أن تعيش الطفلة "عفيفة مستورة في بيت زوجها": الصراعات السياسية والاجتماعية وزواج القاصرات في اليمن 

أن تعيش الطفلة "عفيفة مستورة في بيت زوجها": الصراعات السياسية والاجتماعية وزواج القاصرات في اليمن 

مشهد في أحد مستشفيات اليمن. تدخل طفلة عمرها 12 سنة على كرسي متحرك إلى المستشفى، ترافقها مجموعة من النساء. رجل في الأربعينيات يوقف الكرسي، ثم يسأل عن إجراءات التوليد.

اسمها منال صالح. وقد مضى عام على دخولها المستشفى.

عمرها اليوم 13 سنة، تزوجت في عمر الحادية عشرة وأجهضت بعد سنة عندما حملت. تنشد اليوم الطلاق بعد أن حملت مجدداً. تقول منال: "مُذ دخلت في شهري السادس، وأنا على كرسي متحرك لأن جسمي لم يتحمّل الحمل".

تعرضت للضرب والإهانة من زوجها في المستشفى بعد أن فقدت جنينها أثناء الولادة. "لولا تدخل الدكتورة والأمن لكان قتلني"، تضيف.

تبكي وهي تعلن رفضها العودة إلى بيت زوجها. "لن أعود إلى بيته حتى لو دفعت الثمن حياتي، وأطالب بسجن كل أب يزوج ابنته وهي صغيرة".

كلما رأت زوجها الأربعيني بجانبها في المستشفى صرخت، ولا تسكت إلا بعد إعطائها مهدئات تدخلها في نوم عميق، وفق ما تقول بعد إصابتها بتمزق في رحمها ليلة زفافها.

لا يرى شقيقها أحمد في تزويجها باكراً خطراً. "لمصلحتها زوّجتها"، يقول.

ويضيف: "أن تتزوج أفضل لها من البقاء في البيت، وستتعافى وتعود إلى منزل زوجها".

مناكفات سياسية

منال من بين آلاف القاصرات اللواتي يجبرن على الزواج في سن الطفولة في اليمن، حيث يستغل رجال دين وعائلات فتيات ثغرةً في قانون الأحوال الشخصية، تسمح بتسجيل عقود القران لمن هن دون الثامنة عشرة.

فشلت ثلاث محاولات في ثلاث مراحل (1999، 2009، 2013) لتعديل المادة 15 في القانون بسبب احتدام المناكفات السياسية وسيطرة أحزاب محافِظة على مجلس النواب، وفق ما يوثق هذا التحقيق بعد أربعة أشهر من التقصي.

وجاءت شرارة الحرب (2014) لتزيد معاناة الفتيات وسط غياب الوعي المجتمعي والفقر.

في غياب البيانات المحلية، تقدّر هيئات دولية بأن زيجة واحدة من كل اثنتين تسجّلان في اليمن، تدفع ثمنها فتاة قاصر، تكون عرضة لأضرار نفسية وجسدية.

المادة 15 في القانون الصادر عام 1992، تسمح بتوثيق زواج القاصرات، على الرغم من التزام اليمن باتفاقات دولية تحظر زواج الأطفال، من بين التزامات اليمن توقيعه اتفاقيتي الحد الأدنى لسن الزواج عام 2000، وحقوق الطفل والبروتوكولين الملحقين بها، والتي حدّدت سن الطفل بأقل من 18 سنة.

على مدى سنوات، طالبت منظمات المجتمع المدني في اليمن بتعديل المادة 15 بما يتواءم مع المعاهدات الدولية. لكن تلك المطالبات أفضت إلى تعديل عدّته أسوأ من المادة الأصلية، إذ كانت تنص المادة عند سَنّ القانون عام 1992: "على أن لا يصح تزويج الصغير ذكراً كان أو أنثى دون بلوغه خمس عشرة سنة".

وجاء التعديل بقرار جمهوري عام 1999 على النحو الآتي: "عقد ولي الصغيرة بها صحيح، ولا يمكن المعقود له من الدخول بها ولا تزف إليه إلا بعد أن تكون صالحة للوطء ولو تجاوز عمرها خمس عشرة سنة ولا يصح العقد للصغير إلا لثبوت مصلحة".

