الوجه الآخر للصراع: كيف غيّرت الأزمة السورية الأدوار الجندرية بين المرأة والرجل؟

الوجه الآخر للصراع: كيف غيّرت الأزمة السورية الأدوار الجندرية بين المرأة والرجل؟

برغم بشاعة الحرب السورية يبقى هناك جانب مشرق حاولت جمعية "أبعاد" الإضاءة عليه من خلال فيلم وثائقي يتحدث عن تأثير الأزمة السورية على "عقلية" النازحين والنازحات، وخاصة لجهة تغيير الأدوار النمطية والتقليدية بين الجنسين.

المفروض: وثائقي عن تغيير الأدوار الجندرية

يوم 14 ديسمبر، أطلقت هيئة الأمم المتحدة للمرأة ومؤسسة "الربط بين البحث والتنمية "ومنظمة "أبعاد" و"بروموندو"، الدراسة الاستقصائية الدولية المتعلقة بالرجال والنساء والمساواة بين الجنسين في بيروت، بتمويل من الوكالة السويدية للتنمية والتعاون الدولي.


وبهدف الوقوف على الحرب السورية وآثارها على حياة وطريقة تفكير اللاجئين واللاجئات في لبنان، عرضت جمعية "أبعاد" الفيلم الوثائقي "المفروض" الذي يرفع النقاب عن قصص مميزة قرر أبطالها التمرد على التقاليد ونجحوا في إحداث تغيير كبير في مجتمعاتهم.

"في مجتمعاتنا نولد أطفالاً وتتم تنشئتنا اجتماعياً لنصبح نساءً ورجالاً نلعب أدواراً محددة سلفاً تُعرف بالأدوار الجندرية. وإذا كانت الحروب من أصعب الاختبارات التي يمر بها الإنسان، فإن وقع آثارها يتفاوت بين النساء والرجال وتختلف إستراتيجيات التأقلم بينهما".

بهذه الكلمات يبدأ الفيلم الوثائقي الذي يتناول آثار الحرب الدائرة في سوريا منذ 6 سنوات ولا تزال تتسبب بتهجير المواطنين.

من خلال الوثائقي الذي تبلغ مدته 30 دقيقة تأخذنا "أبعاد" في رحلة إلى قصص هذه العائلات السورية والدروس التي يمكن استخلاصها من قوة هؤلاء الأفراد والعزيمة الصلبة التي رسمت حياتهم الجديدة وأثرت على شخصيتهم وساهمت في تغيير المفاهيم التقليدية لصورة الرجل والمرأة في مجتمعاتنا العربية.

حين تلعب المرأة دور الأب والأم في آن واحد

"أن تكوني أرملة في مجتمعاتنا العربية هو أمر صعب، فما بالك بأرملة ومعيلة رئيسية لعائلة وتقيم في مجتمعات اللجوء".

هذه حال "أم رفاه" التي كانت تعيش حياة طبيعية وهادئة في سوريا، غير أن اشتداد الأزمة دفعها إلى ترك بيتها والانتقال إلى مكان أفضل لها ولعائلتها.

أقوال جاهزة

شارك غردأن تكوني أرملة في مجتمعاتنا العربية هو أمر صعب، فما بالك بأرملة ومعيلة لعائلة وتقيم في مجتمعات اللجوء

شارك غردنحن بعادتنا منعرف إنو كلو عالزلمة المرا ما بتسترجي تعمل شي. اليوم المرا بتعمل متل ما بيعمل الزلمة وأكتر

وجدت "أم رفاه" أن الوضع في سوريا بات صعباً، وبالرغم من غياب أي معلومات عن مصير زوجها المفقود رفضت الاستسلام وقررت الانتقال مع أولادها إلى لبنان في رحلة شاقة استمرت 3 أيام بين الجبال والطرقات الوعرة، وفي غضون 6 أشهر تمكنت من بناء خيمة من الخشب لإيواء عائلتها.

"أم رفاه" ليست الوحيدة التي تقوم بمهام صنفها المجتمع على أنها خاصة بالرجال، ففي "مخيم الأرامل" في البقاع عدة نساء سوريات جار عليهنّ الزمن وبعد خسارة أو فقدان أزواجهنّ في الحرب تحولن إلى معيلات للعائلة.

وبغية تنظيم عمل المخيّم، قررت اللاجئات السوريات تعيين "أم رفاه" "شاويش" المخيّم، أي المسؤولة عن تلبية احتياجات العائلات النازحة من تأمين اللقاح للأطفال إلى أعمال الصياًنة وصولاً إلى توفير المساعدات الغذائية والمعيشية.

تعتبر "أم رفاه" أن العبء الملقى على أكتاف السيدات يفوق قدرة الرجال على تحمله: "أنا بحط زلمي وبحط مرا، الحمل يلي شيلتو أنا وأصدقائي ما شايلو الزلمي".

جرّاء المسؤوليات الكثيرة الملقاة على عاتقها، تشعر "أم رفاه" أحياناً بضغط نفسي كبير، فتختلي بنفسها وتطلق العنان لدموعها، غير أن حزنها سرعان ما يتلاشى عندما تذهب وتشكو أمرها إلى "جارتها أم فهد" التي تعمل على تهدئتها بكلمات ودودة.

يمكن القول إن "مصيبة الحرب" هي التي جمعت النازحات السوريات، ومع الوقت تحوّل "مخيم الأرامل" إلى بيت واحد وأسرة كبيرة تتشارك الأحزان والهموم والألم نفسه.

