"سنوات دراسية مهدرة"... ثمن نزاع الأبوين على الولاية التعليمية للأطفال

"سنوات دراسية مهدرة"... ثمن نزاع الأبوين على الولاية التعليمية للأطفال

للعام الثاني على التوالي، تتغيب الطفلة مايا عن مدرستها بسبب فشل محاولات والدتها في الحصول على حكم بانتقال الولاية التعليمية إليها، ما يسمح بنقلها إلى مدرسة قريبة من منزل ذويها في بورسعيد الذي انتقلت إليه منذ أن دب الخلاف بينها وبين زوجها.

تقول ر. حرب والدة الطفلة مايا لرصيف22 أنها تقدمت بطلب إلى قاضي الأمور الوقتية لطلب نقل ولاية الطفلة التعليمية إليها قبل عامين، بعد انفصالها عن زوجها.

إلا أن طلبها قوبل بالرفض لأن العلاقة الزوجية لا تزال قائمة، فقدمت طلباً ثانياً، بعد رفعها دعوى طلاق لا تزال تنظر في المحكمة، كان له المصير نفسه.

ونتيجة لما وصفته بـ "تعنت" القاضي ضدها حرمت الطفلة من الذهاب إلى المدرسة مثل أقرانها من دون أن تقترف ذنباً.

تقول حرب: "كنت بوديها المدرسة لحد ما والدها أخدها في مرة منها في نص اليوم، ووداها بيت والدته وعانيت لحد ما عرفت أرجعها لحضانتي ومستنية أخد الولاية التعليمية عشان أعرف أنقلها من المدرسة القديمة وميقدرش يروح ياخدها، وأجيب لها مدرسين في البيت".

 

عقاب بلا ذنب  

 

يدفع أطفال بلا ذنب مثل مايا ثمن النزاع بين الأبوين على الرغم من أن القانون المصري يكفل للحاضن حق الولاية التعليمية طبقاً للمادة 54 من قانون الطفل الرقم 126 لعام 2008.

ومع ذلك تطول معاناة الأمهات المنفصلات أو المطلقات في المحاكم من أجل انتزاع هذا الحق.

بلغت إشهادات الطلاق 192 ألف إشهاد عام 2016، وفقاً لنشرة الزواج والطلاق الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء في يونيو 2017، في حين بلغ عدد أحكام الطلاق النهائية في المحاكم 6305 أحكام.

ووصل عدد دعاوى الطلاق والخلع المنظورة في المحاكم 12 ألف دعوى عام 2015 وفق آخر إحصاء صادر عن الجهاز.

تقول الحقوقية انتصار السعيد، رئيسة مركز القاهرة للتنمية والقانون لرصيف22، أن هناك آباء يستخدمون حقهم في الولاية التعليمية للطفل في مكايدة الأم من طريق نقل الطفل إلى مدرسة أخرى بمنطقة بعيدة منها، والحقيقة أن الطفل هو الذي يتعرض للإيذاء لا الأم.

 

تتشابه حالة مايا مع حالة ابنة دينا عزب التي ضاع عليها عام دراسي تغيبت فيه عن المدرسة لظروف مشابهة، حتى نجحت الأم في الحصول على الولاية التعليمية ونقل أوراق ابنتها إلى مدرسة أخرى لا يصل إليها الأب بعد سبعة أشهر من المعاناة.

وتقول أنه بعد تهديدها بخطف الابنة، ذهبت لفتح محضر في قسم الشرطة، فنصحها الضابط بألّا تدعها تذهب إلى المدرسة حتى تنتقل إليها الولاية التعليمية وتستطيع نقلها إلى مدرسة أخرى.

في حين تأخر الطفل مهند عن سن الالتحاق بالمدرسة لعامين متتاليين، عانت خلالهما الأم في ساحات المحاكم حتى حصلت على حكم بالطلاق وآخر بالولاية التعليمية بعد رفض الأب الذهاب للتقديم له وفقاً لوالدة الطفل.

وتقول شيماء محمود لرصيف 22: "بعد انفصالي عن والد مهند ساومني بالتنازل عن جميع مستحقاتي المالية، في مقابل أن يطلقني ويقدم للولد في المدرسة فرفضت".

