، فهي تشبه تلك المناوشات الفكاهيّة المتجذرة في اليوميات اللبنانية بين أصدقاء وعائلات وزملاء، حيث الطوائف والمناطق والعائلات تلعب دوراً أساسياً في صناعة النكتة.

المطبخ كان إضافة جديدة إلى طاولة المناوشات، وإن كانت الأفكار المسبقة بشأنه موجودة في أحاديث يومية. ومع ما أثاره من حراك مصوّر لأشهى المأكولات، أعاد التذكير بشكل غير مباشر بكل مخزون الأفكار النمطية والسلبيّة (بمعظمها) عن الطرفين لدى الطرفين، والتي تكون مضحكة حيناً ومزعجة (وربما كفيلة بتغيير مسار حياة بأكملها) حيناً آخر.

***

لم تكن "آنا" البعلبكية، حين وصولها إلى بيروت للمرة الأولى تعرف شيئاً عن الفراكة والكمونة، ولا عن اللحمة المدقوقة التي اكتشفت لاحقاً أنها تُسمى "ملسة" في بعلبك. ولم تكن تحبها أصلاً لأنها نيئة.

كان المطبخ البعلبكي والجنوبي آخر اهتماماتها، وربما لا، فهي كانت مهووسة بالمكدوس وسمعت كلاماً طيباً عن الهريسة في الجنوب، بعيداً عن استخداماتها الدينية وأبعادها العاشورائية.

لكنها كانت معنيّة بشكل أساسي في كل مرة تسمع فيها أن "البعلبكية قتّيلين قتلى" أن تشرح كيف أن عائلتها "ليست كذلك".

وكانت تستفيض في الحديث عن والدها، وعن ساعة التأمل المسائية على أنغام "بحيرة البجع" لتشايكوفسكي التي كان يلزمهما بها هي وشقيقها، وعن نقاشاته معها في الطبيعة والفن واللغة العربية وأهمية التفرّد حيث "يجب أن لا تكون جزءاً من الصورة مهما بدت جميلة، كي تستطيع الاستمتاع بها من الخارج، وتمييز الخطأ من الصحيح فيها".

أقوال جاهزة

شارك غردالفرد في الجيبة والحشيش على الطاولة... القصص المضحكة المبكية بين البعلبكية والجنوبية

شارك غردفي حلقة المبارزة المطبخية الأخيرة التي شهدها فيسبوك بين أهل بعلبك وأهل الجنوب اللبناني... كان تاريخ العلاقة المعقّدة بين "البعلبكيّة" و"الجنوبيّة" يعود إلى المشهد

مع الوقت تصالحت "آنا" مع الفكرة ووجدت في ما كانت تسمعه من نكات عن سكان بعلبك مجالات غير صالحة للرد الجدي، فدخلت في دوامة السخرية نفسها، السخرية ممن يطلب منها أن تريه المسدس وممن يطلب منها حشيشة…

أما اللهجة البيضاء التي أتقنتها خلال سنواتها البيروتيّة، فلم تنجح بالتغطية على تلك البعلبكية التي تخرج في حالات الغضب الشديد أو الزهزهة.

مع الوقت أصبحت تحبها، بكل ما فيها من نفحات سورية/ عراقية اكتسبتها لقربها الجغرافي من سوريا والمناخي/ العشائري من العراق، ومن كل ساعات الموسيقى الطويلة التي سمعتها مع والدها لناظم الغزالي وياس خضر وفؤاد سالم ولميعة توفيق وغيرهم.

***

تقول صديقتها "نور" الجنوبيّة عنها إنها محترمة "ولا كأنو من بعلبك"، فترد هي، بعدما تعلمت السخرية، أن "نور" كريمة "ولا كأنها من الجنوب".

هي الأفكار النمطية التي يسمعها الطرفان من محيطهما. في هذا المحيط عبارات ثابتة "بعلبكي بس محترم"، "جنوبي بس كريم"، "بعلبكي بس عاقل"، "جنوبي بس شهم"...

أفكار حملتها أجيال سابقة، لم تُتَح لها وسائل التواصل الاجتماعي وسهولة التنقل التعرّف بعضها على بعض بشكل أفضل، فعلقت داخلها وأورثتها لأولادها. والأهم أنها اعتمدتها معايير تحدد على أساسها الصداقات والمصاهرات والعمل.

تحكي "نور"، الثلاثينية أن التعاطي مع أهل بعلبك كان دائماً حذراً. لماذا؟ "لأنهم مشكلجية، يستعملون السلاح كثيراً، ولديهم ثقافة الأخذ بالثأر، فلا أحد يجرؤ على الغلط معهم".

تقول إن شباناً عدة من بعلبك تقدموا لخطبتها، لكن أمها كانت ترفض حتى التعرف عليهم، لأن "لا يمكنها السيطرة على الشاب، الذي يمكن أن يكون دموياً".

