يكفي أن نرفع إصبعاً ليركضوا لخدمتنا، هم رفعوا العشرة و...لا شيء

يكفي أن نرفع إصبعاً ليركضوا لخدمتنا، هم رفعوا العشرة و...لا شيء

يتنقّلون بين الطاولات، يلبّون الرغبات، ويسجّلون الطلبات. ابتسامة ترتسم على شفاههم (في أغلب الأحيان). يناديهم الجميع (ليس بالضرورة بالاسم بل قد يكتفي أحدهم برفع يده كأنّه يطلب النّجدة أو يريد المساعدة العاجلة).

هذه هي ملامح وتحرّكات نُدل المقهى أو الحانة. في تونس، تبدو هذه المهنة من أكثر المهن التي تتطلّب عناءً وقدرة كبيرة على الاستماع إلى الآخرين.


هل نعرف أي شيء عن النادل الذي خدمنا؟ هل ننظر في عينيه عند طلب الطعام؟ هل نحفظ ملامحه؟ هل ندرك المعاناة التي يتعرض لها بين زبون وآخر؟ هل نعلم أنه هو أيضاً لديه مشاكل وهموم؟

أسئلة قد تبدو غريبة وخالية من المعنى للبعض، لكنّها تستمدّ مشروعيّتها وتتوضّح أسباب طرحها إذا ما سلّطنا الضوء على هذه المهنة.

3 حكايات، 3 نُدل، 3 مشاكل اجتماعية

محبوب من الجميع ولكن...

إنّ المتمعّن في شريحة أعمار النُدل في المقاهي والحانات في تونس، يلاحظ بسهولة أنّ معظمهم من الشباب، وخاصّة في الأماكن التي تعتبر أماكن سهرات وحفلات. ولكنّ المحيّر هو هذا العدد المتزايد من القاصرين الذين ينقطعون عن الدراسة ليتوجّهوا (أو ليُوَجَّهُوا) إلى هذه المهنة.

محمّد (17 سنة) لم يكن متفوّقاً في الدراسة، رغب في الالتحاق بالتّكوين المهنيّ ولكنّ والده أصرّ على أن "يكسب قوته بيده". في هذا السياق، يقول محمّد "الظروف العائليّة المترديّة هي التي أجبرتني على العمل كنادل. أشتغل في هذا المقهى منذ سنة وأتلقّى 10 دنانير يومياً". تخلّى محمّد عن مقاعد الدراسة ليكسب ما يعادل 3 دولارات تقريباً. وهو، وان كان يتحسّر على المدرسة، يبدو راضياً إذا ما قارن نفسه "بأبناء حومتو (أبناء حيّه)" مثلما يقول.

أقوال جاهزة

شارك غردتخلّى محمّد -17 عام- عن مقاعد الدراسة ليكسب ما يعادل 3 دولارات تقريباً كنادل في مقهى

شارك غرد"أجد نفسي في مواقف محرجة وعرضة للنظرات الوقحة وللحركات اللاأخلاقيّة" رحاب، 28 سنة، نادلة

"أنا أفضل بكثير من أبناء جيراني، كثير منهم يشتغلون عند ميكانيكيّ أو حلاّق، أو نجار، وهي مهن لا يمكن أن يكسبوا فيها مثل مهنتي كنادل". هكذا يقيّم ذو السبعة عشر ربيعاً الموقف بابتسامة ساذجة تدلّ على لامبالاة تامّة.

ثمّ يضيف "أنا محبوب، يحبّني زبائن المقهى وقد حفظت كلّ أنواع القهوة وطلباتهم أحضرها قبل أن يجلسوا. لكنّ وخزاً في قلبي أحسّ به كلّما تذكّرت المعهد والدراسة سرعان ما يتلاشى مع ضغط العمل وكثرة الطلبات". هكذا يزيح الشاب عن وجهه تجهّمه بضحكة تبدو مصطنعة أراد أن يتخفّى خلفها لكي لا يظهر حزنه".

لا توجد إحصائيات واضحة عن عدد الشباب الذين يعانون من نفس مشكلة محمّد، لذلك فإنّ أصحاب المقاهي يستغلّون صمت وتجاهل الجهات المسؤولة لتشغيل هؤلاء الشبان بأجور زهيدة.

وهو ما يؤكّده محمّد: "أنا محسوب نخدم في النوار (أنا أعمل دون أيّ تغطية اجتماعيّة)" رفض مواصلة الحوار عندما تعرّضنا لهذه النّقطة خوفاً من ربّ العمل ولكنني ذكّرته أنّ شهادته ستكون باسم مستعار فتشجّع مواصلاً "10 دنانير (4 دولارات) يومياً أتسلّمها بعد أن أنهي العمل. أعلم أنّ هذا غير قانوني وأنّ صاحب المقهى يستغلّني ولكن ما باليد حيلة".

قد يجبر العديد من الشباب، مثل محمّد، على الخضوع لربّ العمل خوفاً من الطّرد والبقاء من دون أيّ مدخول. لكن ثمّة من توجّه إلى مهنة النادل عن قناعة وهو يعتبرها فناً قبل كلّ شيء على صاحبه أن يتمكّن من مجموعة من العناصر لتأدية مهماته على أكمل وجه.