وتتابع على الرغم من تقديم أوراق للمدرسة تثبت أن الطفل في حضانتي، وأن هناك نزاعاً مع الأب وقضية طلاق منظورة في المحكمة رفضت قبوله، ورفعت دعويين لولاية تعليمية في دائرتين بالقاهرة والجيزة، وفي النهاية معرفتش أقدم للولد في المدرسة إلا لما جبت واسطة.

أقوال جاهزة

شارك غرديدفع أطفال ثمن النزاع بين الأبوين رغم من أن القانون المصري يكفل للحاضن حق الولاية التعليمية

شارك غرديستخدم آباء حقهم في الولاية التعليمية للطفل في مكايدة الأم من طريق نقله إلى مدرسة أخرى بمنطقة بعيدة

خطوة على الطريق

أصدر وزير التربية والتعليم الدكتور طارق شوقي كتاباً دورياً حمل الرقم 29 في شهر نوفمبر العام الماضي، أعطى الأم المطلقة الحاضنة حق الولاية التعليمية للطفل من دون الحاجة إلى الحصول على حكم قضائي لمجرد تقديم مستندات تثبت وقوع الطلاق.

مع تأكيد الكتاب أنه في حال قيام العلاقة الزوجية، تكون الولاية التعليمية للأب باعتباره الولي الطبيعي على أبنائه القصّر، ولا يجوز للمدارس أو الإدارات أو المديريات التعليمية، التعامل مع غيره من أقارب الصغار حتى الأم إلا من خلال توكيل رسمي عام أو خاص بالولاية التعليمية، حتى في حالة وجود نزاع على الحضانة أو الولاية التعليمية.

وصفت نرمين أبو سالم مؤسسة مجموعة "أمهات مصر المعيلات" على فايسبوك القرار بأنه "خطوة جيدة لتخفيف المعاناة على الأمهات، لكنها لا تزال بداية الطريق"، وطالبت بإلحاقه بقرار آخر ينقل الولاية التعليمية إلى الأمهات الحاضنات في حالة الانفصال عن الزوج قبل وقوع الطلاق، حيث تستغرق قضايا طلاق كثيرة، سنوات في ساحات المحاكم، وهو ما يضر بمصلحة الطفل ومستواه الدراسي.

وأضافت أبو سالم لرصيف22، أنه في حال تغيب الأب لأي سبب سواء نتيجة سفره أو رفضه تحمل مسؤولية الأطفال، ترفض المدارس قبول أوراق التقديم من الأم التي تتحمل مسؤولية رعايتهم والإنفاق عليهم، ولا يكون في يدها قرار إلحاقهم بالمدرسة أو نقلهم إلى مدرسة أخرى لأن القانون ينص على أن الأب وحده هو الولي الطبيعي للأطفال لا الأم.

مدارس ترفض أبناء المطلقات

أشارت مؤسسة "أمهات مصر المعيلات" إلى مشكلة أخرى تعاني منها الأمهات المطلقات عند التقديم للأطفال في المدارس وهي رفض مدارس كثيرة قبول أوراق الأطفال على رغم حصولهن على الولاية التعليمية لمجرد أنهنّ منفصلات عن أزواجهن.

وتقول أبو سالم: "لا يوجد نص قانوني يسمح للمدارس بهذه البلطجة والتمييز ضد أطفال لا ذنب لهم وحرمانهم من حقهم في التعلّم، لتفادي أي مشكلة قد تحدث بين الأبوين على حق الولاية التعليمية".

وقابلت جيهان محمد هذه المشكلة عندما حاولت التقديم لابنتها في إحدى مدارس الراهبات بمنطقة مصر الجديدة، وتقول لرصيف22: "بنتي عندها 4 سنين ولما حاولت أقدم لها المدرسة رفضت لما عرفوا إني مطلقة وقالوا مش هنقدر نقبل أوراقها حتى مع وجود حكم بالولاية التعليمية وهددتهم إني هشتكيهم في وزارة التربية والتعليم قالوا لي ده نظام المدرسة".

وطالبت جيهان الوزارة بالتدخل لحماية الأطفال من التعنت والتمييز الذي يمارس ضدهم من دون ذنب.