تضيف ساخرة أنها إلى الآن إذا تعرفت على شاب بعلبكي "يجب أن تتعرف على أهله، وتطلب سجلاً عدلياً لمعرفة عدد جرائم العائلة، وعدد أفرادها الموجودين في السجن".

تتخلى عن المزاح لتقول إن اختلاطها بـ"البعلبكيّة" كان في أيام الجامعة، وهناك فهمت أكثر حجم الأفكار المسبقة وتأثيرها في التربية، حيث تعرفت على أناس أبعد ما يكونون عن العدائية المصبوغين بها، فـ"هم محترمون ومتعلمون وأحياناً كثيرة ألطف من أهل الجنوب".

مع ذلك، ترى أن صفة العناد لديهم منتشرة، وتردها ربما إلى طبيعة المنطقة القاسية التي أتوا منها وانعكست على ردات أفعالهم وحتى على سمات وجوههم.

وكذلك الكرم المنتشر بقاعياً أكثر منه جنوباً، فبرأيها مردّه أن أهل الجنوب تأثروا بسنوات الاحتلال الطويلة لأرضهم، فتعودوا أن يشتروا ذهباً بالقرش الأبيض ويخبئوه لأيامهم السوداء. أما أهل البقاع فالضيف لديهم مقدس، وربما ذلك آتٍ من الثقافة العشائرية الموجودة في المنطقة.

***

قبل وفاة والد "زينة" في بيروت، أوصى والدتها بإشارة من يده باتجاه الجنوب قائلاً "من هون وهيك بتزوجي البنات، ومن هون هيك (صوب البقاع) ما تفكري". بقيت الوصيّة سيفاً مسلطاً على رقبة "زينة" حين أحضرت شاباً بعلبكياً إلى المنزل.

حاول الشاب بكل قواه أن يثبت للوالدة حسن نيته و"آدميته"، لكنه قوبل بالرفض، قبل أن تذهب "زينة" خطيفة معه، لتحصل المصالحة لاحقاً ويصبح الزوج "صهر الوالدة المفضّل".

حالات المصاهرة بين بعلبك والجنوب أكثر من أن تُحصى، وقد تزايدت مع الأجيال الجديدة التي حظيت بفرص أكبر للاختلاط والتعارف، والخروج من الأفكار النمطية. ومع ذلك بقيت دينامكية العلاقة بين الطرفين محكومة بكمّ من النكات، التي يعتمد تقبلها على وسع صدر الطرفين وحجم الحب المتبادل.

خلود من بعلبك متزوجة من جنوبي منذ أكثر من عشرين عاماً. هي اليوم في الأربعين من عمرها، وما زالت تذكر المرة الأولى التي ذهبت فيها لزيارة عائلة خطيبها آنذاك وقد كانت في السابعة عشرة.

"ذهبنا للتعرّف على جدة خطيبي المسنّة، وطوال الطريق كان شقيقه يخيفني من ردة فعلها… كنت صغيرة آنذاك وصدقت"، تقول خلود مضيفة "حين جلست جنبها، بدأت تتلمس طرف قميصي الكشكش - على الموضة حينها - وقالت *اسّه ببلدكم بتلبسوا هالشي يا رَوحي*".

تقول خلود إن جدة خطيبها بدت كما لو أنها تتوقع أن ترى شيئاً غير البشر، "أحسست أنني قادمة من فضاء آخر". عدا ذلك، تشير إلى النظرات التي كانت تلاحقها بتحفظ وتشعرها أنها غريبة، لكنها مع الوقت اعتادتها كما اعتاد أصحاب النظرات عليها.

والدة خلود كانت من الجنوب كذلك. تحكي قصة سمعتها من والدتها مراراً حين زارت بلدة خطيبها في بعلبك للمرة الأولى. حين وصولها فوجئت بأحدهم يشهر سلاحاً و"يخرطشه" عليها. أحست برعب شديد، قبل أن تكتشف أن ذلك أسلوبهم في المزاح، خاصة مع "الغريبة".

وعن التعليقات المتصلة بزواجها، تقول خلود "كانت جدتي لأمي تسمع كثيراً في قريتها الجنوبية من يقول: شحار يشحرك إنو عطيتي بنتين لأهل البقاع...  أما أنا فأسمع تعليقات مثل أهل الجنوب مش رجال، بس أحسنلك هيك بتقدري تسيطري عالبيت. وعدا عن هيك مفروض إنت منيحة وحلوة ليش عطوك لأهل الجنوب؟".

وكحال كل الأفكار النمطية، السلبيّة تحديداً، فإن مشكلتها الأساسية هي التعميم. ولأن التعميم لا يفنى ولا يمكن استحداثه من عدم، يبقى المزاح بشأنه والعلاقات - والمأكولات - الطيبة العابرة للحدود والمناطق خير مُعين في وجه الدور السلبي للتنميط الذي ما زال يتحكم بمساحات لا بأس بها من اللاوعي اللبناني.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي