حكايات مؤلمة من دفتر أحوال أجنبيات تزوجن بمصريين

حكايات مؤلمة من دفتر أحوال أجنبيات تزوجن بمصريين

 

كانت البداية مبهرة، فقد شغف قلبها حباً منذ اللحظة الأولى، لم تفكر كثيراً في اختلاف جنسيتيهما، فهو شاب طموح إلى السفر إلى إحدى الدول الأوروبية، كما أنه حبيب مخلص يجيد اختيار كلماته الحلوة. بذلك تمت الزيجة بين صفاء، اسم مستعار، أردنية الجنسية ومصري.

انتقلت صفاء للإقامة برفقة زوجها في الدولة الأوروبية التي عاشت فيها وأنجبت أبناءها، لكن سحر البدايات تبدد أمام قسوة الزوج وعنفه في التعامل معها، فضلاً عن الأكثر إيلاماً وفقاً لصفاء: "لم يكن مخلصاً لي يوماً، فقد كان متعدد العلاقة النسائية" تقول لرصيف22.

شعرت الإهانة.

ومع تكرار اعتدائه الجسدي عليها زادت كراهيتها له وفكرت في الانفصال.

هنا جن جنون الزوج وقرر الانتقام.

تكمل صفاء حديثها، مغالبة دموعها وتقول: "طلب مني زوجي مرافقته لزيارة أسرته في مصر، المقيمة في إحدى القرى، فاستجبت لرغبته على أساس أنها مجرد زيارة سوف أعود بعدها لإكمال إجراءات الانفصال، إلا أنها كانت سجناً أبدياً ما زلت عالقة فيه وأناضل من أجل البقاء حية برفقة أبنائي".

الصدمة التي تعرضت لها صفاء تمثلت في العيش في مستوى اجتماعي واقتصادي يقل كثيراً عن المستوى الذي نشأت فيه.

تقول صفاء: "أموت كل يوم ألف مرة عندما أشاهد أبنائي يعيشون في هذا المستوى المتدني".

عبثاً حاولت الهروب من محبسها الذي وضعها زوجها فيه وعاد إلى أوروبا.

سافر الزوج وتركها في مصر من دون إقامة ولا أوراق ثبوتية.

"نجحت في استخراج غيرها سراً، كما نجحت في شراء هاتف أتواصل من خلاله مع أسرتي في الأردن، رغم مراقبته المستمرة من خلال أقاربه، والذين نجحت في التكيف معهم، وكان بين الحين والآخر يزور مصر لأتلقى نصيبي من العنف منه، فضلاً عن التهديد بحرماني من أبنائي".

تقول صفاء أن أفراد أسرتها حضروا من الأردن لزيارتها وشعروا بالحسرة على حالها، إلا أنهم لم يتمكنوا من تحريرها من محبسها. أخيراً وكّلت محامياً من أجل رفع قضية طلاق ولكن يبقى الأصعب.

"أخشى من صدور حكم قضائي بتطليقي، وأخشى حينئذ من خسارة حياتي".

رضا الدنبوقي، المدير التنفيذي لمركز المرأة للإرشاد والتوعية القانونية، والمحامي المتطوع لمساعدة صفاء، أشار في حديثه إلى رصيف22، إلى تكرار حالات الزوجات الأجنبيات الراغبات في الحصول على الطلاق من أزواجهن المصريين وضغط أزواجهن عليهن، خصوصاً في حالة وجود أبناء فتكون الزوجة أسيرة خيارين كلاهما مر؛ وهما الطلاق وفقدان أبنائها إلى الأبد أو الحياة في ذل الزوج وعنفه.

يقول الدنبوقي أن القانون يسمح للزوجة الأجنبية بتجديد إقامتها، ولكن هناك تعليمات شفهية غير مكتوبة تمنع ذلك؛ وهو ما يحرم زوجات كثيرات من حقوقهن القانونية إذا رغبن في الحصول على الطلاق.

من هذه الحقوق توكيل محام وتحريك دعوى قضائية، أما فاطمة فهي عالقة بسبب عدم قدرتها على تجديد إقامتها ولا توكيل محام لإثبات صحة الزواج وللمطالبة بحضانة ابنتها.

يقول الدنبوقي أن معاناة الأجنبيات المتزوجات بمصريين تعتبر نموذجاً واقعياً للعنف الممارس عليهن، وهو سبب في الامتثال لطلبات الزوج أياً كانت.

وتابع: "لا بد من الالتزام بتمكين السيدات من حقهن في الحركة والتنقل وفق نصوص الدستور والاتفاقات الدولية، وعدم الانصياع للوائح الداخلية وقرارات وزير الداخلية التي لا ترقى إلى مرتبة القانون".

وأضاف أن المشكلة أيضاً تكمن في عدم استجابة مأموريات الشهر العقاري والتوثيق في عمل وكالة رسمية لهن عند عدم تجديد الإقامة، وتتغلب عليها نساء بوكالة رسمية من سفارات بلدانهن.

النصب باسم الحب

قصة صفاء الأردنية بكل ما فيها من ألم ليست الوحيدة. ففاطمة هي الأخرى تشاركها المعاناة ولكن بظروف أكثر قسوة،

شاركت فاطمة رصيف22 تجربتها، بالاسم الذي اختارته لنفسها بعد إشهار إسلامها لكي تتزوج الشاب المصري الذي أحبته بقوة أعمتها عن تفاصيل مهمة كثيرة.

عمر فاطمة 22 سنة، تحمل الجنسية الكولومبية، تزوجت في سن مبكرة بشاب من جنسيتها نفسها، إلا أن الزيجة لم تستمر طويلاً، وأنجبت فتاة أصبحت مسؤولة عنها تماماً بعد الطلاق.

تقول فاطمة: "أكملت تعليمي وتمكنت من العمل في إحدى الشركات السياحية، وكان لدي دخل مادي جيد، ثم التقيت "محمداً" الشاب المصري الذي قال لي أنه يعمل في مجال السياحة، فأحببته بشدة وقررت الزواج به بعد إشهار إسلامي وارتداء النقاب".

انتقلت فاطمة بصحبة ابنتها من زيجتها الأولى للإقامة مع زوجها في إحدى قرى محافظة الجيزة، في المنزل نفسه الذي تعيش فيه أسرة زوجها.

لم يمر وقت طويل حتى حملت بطفلها الثاني وفي الوقت نفسه، بدأت الخلافات مع زوجها، بسبب علاقاته النسائية المتعددة مع سيدات أجنبيات، فضلاً عن بخله الشديد.

زادت حدة الخلاف عندما أنجبت فتاة وهو ما يخالف رغبة الزوج.

تقول فاطمة: "طلبت من زوجي تطليقي لأعود إلى كولومبيا برفقة ابنتي، لكنه اختطف ابنته وتركني بلا إقامة ولا وثيقة زواج؛ وتبين في ما بعد أن الزواج غير موثق، وطردني من المنزل وما زلت عالقة منذ ذلك الحين وأقيم لدى صديقة لي".

يختنق صوتها بسبب دموعها وهي تشاهد صورة ابنتها المخطوفة، ويقاطعها نداء ابنتها الكبرى الجائعة؛ والتي لا تملك ثمن إطعامها ولا وثائق رسمية تمكنها من إلحاقها بالمدرسة.

خداع السوريات

"تصلني حالات كثيرة من سوريات يتعرضن للاستغلال من أزواجهن المصريين الذين يخدعونهن بأن الزواج العرفي يمكن أن يساعدهن في الحصول على إقامة وتقنين أوضاعهن"، تقول رباب عبده، المحامية ومسؤولة ملف المرأة في الجمعية المصرية لمساعدة الأحداث، والتي أوضحت أن القانون لا يعترف بزواج الأجنبيات العرفي.