ودفعت هذه المشكلة النائب محمد فؤاد إلى تقديم طلب إحاطة إلى رئيس البرلمان الشهر المنصرم بشأن تعسف بعض المدارس ضد الأبناء الذين انفصل آباؤهم.

ويقول فؤاد لرصيف22 أن هناك تعنتاً غير مبرر من بعض المدارس تجاه الأطفال المنفصل ذووهم. وعلى الرغم من استيفاء الأوراق القانونية المطلوبة كافة إلّا أن المدارس ترفض قبولهم في لوائحها، وهذا يخالف القانون والدستور.

وأشار إلى أنه بعد تقديمه طلب الإحاطة لرئيس البرلمان، تم التواصل مع وزارة التربية والتعليم لتشكيل لجنة للتفتيش على المدارس الوارد ذكرها في شكاوى الأمهات واتخاذ الإجراء المناسب ضدها.

وناشد الأهالي بضرورة التقدم بشكاوى إلى الوزارة في مثل هذه الحالات وعدم الصمت.

وفي ما يخص مشكلة النزاع بين الأبوين على الولاية التعليمية للأطفال، قال أن هذه المشكلة ستظل قائمة ما لم يتغير قانون الأحوال الشخصية بما يراعي المصلحة الفضلى للطفل، مضيفاً: "للأسف الأطفال هم اللي بيدفعوا ثمن الخلافات بين الأب والأم"!

قوانين غير مفعلة

 

ترى انتصار السعيد أنه حتى بعد صدور قرار الوزير الأخير، إلا أن المركز استقبل شكاوى من أمهات عدة بشأن رفض المدارس القبول بوثيقة الطلاق بديلاً من الحكم القضائي لمصلحتهن بالولاية التعليمية، وفقاً للقرار الوزاري عند محاولة نقل الأطفال إلى مدرسة أخرى، وذلك خوفاً من افتعال الأب مشكلة للمدرسة.

وتضيف: "للأسف حتى بعد القرار، لم يتغير الوضع وهو ما يستلزم رقابة من الوزارة على المدارس لضمان تفعيله".

وأضافت أن مشكلة الدعاوى القضائية التي ترفعها الأمهات، هي أن الحكم فيها يترك لسلطة القاضي التقديرية وقناعته الشخصية، لذلك في بعض الأحيان يرفض القضاة طلب الأمهات بانتقال الولاية التعليمية رغم أن القانون ينص على حق الحاضن في الولاية التعليمية، وهو ما يضيع على الأطفال سنة دراسية أو أكثر، وغالباً ما ترفض الدعاوى إذا قُدّمت بعد بداية العام الدراسي.

ينصح محمد السيد شهاب المحامي بالاستئناف العالي ومجلس الدولة، الأمهات الحاضنات في حالة التقدم بطلب الولاية التعليمية قبل وقوع الطلاق، بتقديم مستندات تثبت ما يفيد بوجود خلافات بينهن وبين الأزواج حتى يقبل القاضي الطلب ولا يضطررن لإعادة التقدم به أمام دائرة أخرى، ما يهدر الوقت ويؤثر سلباً في مستقبل الأطفال في حال فاتهم موعد التقدم إلى المدرس.

وقال أحمد خيري الناطق باسم وزارة التربية والتعليم لرصيف22، أن قرار إسناد الولاية التعليمية إلى الأم المطلقة لمجرد تقديم ما يثبت وقوع الطلاق، هدف إلى عدم إضرار الطالب بالمنازعات القضائية على الولاية التعليمية بين الأب والأم، لكنه يقتصر على حالات الطلاق فقط ولا يمكن أن يشمل حالات الخلافات الزوجية، لأن ولاية السيدة نفسها تتبع الزوج ما دام الزواج قائماً.

ونصح الأمهات اللائي يواجهن أي تجاوز أو تعنت من المدارس عند محاولة التقديم للأبناء، بتقديم شكوى رسمية إلى الإدارة التعليمية التي تتبع لها المدرسة حتى تستطيع الوزارة أن تتخذ الإجراء المناسب.

صحافية مصرية

التعليقات

المقال التالي