"دس العسل في العسل ذاته"... هذه هي دينا الغريب أول دي جي أنثى في مصر

"دس العسل في العسل ذاته"... هذه هي دينا الغريب أول دي جي أنثى في مصر

بروح فتاة عشرينية وابتسامة دائمة، تسحب إحدى الأسطوانات المكدسة في حقيبة لا تفارقها، لتشرع في اللعب على أوتار القلوب، تمزج الموسيقى العربية بالغربية والقديمة بالحديثة والشعبي بالكلاسيكي، ليغوص معها الجمهور في عالم خاص لا ينتهي فيه المرح إلا بنهاية عرضها، حضور حفل واحد لها كفيل بتغيير مزاجك إلى الأفضل، لمَ لا ونحن نتحدث عن دينا الغريب، أول وأشهر "دي جي" في النايت لايف المصرية اليوم.


قصة دينا مع احتراف الدي جي بدأت تدريجياً، ففي عصر شرائط الكاسيت كانت تتولى مسؤولية اختيار الأغاني الملائمة فى مناسبات الأهل والأقارب، حسبما تحكي لـ"رصيف 22"، إلى أن تطور الأمر فأصبحت تتولى تنظيم المقطوعات الموسيقية في حفلاتهم، وفى إحدى المرات عرض عليها طارق المرصفى العمل معه في "after 8" الكافيه الشهير في القاهرة، امتنعت في البداية مؤكدةً عدم تفكيرها في الاحتراف، إنما تقدم ما تحب لإسعاد من حولها، فكان رده: "وهو ده اللي أنا عاوزه".

"الكل عالطربيزة"

مضى على هذا الحوار 13 عاماً، عملت خلالها دينا صلاح الغريب – التي دخلت عامها الثالث والخمسين مؤخراً - في مجال الدي جي، وما تزال، إلا أن إحساس الظهور للمرة الأولى أمام جمهور كان مختلفاً بالنسبة لها، فتوضح أنها قابلت في البداية استفهامات كثيرة عن كيفية دخولها المجال "على الرغم من أنها سيدة"، بحسب ما كان يعلق البعض، قبل أن تزول جميع هذه الأسئلة مع أول عرض لها.

حتى أن الأجيال الشابة التي كانت تستغرب الأمر بعض الشيء باتت هي أيضاً حريصة على حضور حفلاتها – التي تقيمها كل ثلاثاء – للاستمتاع بالألوان الموسيقية التي تقدمها لهم، وتحرص فيها على ملاءمة جميع الأذواق.

تقنية اختيار الأغاني والموسيقى عند أول "دي جي" امرأة في مصر تعتمد على أسلوب "دس العسل في العسل ذاته"، فتفاجىء الحاضرين مرة بمقطع قديم للفنان سيد درويش، أو آخر لأم كلثوم، وغيرهما، أو أغنية من الثمانينات، أو حتى لحن من كينيا أعجبها فأحبت أن يستمتعوا به، لإكسابهم جرعة تنوع ثقافي مختلف.

أقوال جاهزة

شارك غردقابلت دينا استفهامات كثيرة عن كيفية دخولها المجال "لأنها سيدة" قبل أن تزول هذه الأسئلة مع أول عرض لها

شارك غردترفض دينا بعض العروض المغرية لأنها "مش لاقية نفسي فيها"، فأولويتها في مكان ترتاح فيه وجمهور ترتاح له

هذا الأسلوب ليس غرضه التنوع الموسيقي فقط، بل تستخدمه دينا أيضاً كفاصل لإراحة الجمهور من ضغط الأغاني الصاخبة، مؤكدةً في الوقت ذاته أن "المهرجانات" باتت الأكثر طلباً في الفترة الحالية من بين جميع الألوان الموسيقية، إلا أنها تسعى لانتقاء الأفضل منها ليتناسب مع ذوق المستمعين.

شغف دينا بـ"الدي جي" أثار إعجاب الألمان، إذ كانت تشارك في ملتقى موسيقي في برلين، فبينما راحت منافستها "الألمانية – التركية" تتفنن في عرض الموسيقى الغربية، فاجأت دينا الجميع بأغاني الفلكلور المصري لحجازي متقال، وهذا ما قوبل برد فعل "حماسي" حسب وصفها، حتى أن الكثيرين بعد الحفل طلبوا منها التعرف أكثر على موسيقاه، "الفن ملك للجميع".

تحرص دينا أيضاً على متابعة كل جديد على غرار "أوزو" و"تيتو"، وغيرهما، فلكل منهما لونه المختلف واختياراته المتميزة، خاصة أنها ترى "الدي جي" حاضر في مصر ومستقبله واعد، وعلى الرغم من ذلك ترى نفسها بدائية في المجال، فما تزال تفضل الأسطوانات المدمجة التي تحملها في حقيبة كبيرة، لتوزع من خلالها ألوان الموسيقى المختلفة، بعيداً عن التقنيات الحديثة، فعلاقتها بالموسيقى بصرية أكتر منها تقنية.