وفي عام 2009، صوّت مجلس النواب اليمني لتحديد سن الـ17 سنة كحد أدنى للوطء، لكن مجموعة من المشرعين استخدمت إجراء برلمانياً لمنع القانون من النفاذ، باعتباره "مخالفاً" لأحكام الشريعة الإسلامية التي يستند إليها الدستور اليمني.

أقوال جاهزة

شارك غرد المعادلة المتبعة في اليمن: زواج القاصرة = مبلغ من المال + تخلص من الأعباء المادية لفرد من الأسرة

شارك غرداسمها منال، عمرها اليوم 13 سنة، تزوجت في عمر الحادية عشرة وأجهضت بعد سنة عندما حملت... تحقيق عن تزويج القاصرات في اليمن

يقول أحمد سيف الحاشد عضو مجلس النواب اليمني: "يصدر رئيس الجمهورية قرارات خلال إجازات رمضان، مستغلاً ثغرة دستورية تُمكّنه من إصدار قوانين عندما يكون مجلس النواب في إجازة رسمية. وما زالت هذه القوانين سارية المفعول إلى اليوم من دون أن تناقش أو تمر تحت قبة البرلمان".

بينما يعلق محمد الأسعدي الناطق باسم اليونيسيف في اليمن: "حتى اللحظة، لا يوجد قانون أو تشريع يمني يجرم زواج الصغيرات أو يحدد سن الطفولة، ولكن كانت هناك مساعٍ كبيرة جداً بذلت عام 2013 أثناء مؤتمر الحوار بتحديد سن الطفولة بـ18 سنة وتحريم زواج الصغار".

يقول الحاشد: "للأسف الشديد، إن التحالفات السياسية السيئة بعد عام 1994، جاءت في جزء مهم من استحقاقاتها على حساب الحقوق والحريات، وكلما اشتدت الخلافات السياسية كانت تتم تسويتها على حساب القضايا الاجتماعية ومنها قضايا المرأة وزواج القاصرات، مسنودة بمرجعية الشريعة الإسلامية".

يرى الدكتور علي حسين العمار الأستاذ المشارك في كلية الإعلام بجامعة صنعاء أن التجاذبات الحزبية أدت إلى عرقلة إقرار القانون أثناء مناقشته في مجلس النواب. ويضيف: "الظاهرة في ازدياد، وتعد الآن مشكلة كبيرة نظراً إلى الحصار وانتشار الفقر، ولا بد من حلول سريعة لها كونها تنعكس سلباً على حياة الطفلات اللاتي يجبرن على الزواج".

من يحدد جاهزية الفتاة لإقامة علاقة جنسية؟

يقول المستشار القانوني يحيى علي السخي أن صيغة القانون اليمني تنص على صحة زواج الصغيرة، مؤجلاً الزفاف، والذي يعني فعلياً الجماع، إلى حين تصبح الفتاة جاهزة لإقامة علاقة جنسية.

"لكن القانون لم يحدد معيار صلاحية الوطء، وذلك قصور واضح"، يقول السخي.

هنا، يطرح القاضي ياسر أحمد العمدي، رئيس الدائرة القانونية في نادي القضاة اليمني، سؤالاً عن إمكان تحديد مدى جهوزية الفتاة لإقامة علاقة جنسية، ويرى قصور القانون في شكله الحالي.

يقول: "ما الضوابط لصلاحية الوطء هل هي ضوابط علمية أو تقارير طبية، ومن سيراقبها؟ لم يحدد القانون ذلك".

قررت مجموعة من القضاة في المحكمة العليا، بالمشاركة مع اتحاد نساء اليمن، تقديم مشروع لتعديل المادة 15 والتوصية بضرورة تحديد سن الزواج بـ18 سنة، بحسب القاضي العمدي الذي كان ضمن لجنة القضاة.

إضافة إلى تحديد السن، يرى السخي ضرورة أن يشمل النص القانوني عقوبة رادعة لمن يخالف ذلك بالسجن، لا أن تُفرض عليه غرامة.

فالغرامة حسب وصفه لا تعتبر عقوبة إنما مخالفة.

يقول الحاشد: "البرلمان، وفي ظل غياب الإرادة السياسية الجريئة والمتحررة، غير مؤهل حتى الآن للإقدام على خطوة تحديد السِّنّ الدنيا للزواج".

ألم الجسد

دام زواج نور محمد، 15 سنة، يوماً واحداً بعد أن هربت صبيحة اليوم التالي من زفافها من منزل زوجها الذي يكبرها بعشرين سنة.

