علم الموسيقى: لماذا نكرّر سماع موسيقى معينة؟ ولماذا لا نقاوم الأغاني التجارية؟ وأكثر

علم الموسيقى: لماذا نكرّر سماع موسيقى معينة؟ ولماذا لا نقاوم الأغاني التجارية؟ وأكثر

إن الحياة من دون موسيقى ستكون غلطة. فريدريك نيتشه

أفادت دراسات عدة أن الموسيقى تجلب السعادة، منها دراسة لباحثين من جامعة ديكين بفكتوريا، حللت ألف مواطن أسترالي، تم اختيارهم عشوائياً، لمعرفة إذا ما كانت هناك صلة بين مستويات السعادة والاستماع إلى الموسيقى لديهم، فوجد الباحثون أن الذين يحضرون حفلات موسيقية أكثر سعادة ورفاهية من غيرهم.

قد يقول قائل إن الموسيقى المبهجة فقط هي التي تجلب السعادة، ولكن أكثر من دراسة أثبتت أن الموسيقى الحزينة تفعل نفس الشيء، ومنها تلك التي أجراها باحثون من جامعتي دورهام البريطانية، ويوفاسكولا الفنلدنية على 2436 شخصاً، وأثبتت أن الأغاني أو الموسيقى الحزينة تحفز المشاعر الإيجابية لدى الشخص الحزين.

الإنسان ليس فقط من يَطرب، وهناك من ألّف موسيقى للقطط فقط وبدت تسمعها وهي مستمتعة. وبعد دراسته لسلوك الحيوانات، أوضح المتخصص في الطب النفسي بجامعة ويسكونسون الأمريكية، تشارلز سنودون، أن تأثيراً إيجابياً ظهر على الكلاب والفيلة والشمبانزي، حينما سمعت موسيقى صُنعت لأذن الإنسان، بينما ظهر تأثير سلبي على البوم والجبون والخيل، عند سماع نفس الموسيقى. البقر تحلب لبنًا أكثر إذا ما استمعت إلى موسيقى هادئة.

ما دام الأمر كذلك، هيا نكتشف عالم الموسيقى وعلمها.

لماذا نفضل موسيقِياً أو مطرباً على الآخرين؟

رغم أن لكل نمط فني جماله الخاص، فإن بعضكم قد لا يستطيع الخروج من عالم فيروز الهادئ:

إلى عالم الراي الصاخب:

حتى مع نفس المطرب، هناك من يفضل نمطاً معيناً، ففي داخل عالم أم كلثوم من يفضلون أغنياتها القديمة ذات النمط الشرقي البحت، على أغنياتها المتطورة لحنياً، التي أدتها مع بليغ حمدي أو محمد عبد الوهاب في مرحلة متقدمة، والعكس؛ بالطبع لأن هناك فارقاً كبيراً بين "أهل الهوى" لزكريا أحمد:

و"ألف ليلة وليلة" لبليغ حمدي:

التفسير ربما نفهمه من دراسة، أشرف عليها عالم الأعصاب بجامعة ماكجيل الكندية، روبرت زاتور، أفادت بأن تنميط الأشياء مهارة أساسية لدى الإنسان، فالدخان يدل على النار، ورائحة الحلوى تنبه المعدة إلى طعام شهي قريب منها، وهكذا الموسيقى، أنماط نعتادها، وتتيح لنا توقع ما سنسمعه من هذا الموسيقي أو ذلك المطرب، حتى أن هناك من يعرف أن هذه اللحن لفلان بمجرد سماع أول جملة، دون معرفة سابقة بها.

والعكس صحيح في حالة عدم الاعتياد على نمط موسيقي، إذ يصبح من الصعب التنبؤ بما سنسمعه، فنرفضه، بحسب الدراسة.