خادم القوم سيّدهم

"خادم القوم سيّدهم"، هذا هو شعار لطفي (41 سنة) الذي يشتغل في أحد المقاهي الفخمة بالعاصمة. سألته عن سرّ حبّه لهذه المهنة، فأكّد لي أنّ "مهنة النادل فنّ، فأن تخدم وتلبّي طلبات الزبون ليست مهمّة سهلة ومتاحة للجميع".

منذ أكثر من ثماني سنوات تقريباً، يمارس لطفي مهنته وقد تنقّل بين العديد من المقاهي إلى أن استقرّ منذ أربع سنوات في نفس المكان. عن تجربته يقول: "طبعاً، عندما بدأت واجهت عدّة صعوبات وهي تفاصيل صغيرة ومضحكة في بعض الأحيان، ولكنّها تظلّ عالقة مع ذكريات البدايات: طريقة حمل الطبق، حفظ الطلبات وغيرهما من الأمور الأخرى التي تعوّدت عليها مع مرور السنوات". لطفي أب لطفلين ويتقاضى مرتّباً شهرياً مقداره 500 دينار (200 دولار) "أنا مسجّل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي منذ أن بدأت العمل هنا. كان ذلك اتفاقاً بيني وبين صاحب المقهى". وعن أهمّ الخصال التي يجب أن يتمتّع بها النادل ليكون ناجحاً في عمله، يخبرنا لطفي "النادل يجب أن يكون انيقاً ومبتسماً على الدوام. باختصار عليه أن ينزع مشاكله ويتركها خارج المقهى".

هذه الخصال التي تحدّث عنها لطفي، كثيراً ما أصبحت ضرورة للعمل في المقاهي الفاخرة التي أخذت تتزايد في تونس في السنوات الأخيرة. فهذه الأماكن، التي يقبل عليها الرجال والنساء بكثافة، تتطلّب هنداماً لائقاً وحسن تصرّف مع الزبائن وهو ما جعل أصحاب المقاهي يعمدون إلى اختيار فتيات لأداء هذه المهمّة.

نظرات قذرة وأحكام مسبقة

بدأ المجتمع التونسي يتعوّد على رؤية نادلات في المقاهي أو الحانات. ولكن هذا لا يمنع أيضاً مجموعة من العراقيل التي تتعرّض لها النادلة. فبالإضافة إلى التّعب وتسلّط صاحب العمل، تبقى الميزوجينيّة والسخرية والتحقير هي أكثر المشاكل انتشاراً.

رحاب (28 سنة)، أثناء المقابلة بدت متوتّرة وقلقة. لاحظتُ أنّها ترتدي بنطلون جينز وحذاءً رياضياً "ستان سميث"، فأخبرتني أنّها مخيّرة في مسألة الزيّ، وأضافت "الوقوف لساعات طويلة وكثرة الطلبات وقلّة النادلين بالمقهى لا يمثّل مشكلة بالنسبة لي. ما يقلقني حقاً، هو الأحكام المسبقة التي رسخت في الأذهان عن الفتاة التي تشتغل كنادلة. في بعض الأحيان، أجد نفسي في مواقف محرجة وعرضة للنظرات الوقحة وقد يصل الأمر إلى الحركات اللاأخلاقيّة التي يقوم بها بعض الزبائن. وعندما أشكو لصاحب المقهى أو من ينوب عنه أُجبر على تجاوز الأمر".

أجر زهيد وجهد مضاعف بين الدراسة والعمل في المقهى، هي حالة تعيشها مئات الفتيات مثل رحاب. والمشكلة الأساسيّة تعود إلى غياب الرقابة على القطاع، لذلك يكون صاحب المقهى أو الحانة هو الطرف الأقوى.

ربّ العمل ضحيّة أم جلاّد؟

شكري (58 سنة)، صاحب مقهى، يقرّ أنّ هناك تجاوزات في حقّ النادل وأنّ حقوق هذه الفئة مهضومة. ويضيف "لا يوجد منظومة قانونيّة واضحة تنصف الطرفين: النادل وصاحب المقهى. أضف إلى ذلك الوضع المتردي الذي تعيشه البلاد، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار المصاريف المتزايدة، فصاحب المقهى يحاول أن يقلّص المصاريف قدر الإمكان وإن كان ذلك على حساب النادل. وعن عدد النادلين بمقهاه يجيب شكري "إنهم ثلاثة، منهم اثنان اتّفقت معهما على أجر يوميّ مقداره عشرة دنانير (4 دولارات).

يبدو أنّ مشكلة النُدل في المقاهي في تونس لن تحلّ الاّ إذا هُيّئت الأرضيّة الملائمة والتي تأخذ بعين الاعتبار جميع التفاصيل. فمن خلال الشهادات، نلاحظ تشعّب المسألة وتعدّد عناصرها. وللسلطات المشرفة أيضاً دور في ما يتعلّق بالرقابة والردع من أجل التقليص من حالات استغلال الشباب مقابل دنانير معدودة.

كلمات مفتاحية
مقهى نادل وظيفة

التعليقات

المقال التالي