هل يصبح الإجهاض خياراً مباحاً للمرأة في مصر؟

هل يصبح الإجهاض خياراً مباحاً للمرأة في مصر؟

يناقش البرلمان المصري مشروع قانون للإجهاض، وذلك بشروط كالخطر على حياة الأم أو إصابة جنينها بتشوهات في الأشهر الأربعة الأولى، أما غير ذلك فلا يحق لها أن تجهض.

يعتبر المقترح المقدم من النائب أيمن أبو العلا، القانون المصري الأول الذي يقونن الإجهاض، حيث لم يكن مسموحاً به من قبل، وكانت تصل العقوبة على من اشترك في الإجهاض إلى السجن بين يوم و3 سنوات، وذلك بحسب مواد قانون العقوبات 260 و261 و262.


ويجيز القانون المقترح للإجهاض الآمن في مصر، أن تجهض المرأة في حالتين: الأولى أن يكون استمرار الحمل خطراً على حياتها، والثانية ثبوت حالة تشوه تؤثر في حياة الجنين.

المقترح الذي ما زال في مرحلة الدراسة داخل البرلمان، من المفترض أن يلحظ تغليظ العقوبة على المجهِضة ومَن يشارك في عملية الإجهاض، تطبيقاً لمبدإ "الحق في الحياة". لا يوجد استثناء في مشروع القانون السابق، إلّا أن لائحة آداب المهنة الخاصة بالأطباء تجيز للطبيب إجهاض الحامل في حال تعرض حياتها أو صحتها للخطر، أما إذا لجأت إلى طبيب للإجهاض بطريقة سرية (غير قانونية)، فتتعرض لعقوبة قد تصل إلى السجن المشدد.

ولم يتطرق القانون إلى تشريع الإجهاض للحمل غير المرغوب فيه في مستشفيات آمنة إذا كانت الحامل متزوجة، أو من الناجيات من الاغتصاب سواء من القريب أو من البعيد.

وفي السياق ذاته، يرى المحامي والحقوقي أحمد أبو المجد، أن الإجهاض حق المرأة أن تقرره وقت ما تشاء لأنه حق لصيق بجسدها، وهذا لا يمنع التشاور مع الزوج فيه، لكن القرار النهائي لها.  

ويضيف لرصيف22، أن تجريم الدولة الإجهاض تجاوزٌ لمفهوم العقد الاجتماعي والحريات الفردية والشخصية وترسيخ للصورة الذهنية بأن المرأة وعاء للإنجاب، الأمر الذي يخلق مشكلة وجود "أطفال غير مرغوب فيهم"، وتترتب على ذلك معاناة للأطراف كافة.

حصر الإجهاض في العلاقات غير الرسمية

تعتبر إجازة الإجهاض بعيداً من مسألتي الحفاظ على حياة الأم أو تشوه الجنين، أمراً شائكاً ومناقشته صعبة، نتيجة إضفاء صبغة دينية على الأمر برمته، بدءاً من حدوث الحمل إلى سبب الإجهاض، فضلاً عن حصر الغالبية رغبة المرأة في الإجهاض بأن الحمل نتيجة علاقة غير شرعية لذلك تسعى إلى التخلص منه خوفاً من "الفضيحة".

يرى أبو المجد، أن المشرع لا يفكر إلا في حالة واحدة للإجهاض الآمن وهي "علاقة جنسية غير رسمية"، بينما هناك أسباب عدة تدفع المرأة إلى الإجهاض.

في نوفمبر 2016، حررت الحكومة المصرية سعر صرف العملة الأجنبية، ونتيجة لذلك حدثت أزمة في نقص وسائل تنظيم الأسرة (منع الحمل) في السوقين الحكومية (المدعومة) والخاصة معاً، واستمرت الأزمة بضعة أسابيع وتضخمت الأسعار في السوق غير الرسمية إلى 500%، إلى أن سيطرت وزارة الصحة على الوضع بعد أن رفعت الأسعار نتيجة ارتفاع الفارق بين الجنيه والدولار.