وبخلاف الوضع السابق في سوريا حيث كانت المرأة تقبع في منزلها من دون الاضطرار إلى العمل في الخارج، فإن النازحات وجدن حاجة ضرورية للبحث عن مورد رزق بهدف الاستمرار في الحياة وإعالة عائلاتهنّ، من هنا اكتسبت المرأة النازحة قوة كبيرة وتحولت في عيون أولادها إلى أم وأب في الوقت نفسه.

وتحدثت إحدى النازحات عن كيفية تبدّل الأدوار الجندرية نتيجة الحرب: "كنا نحن بعادتنا منعرف إنو كلو عالزلمة، المرا ما بتسترجي تعمل شي بس وقتا جينا علبنان كلو تغيّر... المرا فيها تعمل متل ما بيعمل الزلمة وأكتر".

"تزويج ابنتي وهي قاصر غلطة عمري"

من مخيّم الأرامل، ينتقل الوثائقي للحديث عن نازح سوري أعاد حساباته ووجد نفسه مذنباً في بعض القرارات التي اتخذها.

ربما الزواج المبكر في المجتمعات السورية التقليدية يعد أمراً طبيعياً وشائعاً، إلا أن عدداً كبيراً من الأشخاص على غرار "أبو راشد"، وهو رجل متزوج ولديه عائلة مؤلفة من 10 أولاد، ندم على تزويج إبنته وهي قاصر:"هاي الغلطة الوحيدة يلي ارتكبتها بحياتي"، مؤكداً أنه لن يعيد الكرة مع بناته الأخريات.

وأوضح "أبو راشد" أن المفاهيم تبدلت، وبات من غير المقبول تزويج البنت قبل بلوغها سن الـ20 ومن دون الحصول على رضى الطرفين.

وعن التغييرات التي طالت الأدوار بين الجنسين جرّاء الأزمة السورية، يخبر "أبو راشد" أن المجتمعات السورية القديمة كانت تحظر على المرأة العمل في الخارج إنما الوضع قد تغير الآن، لأن المرأة باتت متساوية مع الرجل وتعمل مثله من أجل تحسين أوضاع العيش.

المثابرة لتحقيق الأحلام

"إن بلوغ سن الرشد في الأزمات يشكل تحدياً أكبر للفتيات، وذلك لما يتعرضن له من ضغوط وحصار اجتماعي مضاعف، يستدعي مجهوداً أكبر منهنّ لتحقيق الذات".

أمر اختبرته "دانا" بعدما كانت تعيش في بيئة صعبة ترفض عمل الفتيات في مجال التصوير.

غير أن هذه الشابة لم تيأس وظلت متمسكة بحلمها ومصرة على الانتقال إلى لبنان حيث المجتمع متساهل أكثر في موضوع الحرياًت وعمل المرأة. وبالفعل نجحت "دانا" من خلال الحوار والمثابرة على إقناع أهلها، كما أن الأزمة السورية ساهمت في تغيير منظور عائلتها تجاه دورها المستقبلي كامرأة والسماح لها بالعيش وحدها في لبنان لتحقيق حلمها بفتح معرض خاص بها في بيروت.

تعتبر "دانا" أن مساحة الحرية التي تعيشها في لبنان غير موجودة في وطنها وتستبعد العيش مجدداً في سوريا حتى بعد انتهاء الأزمة، إلا أنها أعربت عن احتمال زيارة بلدها في يوم من الأيام مع الكاميرا.

"إيدي بإيدَك"

مع اشتداد الأزمة السورية لم يعد الرجل هو الوحيد الذي يلعب دور المعيل للعائلة، فقد أصرت المرأة على أن تقاسمه الهموم والمشاكل على غرار "أم محمد" التي كانت تعتمد على زوجها "في كل شاردة وواردة"، وبعد تفاقم الوضع في سوريا قررت العائلة زياًرة بعض الأقارب في لبنان، إلا أن الزياًرة تحولت إلى إقامة طويلة، وكان لا بد من إيجاد وسيلة للعيش.

وبعد شهرين، عرضت سيدة على "أم محمد" تنظيف السجادات، وكانت هذه المرة الأولى التي تخرج فيها من منزلها. وهكذا كرّت السُبحة وبدأت الأم السورية تعمل من أجل مساندة زوجها في المصروف:" انقلبت الموازين وإذا ما عملنا هيك ما بحياتنا رح نوقف على إجرينا".

ورغم نظرات الناس التي كانت تُشعرها بالخوف والخجل، فإن "أم علي" اعتادت هذا الأمر ويوماً بعد يوم اكتسبت الثقة بنفسها وباتت شخصيتها أقوى من السابق. ولإطفاء شعلة "الغيرة" في قلب زوجها غير المعتاد رؤيتها خارج المنزل، كانت تقول له:" كل عمرك مدللني وحاطتني وردة على راسك صار دوري إني دللك.. إيدي بإيدك".

ووفق "أم علي"، فإن طعم القرش يكون ألذ بعد الشقاء والتعب، مؤكدةً أنها ستتابع العمل إذا عادت إلى سوريا، خاصةً أنها لن تعود "أم علي" القديمة الضعيفة بل المرأة "الحديدية" التي غيّرت الحرب مسارها وشخصيتها 180 درجة.

التعليقات

المقال التالي