اللقاء الثاني... بقالنا سنين الشوق بينا بيتألم

اللقاء الثاني... بقالنا سنين الشوق بينا بيتألم

"اللقاء الثاني" ليس اسماً للمسلسل المصري الشهير الذي كان يعرض في الثمانينيات، ولكنه حالة تتكرر كثيراً بين البشر.

غالبية العلاقات لا تكتمل أو تفشل، وبعد فراق ربما تجمعنا أقدارنا ذات يوم بعدما عزّ اللقاء.


في "الأطلال"، توقعت أم كلثوم أن ينكر الخل خليله القديم ويلتقيا لقاء الغرباء. وحكى كاظم الساهر أنه وحبيبته التقيا مثل غريبين ومات الإنسان بداخلهما، بعد عاصفة الحب.

فسّر الشاعر سيد حجاب ذلك بأن الوجوه حين تتقابل للمرة الثانية يكون اللقاء مزيفاً، لأن الأيام تبدل ملامحنا، ونظرتنا إلى الأمور.

ولكن آخرين أثبتوا العكس، كهاني شاكر الذي قابل حبيبته بعد سنوات، وكانت حرارة لقائهما عالية حتى تعجب وقال: "معقول واقفين بنسلم، مع بعض سوا بنتكلم، وكأننا متقابلين امبارح، ولا حاسين إن احنا بقالنا سنين الشوق بينا بيتألم".

يبدو أن ما فعله هاني شاكر قريب لواقع الكثيرين منا، خاصة من يحملون بداخلهم حباً كبيراً للحبيب السابق، لم يعوضه حب آخر. فبعد الفراق نَحِنّ للقاء ثانٍ، لعل الزمن يكون قد غيّر ولطف النفوس، خاصة مع انتعاش الذكريات الرومانسية والجنسية، وأحياناً علينا افتعال نهاية لعلاقة، لعل اللقاء الثاني يجددها ويحييها.

صور الحبيب والدوبامين

أثبتت دراسة لمجموعة باحثين في علم الأعصاب، نشرتها مجلة "علم الأعصاب الفسيولوجي"، أن صور المحبوب/ة تحفّز المخ لإنتاج الدوبامين، وهو مادة تجعل الإنسان يشعر بالانتشاء والسعادة.

via GIPHY

ذكريات الحب لا تنسى، وبالتأكيد نحتفظ بصور من نحب، بجانب صوره الملموسة، والتي يمكن أن تكون مخزنة على هواتفنا، وحواسيبنا، وغيرها، وكذلك كل ما يتعلق بذكرى معه، كالأصدقاء المشتركين، أو الأماكن التي ترددنا عليها معاً، وأمور أخرى تغير من كيمياء أجسادنا، وتجعلنا في شوق إليه.

أقوال جاهزة

شارك غردالحب عدوى، إعجاب آخرين بشخص قد يثير إعجابنا نحن أيضاً بهذا الشخص. جان جاك روسو

شارك غرد"أن تتجنبوا الوقوع في شرك الحب أهون من التخلص منه" تيتوس لوكريشس

تحكي "نجوى محمود"، مهندسة اتصالات "34 سنة"، لرصيف22 أنها اضطرت إلى اختلاق مشكلة مع "طارق مخيمر" كي يفترقا، لاستشعارها أنه لا يأخذ علاقتهما بجدية كافية، رغم حبها له.

وبعد عامين، جمعت بينهما صديقة مشتركة من دون علم مسبق، ولكنهما، للوهلة الأولى، وجدا نفسيهما في حرارة حب لم يشعرا بها من قبل، وكأن كلاً منهما كان في سفر وينتظر العودة كي يقابل حبيبه، وعادت المياه لمجاريها بتدفق أشد، لتستمر العلاقة 5 سنوات وتثمر طفلاً، تقول"نجوى".

الغيرة أو العدوى

الحنين ربما يحدث بعد الانفصال، إذا ما اكتشفنا أننا فرّطنا في قيمة كبيرة، وأن شخصاً آخر قد يفوز بها، وهنا تحدث الغيرة أو عدوى الحب.

تحكي "مايسة.م"، 50 سنة، محاسبة في أحد البنوك، لرصيف22 أنها تطلقت من زوجها "مجدي.س" 3 طلقات، آخرها كانت بعد تفكير عميق، واتفاق على الانفصال بعد زواج ابنتهما، وبالفعل حدث ذلك.

وتضيف: في هذه الفترة كنت أترقب أخباره، خاصة أنه يعمل في نفس البنك، ولا أدري لماذا أفعل ذلك، وعلمت أن زميلة لنا تحاول التقرب منه، حينذاك لم أتمالك نفسي، فعاودت الاتصال به وكأننا لم ننفصل، ووجدته مستجيباً جداً، فقررنا البدء من جديد، كأن شيئاً لم يكن، ولكن العقبة كانت في الطلقة الثالثة التي تستوجب أن أتزوج من آخر، ثم أنفصل وأعود إلى مجدي، وهذا ما لا أتصوره.

أخيراً كان الحل لدى أحد المشايخ، وهو أن إحدى الطلقات الثلاث لم تقع، باعتبارها كانت يميناً في وقت غضب، تقول مايسة.

ويفسر ذلك الفيلسوف السويسري جان جاك روسو بأن الحب عدوى، وأن إعجاب آخرين بشخص قد يثير إعجابنا نحن أيضاً بهذا الشخص، بحسب ما ذكر في كتابه "الاعترافات"، بعد افتتانه بصوفي دوديتو، حين سمعها تتحدث عن حب عشيقها لها.