تنتظر نور أن تبت المحكمة في قضيّتها المنظورة منذ 2016، وهي تأمل بحصولها على "الطلاق وفك أسرها".

منال وسامية من بين آلاف القاصرات اللواتي يجبرن على الزواج في سن الطفولة في اليمن... الفقر سبب رئيسي في انتشار هذه الظاهرة، لدرجة أن الأب يزوج ابنته بطريقة أشبه إلى البيع

تقول نور: "لم تكن لدي الرغبة في الزواج، ولم أستطع تحمل البقاء أكثر من ليلة واحدة على الرغم من محاولات أهلي الضغط علي لكي أرجع، خوفاً من طلبه تعويض ما خسره". وتضيف: "والدي يعارض طلاقي بينما أخي ووالدتي يدعماني للحصول عليه".

تشرح الدكتورة النسائية أروى الربيع الوضع الطبي، قائلة: "الفتاة التي تتزوج قبل سن الثامنة عشرة من عمرها - أي قبل اكتمال نمو جهازها التناسلي - تكون معرضة لأمراض عدة، منها الإجهاض والتهابات حوضية مزمنة".

هذه الطبيبة تصادف "يومياً حالات عدة لفتيات تزوجن مبكراً، تصل أحياناً إلى 20 حالة في اليوم".

"أن تعيش ابنته عفيفةً مستورة في بيت زوجها"

ترى ابتهال محمد، المحامية والناشطة الحقوقية أن البداية تكون بدعم كل فتاة ترغب في كسر إرادة أسرتها بتزويجها وهي صغيرة.

بينما يعارض شيخ الدين محمد اليوسفي أي دعم أو مساندة للفتاة، ويعتبره تعدياً على الدين.

"لسنا أعلم من رب العالمين لنستحدث شيئاً لم يأت به في كتابه أو في سنّة رسوله".

ويزيد اليوسفي: "من يطالب بتحديد سن الزواج أو يساعد الفتاة على التمرد والطلاق من زوجها بحجة أنها قاصر، يتعدَّ حدود الله وينتهك حق الأب في أن تعيش ابنته عفيفةً مستورة في بيت زوجها".

جميلة وسعاد ورنا: فقر وألم وشلل وأحلام قُتلت

جميلة علي، 13 سنة، طالبة في الصف السابع، عقد قرانها وأُرغمت على التخلي عن حلمها في إكمال تعليمها.

تنتظر جميلة زفافها بعد ثلاثة أشهر لا لشيء أو لرغبة منها، بل بسبب ظلم حسب وصفها يمارس عليها من إخوانها ومن أبيها الذي يعاني من مرض نفسي.

تتحدث جميلة بصعوبة وهي تتأتئ: "لو كان والدي بخير لما كان ليسمح بتزويجي وإخراجي من المدرسة ولا كان ليحدث ذلك أبداً".

لم يستطع معد التحقيق التحدث مع سعاد خالد، 16 سنة التي أصيبت بالشلل نتيجة الحمل والولادة بعد إرغامها على الزواج ولم تبلغ 15 سنة بعد.

تتجرع الآن مرارة إرضاع طفلتها في ظل عجزها ومرضها. الفقر هو الذي دفع والدها إلى تزويجها.

عن الفقر

تسرد قصة سعاد أختها الصغرى سمر، 13 سنة، تقول سمر: "أختي مشلولة وأبي لا يزورها أبداً وهو لا يعمل ويضربنا في حال لم تعد أمي التي تعمل في مستشفى لتأمين احتياجاتنا، بأكل ومبلغ من المال".

"أخاف أن يزوّجني والدي مثلما زوّج أختي سعاد، وأخاف أن أصاب بالشلل"، تقول سمر.

يقول الدكتور شوقي القاضي عضو مجلس النواب عن كتلة الإصلاح، أن الفقر سبب رئيسي في انتشار ظاهرة زواج القاصرات. ويتابع: "يزوّج الأب ابنته بطريقة أشبه بالبيع"، وهو ما حصل مع سعاد.

تقول رنا عبدالله السعيدي، الناشطة الحقوقية، إن زواج القاصرات في حالات كثيرة بيع وشراء في بيئة تكون في الغالب فقيرة، ويكون الأطفال، لا سيما البنات، الحلقة الأضعف.