بعيداً عن الموسيقى

تعد دينا مهتمة أيضاً بالتاريخ والآثار، وكانت قد حصلت على بكالريوس سياحة وفنادق قسم إرشاد سياحي في عام 1986، كما كانت لاعبة كرة يد في منتخب مصر ونادي الطيران حتى بلوغها الـ34 من العمر، وقد مثلت النادي والمنتخب في مباريات محلية ودولية عدة، وعلى الرغم من عدم تحمسها لدخول كلية الفنون الجميلة في السابق، فإن شغفها غلب عليها، فباتت فنانة تشكيلية بارزة.

قدمت الغريب أكثر من 9 معارض فردية، منها في "جاليري مصر"، و"أتيليه القاهرة"، "ومركز الجزيرة للفنون"، والمركز العربي السويسري في زيورخ، كما شاركت في 31 معرضاً جماعياً بدءاً من 1991، من بينها مهرجان ثقافات البحر المتوسط في باريس، ومعرض "4 فنانات" في فيينا، و"سمبوزييم أهدن" الدولي في لبنان، و"شتاء سراييفو" في البوسنة.

المصادفة البحتة فتحت طريق الفن أمام دينا الغريب، حينما تعرفت على ناهد أبو النجا التي كانت تشرف على قاعة عبد المنعم الصاوي، المخصصة للمعارض ولتعليم الموسيقى، ولاحقاً قدمت أول معرض خاص في قاعة نون بمنطقة مصر الجديدة عام 1991، تتميز في فن "الكولاج" الذي يقوم على جمع قصاصات أشكال مختلفة لتكوين عمل جديد، كنوع من الفن التجريدي.

تميّزُ دينا دفع الفنان التشكيلي الراحل مصطفى خليل إلى القول عنها "تلعب الفن بتلقائية الطفولة وسخرية الشيوخ، وبساطة السهل المتاح، فتقدم عالمنا الذاتي المعروف لنا جميعاً مجرداً من الفذلكات الفنية والحرفيات المستعصية، لتلتقط المفردات البصرية المتداولة، وتعيد ترتيبها بأسلوب خاص، لتقديمها رموزاً لحياة واقعية في إطار فني مزاجي خالص".

وقال يوسف ليمود "إن عمل الفنانة المصرية الطائرة خارج الأسراب، بل بعيداً عنها – لا يتخلى عن جمالياته ورقّته وخفته، في سبيل التعبير، بل يمكن القول إن التعبير في عملها نابع من الجمالية وتابع لها، وإن تداخل الاثنان بحيث يصعب إدراك أيهما سبق الآخر".

رغم المعارض التي نظمتها والحفلات التي أحيتها لا تزال دينا ترفض وصفها بـ"الفنانة المحترفة"، فهي تصر على أن ما تفعله هو تعبير عن هواياتها وإخراجه بأسلوبها الخاص، كما لا ترى تعارضاً بين عملها في "الدي جي" والفن التشكيلي، فكلاهما نوع من الفن، بل إن كلاً منهما يكمل الآخر، "أنا أعيش بالموسيقى في كل وقت، فحين أرسم، أفتح أذنيّ على إذاعة الأغاني لأعرف كل ما هو مختلف، وتتحرك ريشتي مع هذه النغمات بسلاسة".

برغم شهرتها، ترفض دينا بعض العروض المغرية لتوسيع دائرة عملها في أماكن مختلفة، لأنها "مش لاقية نفسي فيها"، فالأولوية بالنسبة لها الوجود في "مكان ترتاح فيه، وجمهور ترتاح له".

تجربة دينا ألهمت كثيراً من الفتيات اللواتي دخلن مجالها، فباتت الساحة تعج بـ"الدي جي" المتميزات في كل لون، ومنهن على سبيل المثال دينا أقلاديوس، و"ميونة" وغيرهما، "كانت بتجيلي بنات صغيرة، ويقولوا لي إحنا بنحب قوي المجال ده، هو ينفع نشتغل فيه، وكنت أرد مينفعش ليه، مادام حاجة بتحبوها".

وترى دينا أن دخول الفتيات في هذا المجال تخطى نطاق القاهرة والإسكندرية إلى محافظات أخرى، فبدأ في سياق حفلات الخطبة والحفلات الخاصة، قبل أن يتطور إلى أبعد من ذلك، متمنيةً أن يشجع ذلك الكثير منهن على احتراف المهنة، "فالموسيقى مش حكر على حد".

التعليقات

المقال التالي