أقوال جاهزة

شارك غرد"تصلني حالات كثيرة من سوريات يتعرضن للاستغلال من أزواجهن المصريين الذين يخدعونهن بأن الزواج العرفي يمكن أن يساعدهن"

شارك غردالقانون يسمح للزوجة الأجنبية بتجديد إقامتها، ولكن تعليمات شفهية تمنع ذلك ما يحرم زوجات من حقوقهن القانونية إذا رغبن بالطلاق

ووصفت عبده الأمر بأنه استغلال لظروف اللاجئات السوريات من حيث اكتفاء الزوج باستئجار شقة من دون منح الزوجة أي حق مادي من دفع مقدم ومؤخر، هذا إضافة إلى العنف الجسدي الواقع على الزوجة السورية؛ والتي في الغالب تكون زوجة ثانية.

وتضيف: "في نظام الإقامات الحالي تضييق كبير؛ نظراً إلى التهديد الأمني للجماعات الإرهابية، لذلك أصبحت الإقامات تتم إما من خلال تأسيس شركات في وزارة الاستثمار، أو استخراج تأشيرة سياحية أو تعليمية تجدد سنوياً، لكن هناك عقبات وتضييق في تجديدها؛ لذلك الزواج بمصري هو المخرج بالنسبة إلى كثيرات للحصول على إقامة".

تروي عبده قصة سيدة فقدت جميع سبل التواصل معها بعد إتلاف زوجها هاتفها المحمول، وتعرضت لعنف جسدي شديد، وطلقها زوجها شفهياً ويعيش معها في المنزل نفسه.

تقول لرصيف22: "عندما علم الزوج بلجوئها إلي هددني، واختفت منذ ذلك الحين، وكان كل أملها إثبات الطلاق والهروب من قبضته. ولم تكن هذه الحالة الوحيدة، فقد لجأت إلي سيدات أخريات وقعن في الأمر نفسه، واختفين أيضاً بسبب تهديد أزواجهن".

مأزق تجديد الإقامة

لم تعرف في حياتها سوى القوة؛ أياً كانت الظروف.

فوزية، اسم مستعار لسيدة مغربية أحبت رجلاً مصرياً ربطتها به صلة نسب غير مباشرة، لم تشعر بأي اختلاف بسبب الجنسية، وعاشت معه في إحدى مدن محافظة البحر الأحمر لمدة 16 سنة.

تقول فوزية: "تفاجأت في سنوات زواجنا الأولى ببخله وديونه البنكية، فضلاً عن بطالته؛ ما دفعني إلى تدريس اللغة الفرنسية في بعض المدارس. ومع مرور الأيام، أحببت الحياة في مصر وتكيفت معها، بخاصة بعد إنجاب أبنائي، فتحسنت أحواله المادية وظهرت طباعه السيئة من العلاقات النسائية المتعددة إلى تكرار زيجاته العرفية... وهو ما لم أتقبله".

تكمل أنها لم تعد ترغب في الحياة مع زوجها الذي نجحت في انتزاع وثائقها المهمة من بين يديه، لكن الإقامة هي هاجسها.

تقول: "لم أتمكن من تجديد إقامتي لأن زوجي هو المسؤول عن ذلك، ويهددني دائماً بالإبلاغ عني وانتزاع أولادي مني، كما أنني لا يمكنني العمل من دونها لأن وضعي غير مقونن، وكنت كلما طلبت منه منحي الجنسية المصرية رفض بحجج واهية؛ لكي يصبح متحكماً في حياتي".

اختتمت فوزية حديثها وهي تعبر عن حلمها في الحصول على الجنسية المصرية والحياة برفقة أبنائها في بلدهم.

صحفية ومدونة عملت في عدة صحف ومواقع إلكترونية منها روزاليوسف والوطن والتحرير.. حصلت على العديد من الدورات التدريبية مع رويترز ودويتشه فيليه ومركز كمال أدهم للصحافة التلفزيونية في الجامعة الأمريكية وحصلت على أكثر من جائزة دولية.

كلمات مفتاحية
حقوق المرأة

التعليقات

المقال التالي