الإجهاض يمكن أن يكون بدافع التخفّف من أعباء مالية يضيفها الحمل إلى الأسرة، وهي غير قادرة على تحملها، أو ولادة طفل مشوه أو مصاب بمرض خطير وتجاوز المدة التي حددها القانون، أو إلى إرهاق الأم في غير الأحوال التي يقررها القانون، كذلك يمكن أن يكون بدافع حماية الشرف أو أن يكون الطفل ثمرة علاقة جنس محارم أو اغتصاب، يقول أبو المجد.

أقوال جاهزة

شارك غردحررت الحكومة سعر صرف الجنيه ونتيجة لذلك حدثت أزمة في نقص وسائل منع الحمل وتضخمت الأسعار في السوق

شارك غردالمشرع لا يفكر إلا في حالة واحدة للإجهاض الآمن وهي "علاقة جنسية غير رسمية"، بينما هناك أسباب عدة تدفع المرأة إلى الإجهاض

شارك غردتجريم الدولة الإجهاض تجاوزٌ لمفهوم العقد الاجتماعي والحريات الفردية والشخصية وترسيخ للصورة الذهنية بأن المرأة وعاء للإنجاب

حوالي 12% من السيدات لديهن رغبة لا تُلبّى في تأجيل الإنجاب

لا توجد إحصاءات دقيقة حتى الآن توثق عمليات الإجهاض غير الآمن، يعود ذلك إلى إجرائها في سرية تامة، وغالبية الأرقام رصدت نتيجة استشارات أو حالات توجهت إلى مراكز حقوقية.

لكن هناك هيئات ومؤسسات سجلت بعض نتائج حالات الإجهاض، ووفقاً لتقرير أعدته هيئة المعونة الأميركية، مستنداً إلى سجلات رسمية، فإن 15 سيدة من كل 1000 تتراوح أعمارهن بين 15- 44، لجأن إلى المستشفيات نتيجة حدوث مضاعفات صحية تعرضن لها بعد الإجهاض غير الآمن.

تصل نسب الإجهاض في مصر إلى 14.8% لكل 100 مولود، فيما قالت وزارة الصحة أن الإجهاض تسبب في 1.9% من الوفيات المتعلقة برعاية الأمومة عام 2006، وذلك بحسب دراسة أعدها المجلس الدولي للسكان بالتعاون مع الجمعية المصرية لرعاية الخصوبة.

وفي بيان للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بداية عام 2017، قال أن 12.6% من السيدات لديهن رغبة لا تلبّى في الحصول على وسائل تنظيم الأسرة، إما لأسباب شخصية أو اجتماعية أو لعدم توافرها، لكنهن في الحقيقة يرغبن في تأجيل الإنجاب ثانية أو إيقافه كلياً.

على إثر ما سبق، تخضع نساء كثيرات لعمليات إجهاض (غير قانونية) في أماكن غير آمنة بصورة سرية خوفاً من المجتمع والقانون، ما يجعلهن عرضة لمضايقات نفسية ومالية وأحيانا جنسية، وتكون النتيجة إصابتهن بمضاعفات جسدية، على سبيل المثل لا الحصر الإصابة بالعدوى وتضرر الجهاز التناسلي.

"الإجهاض الآمن" هل يمنع الجرائم؟

في السياق ذاته، يقول رضا الدنبوقي، مدير مركز المرأة للإرشاد، لرصيف22، أن المطالبة الحقوقية بتفعيل "الإجهاض الآمن"، هي لإعطاء الأم حق تقرير المصير، وللحد من حالات الوفاة وأماكن الإجهاض السرية التي تعمل بعيداً من الرقابة.

ويرى أن الدولة إذا شرّعت الإجهاض الآمن (حتى في حالات محددة) تحت إشراف حكومي، ستمنع حصول جرائم عدة تحدث في الخفاء نتيجة إجهاض المرأة في عيادة أو مستشفى غير آمن، وما يلحق ذلك من إنفاق أموال في طرائق غير مشروعة ووصم للمرأة.

" أمام إجهاض غير آمن يحدث بشكل شبه يومي، وسيحدث دائماً، لذا يجب أن نفكر في البديل وتوفير الدولة مستشفيات آمنة بما أقره الدستور والقانون"، يقول الدنبوقي.