قد ندمن الحبيب

"أن تتجنبوا الوقوع في شرك الحب أهون من التخلص منه"، يقول الفيلسوف الروماني تيتوس لوكريشس في كتابه "عن طبيعة الأشياء"، مؤكداً أن الحب لشخص واحد يعرضنا لعذاب هائل.

قد يبلغ الحب مرحلة الإدمان، فيه تصل المرأة أو الرجل إلى إدمان الشريك، فتصبح هي النموذج الذي لا بد أن تكون عليه المرأة، ويصبح هو كل رجال العالم، وإذا حدث انفصال فلا يستطيعان التكيف مع تجربة جديدة، ويكون التفكير دائماً في الحب المفقود، يؤكد ذلك لرصيف22 أستاذ علم النفس، الدكتور هاشم بحري، موضحاً أن هناك نوعين من هذا الإدمان، أحدهما مبني على ضعف أحد الطرفين، وإحساسه أنه بلا قيمة من دون الآخر، ولهذا فهو يحب نفسه فيه.

via GIPHY

أما النوع الثاني، فهو المبني على الانبهار بالآخر، بدءاً من شكله مروراً بسلوكه وصولاً إلى القيم المعنوية التي يصعب على طرف ثالث استشعارها، وفي هذه الحالة يصبح هذا الإدمان محموداً، ولكنه يؤدي أيضاً إلى نفس النتيجة الأولى، وهو عدم القدرة على التكيف مع تجربة جديدة، والرغبة في العودة للحب القديم.

وأثبتت دراسة أستاذة علم النفس بجامعة كاليفورنيا، نانسي كاليش، أن هناك أشياء بسيطة في الحب تنطبع كشفرات بالمخ وتخزن، وقد تجددها لمسة، ابتسامة، صوت، رائحة، وأشياء شبيهة تعيد إشعال الحب. فكاليش ترفض ما يسمى بأسطورة الحب الأول، وترى أن هناك إمكانية للحب من جديد.

ويرى الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر في رسائله لحبيبته حنا أرندت أن الحب هو مثال على نشاط ممتد لا ينقطع، يغيب الحبيب ولا أزال أحبه، يهجرني الحبيب وأتمتع ببهجة حبه القديم، فالمحب كائن زاخر بالثقة في الارتباط الذي سيعود، وذكرياته مع الحبيب هبة يستمتع بها.

وعن ذلك قالت حنا إن الحب هو قوة الحياة في المقام الأول، ونحن كائنات حية، لذلك نخضع لأوامر هذه القوة، ومن لم تصبه هذه القوة لا يكون حياً، ولا يعد جزءاً من الكائنات الحية.

بين الروح والجسد، لماذا نعود؟

يرى لوكريشس أن الجنس من الأمور التي تشعل الرغبة في العودة إلى نفس المحبوب، ولا سبيل إلى التخلص من ذلك إلا بجسد جديد ومحبوب آخر، لأن "محو ألم الجراح القديمة لا يتم إلا بندوب جديدة".

لكن الفيلسوف والإمبراطور الروماني، مارك أوريل، لفت إلى أن المسألة ليست مجرد جنس، لأن الحالة الشبقية تنتهي وتبقى الروح معذبة، بحسب ما ذكر في كتابه "أفكار".

ولمن يريد نسيان معشوقه الجنسي، يوصي أوريل بالتمرين على التأمل في ما يلي الشبق، مشيراً إلى أن المسألة لا تعدو سوى تقلصات في أسفل البطن مع القذف، مصحوبة بتشنجات وسائل لزج، وهذه حالة موصوفة،  من يتأملها يمرض، بحسب رأيه.

ما دمنا نحبه لماذا تركناه قبل العودة؟

الإجابة قد تكون واضحة في حالات تبدو مشكلاتها مفهومة، ولكن أحياناً نشعر أن الحب قد غاب وننفصل، خاصة إذا كنا متمردين بطبيعتنا.

ويفسر ذلك فريدريك نيتشه، في كتابه "إنسان مفرط في إنسانيته"، إذ يرى أن الروح الحرة تكره كل العادات والقواعد وكل ما هو مستمر ونهائي.

via GIPHY

ويوضح أن الحل يكمن في إطلاق الحرية للشريك في إطار الصداقة، معترضاً على حبيب لا يهدف إلا إلى بيت دافئ ومريح، مقابل ما وصفه بسلب الاندفاع الداخلي للروح البطولية في الشريك، مما يخلق علاقة رتيبة مملة، لافتاً إلى "كسانتيب"، زوجة الفيلسوف اليوناني سقراط، التي تسببت مشاحناتها معه بجعله أكبر فيلسوف في أثينا.

ويقول الفيلسوف الألماني إن ما تسمونه حباً هو عبارة عن الكثير من لحظات الجنون القصيرة، ويضع زواجكم نهاية لتلك اللحظات، ويستبدلها بغباء طويل الأمد، معتبراً أن الزواج الوحيد الناجح هو الذي تغلفه صداقة توفر الثقة المطلقة في الآخر، فلا تحد حريته، ويلتقي خلالها الطرفان عند هدف مشترك.

ويؤيد ذلك الفيلسوف الفرنسي ميشال دو مونتاني، في كتابه "المقالات"، معتبرًا أن صاعقة الحب أكثر نشاطاً ولذعاً وعنفاً، لكنها طائشة ومتهورة، وهو أمر يمكن إنهاؤه، قائلاً إن "الشهوة التي لا تستمر لا نتذكرها إلا قليلاً"، أما الصداقة فعلى العكس، تغمرنا بحرارة معتدلة، لكنها دائمة، ويمكن الوثوق بها، وهي سامية من جميع جوانبها، تصون طريقها بمسير رائع وشامخ.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

التعليقات

المقال التالي