هذا ما تؤكده سعاد يعقوب، مختصّة اجتماعية وموظفة في مؤسسة أجيال المعنية بالطفولة.

عمل يعقوب يقتضي مقابلة الأسر بعد اكتشاف حالات زواج مبكر لمعرفة الأسباب ومحاولة تلافيها إذا أمكن.

في رأيها، حين يجتمع الجهل والفقر يسببان هذه الظاهرة.

فعدم وعي الأسرة بخطورة هذا الأمر وضرره على الطفلة، يأتي في المقام الأول ومحاولة توعيتهم أصبحت أمراً صعباً، في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية والحرب التي يعيشها البلد. فالآباء، حسب يعقوب، يتخذون زواج بناتهم وسيلة للعيش فيضطر الأب لتزويج ابنته مقابل أي مبلغ وبأي شخص، ليحصل من الزواج على قوت أسرته، والأمر الآخر أنه ويتخلص من فرد يصرف عليه من أفراد الأسرة.

أرقام مخيفة

ظاهرة زواج القاصرات تزداد في اليمن بحسب إحصاءات هيومن رايتس ووتش. وبحسب التقرير، فقد كثرت نسبة زواج القاصرات تحت 18 سنة، ونصف حالات الزواج المسجلة، كان عام 2013. وقد زاد انتشار الأمر مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة، والحرب الدائرة التي يعيشها اليمن منذ عامين، بحسب محمد الأسعدي الناطق الرسمي باسم اليونيسيف في اليمن.

يقول الأسعدي: "هذه أرقام مخيفة. أجرينا دراسة العام الماضي، واتضح أن 72% من الحالات التي دُرست تم تزويج الفتيات فيها تحت سن الثامنة عشرة، وهو رقم كبير تضاعف عما كان عليه الوضع قبل الحرب". ويضيف: "الأطفال الصغار يتزوجون بشكل هائل بين النازحين الذين اضطروا لترك منازلهم وقراهم ومدنهم بسبب الصراع الحاصل".

أسباب انتشار الظاهرة

"الحرب والجوع والفقر وانقطاع المرتبات وتسرب الفتيات من المدارس وانتشار الوعي الوهابي والسلفي واستبداد العادات والتقاليد تزيد من التحديات التي تجب مواجهتها وإزاحتها قدر المستطاع"، يقول الحاشد.

بينما يقول الأسعدي: "بسبب الفقر والصراع، تضطر الأسر لتزويج صغارها تخفيفاً من العبء الاقتصادي عليها، وأيضاً بسبب الجهل والتخلف التنموي وغياب الوعي وهي أسباب فاقمتها الحرب وحولتها أزمةً معقدة ومتداخلة".

صرح ستيفن أوبراين، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة، بأن زواج الصغيرات من قبل الأسر في اليمن يتزايد لتوفير طعام شخص، ولاستخدام مهر الزواج لدفع ثمن الضروريات.

وقدّر جيرت كابيلير المدير الإقليمي لليونيسيف لمنطقة الشرق الأوسط في حديث صحافي، زيادة بنسبة 20% في حالات إجبار الفتيات القاصرات على الزواج في اليمن منذ اندلاع الحرب. فيما حذرت منظمة أوكسفام من تزايد ظاهرة الزواج المبكر وخطره في اليمن في دراسة أجرتها مطلع العام الماضي، ذكرت فيها أن العوز والوضع الاقتصادي الصعب والسعي إلى توفير دخل للعائلة وحماية البنات من التحرش من أهم الأسباب التي أدت إلى رتفاع حالات زواج الفتيات المبكر.

أما عن دور السلطة التشريعية في اليمن حول ما يحصل، فيقول الحاشد: "كان لتحالف صالح وحزب الإصلاح دور في هذا التراجع الصادم إلى درجة رفض المساواة بين الرجل والمرأة حتى في الديات والأروش، واستمرار السماح بزواج القاصرات وهو ما تمكن من فرضه التيار المتشدد في حزب الإصلاح ولا زال الوضع قائماً إلى اليوم".

وتبقى أرقام زواج القاصرات في ازدياد مع تردي الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في بلد أنهكته الحرب وقسا على صغيراته الزمن.

تم إنجاز هذا التحقيق بدعم من شبكة إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية (أريج)- www.arij.net وبإشراف الزميل محمد الكوماني.

التعليقات

المقال التالي