يعتقد الدنبوقي أن المجتمع والقانون يحمّلان المرأة دون الرجل نتائج أخطاء عدة، بداية من إقامة علاقة حميمية مع شاب من دون زواج، وصولاً إلى الحمل من زوجها لعدم قدرتها أو نسيانها شراء عقاقير طبية أو سائل منع الحمل.

بعد الإجهاض... كيف تكون المرأة؟

على الرغم من أن سبب الإجهاض يختلف بين امرأة وأخرى، إلّا أن له في جميع الحالات مضاعفات وتصاب المرأة باكتئاب بعده، توضح الدكتورة هبة عيسوي أستاذة الطب النفسي في جامعة عين شمس، ذلك لأن النساء بغالبيتهن يتعرضن لمشكلات نفسية بعد الإجهاض، سواء كن يرغبن فيه أو يُرغمن عليه.

وتقول أن الإجهاض يمكن أن يحصل لسببين: الأول، الحمل نتيجة علاقة غير شرعية، سواء كان بالموافقة أو نتيجة اغتصاب أو زنا محارم، وقبل الإجهاض تحاول المرأة إخفاء مشاعرها المتضاربة، والأمر أشبه بارتكاب جريمة وإخفاء آثارها، وبعد الإجهاض تكون مشاعرها مختلطة بين الحزن وراحة البال والتوتر بسبب التخلص من مشكلة كبيرة.

الثاني، أن يكون الحمل داخل إطار الزواج وتكون الأم في أشد الحاجة إلى الجنين لكن الزوج يُصر على إجهاضها لسبب ما، وتشعر المرأة أثناء الإجهاض بأعلى درجات القهر الشديد وينتابها شعور بالخيانة من زوجها، وتترتب على الأمر آلام نفسية لفترة طويلة.

وفي حالات عدة، تضطر الأم برضا الأب والاتفاق معه على إجهاض الجنين وذلك لوجود أكثر من طفل أو لعدم قدرتهما على تحمل أعباء مصاريفه، توضح أستاذة الطب النفسي لرصيف22، أن الأم بعد الإجهاض تصبح في حالة عصبية وتغضب لأتفه الأسباب من زوجها، وتحمّله أسباب فقدان الطفل، والزوج لا يفهم أو يعي معنى تضارب موقفها بين القبول قبل الإجهاض وتحميله المسؤولية بعده.

تشديد العقوبة أو إتاحة حق تقرير المصير؟

حتى الآن لم تشرع الدولة القانونَ، لكن ماذا لو أجازت الإجهاض الآمن؟

يقول أبو المجد: "بالتأكيد في البداية سيُقابل برفض المجتمع، ثم ستحصل تجاوزات، لكن مع وجود قانون سيترسّخ الحق، وبمجهود متواصل من المؤسسات المعنية في كشف أخطاء الممارسة، ستحصل المرأة على حقها في الإجهاض الآمن".

ويرى أن القانون كثيراً ما يكون قاطرة المجتمعات لتطورها لأن المشرعين من نخبة المجتمع، فمثلا تم تجريم الختان، وكانت هناك مخالفات، لكن مع الوقت وبالتدريب والمتابعة التزم الجميع بالقانون، وهو ما سيحدث مع الإجهاض الآمن في حال تشريعه وتنظيمه.

استطاعت دول عالمية الحد من الإجهاض وذلك عبر إجازته في مستشفيات آمنة، بعيداً من تشديد العقوبة، وظهر أن النسبة انخفضت من 46% إلى 27%.

أما في دول العالم النامي فالوضع على ما هو عليه، ولم يتأثر بالعقوبات المشددة، وهناك حالة إجهاض آمنة واحدة فقط من بين كل 4 حالات، وتتبع ذلك مضاعفات عدة، فضلاً عن غياب الرعاية الصحية اللازمة بعد إنهاء الحمل. أما في الدول التي يكون فيها الإجهاض قانونياً، فيرتفع العدد إلى حوالى 9 من أصل 10 حالات إجهاض، بحسب منظمة الصحة العالمية.

التعليقات

المقال التالي