لماذا نكرر سماع أغنية أو موسيقى معينة، أو نؤخر مؤشر العرض لإعادة الاستمتاع بقطعة منها؟

الموسيقى لغة تحتوي على جمل ومقاطع تخاطب مشاعرنا، وتزداد وضوحاً إذا احتوت على كلمات مغناة. وأكدت دراسة أجراها باحثون من جامعة هلنسكي الفنلندية أن قدرة المخ على استيعاب اللغة، تزداد بتكرار كلماتها،ولأن التكرار يحث على الاستجابة العصبية لتلك الكلمات، ويعمل على إنشاء ذاكرة لتتبعها.

أقوال جاهزة

شارك غردالنظام الكيميائي الذي ينتج اللذة في المخ عند ممارسة الجنس هو نفسه الذي يجعلنا سعداء حين نسمع الموسيقى

شارك غردالعدوى الشعورية، حالات يقاومها البعض، لكن الكثيرين لا يصمدون أمامها، لهذا ننتهي بالخضوع لأغنية تجارية

وربما لا يحدث اتساق مع ما نسمع للمرة الأولى، فنحتاج إلى إعادة السماع، وربما لو عدنا لنفس الموسيقى أو الأغنية مرة أخرى بعد فترة، يتغير هذا الاتساق.

يفسر ذلك ما جاء في دراسة روبرت زاتور، التي أوضحت أن الموسيقى لغة خادعة للمخ، تجعله يفكر في خطابها ليصل إلى تفسير الإحساس الذي وصله حين سمعها، والمتعة تزداد كلما حدث تماثل أو اتساق زمني في الفهم بين إيقاعنا النفسي وإيقاع الموسيقى، وربما لا يحدث هذا من المرة الأولى.

نبكي، نبتسم، نشرد، نرقص، نغني مع ما نسمع... هل هذا طبيعي؟

بالطبع نعم، فكلما زاد الانفعال مع الأغنية، كلما عاشتها حواسنا.

ينقل الباحث الموسيقي والمايسترو المغربي، أحمد حبصاين، عن عالم النفس Goldstein، أن الإثارية الموسيقية تبدأ بإحساس خفيف بالوخز، يتمركز في مؤخرة العنق ثم يتلاشى بسرعة، أو تكون الإثارة قوية فتستمر وقتاً أطول، فترتفع الوخزة إلى ما فوق فروة الرأس، ثم تهبط إلى الوجه، ومن خلال العمود الفقري تتملك الصدر والبطن والفخذين والساقين، وقد تصاحبها قشعريرة وتنهدات وبكاء. هذه الإثارة تحفز المخ لإفراز مادة الإندروفين، التي تعطي إحساساً بالراحة النفسية، بل وتسكّن آلام الجسم.

وتزداد متعة الموسيقى وفائدتها، كلما انفعلت معها جوارحنا، ففي دراسة أجرتها كيارا جياكوسا، الباحثة في علم النفس بجامعة كونكورديا الكندية، تبين أن الرقص مع الموسيقى، له تأثير أكبر على المخ من تأثير الموسيقى وحدها.

وأوضحت الدراسة وجود اختلافات في كثير من مناطق المادة البيضاء بالمخ بين منطقة تعزف وأخرى ترقص، بما في ذلك الممرات الحسية والحركية.

الفيديوهات أم المقاطع الصوتية؟

الموسيقى صوت، وتضاف إليها الكلمة إذا كانت مغناة، وهي من الأمور التي يعتني بدراستها السيمولوجي (علم العلامات) المرتبط بعلم النفس، كجزء من الوسائط التي تنقل رسائل إلى المتلقي.

ويوضح عبدالجبار ناصر في كتابه "ثقافة الصورة في وسائل الإعلام" أن العلامات في مفهوم السيمولوجي هي "كلمات، أصوات، صور، إشارات، إيماءات، أشياء".

وإذا ما طبقنا هذا على الأغنية، نجد أن معانيها تزداد اتصالاً بنا كلما وصلتنا من خلال وسائط نفهمها بأكثر من حاسة، لا بالسمع فقط. فالحفلات أو الفيديو كليب، تنقل إلينا إشارات وصور وإيماءات وأشياء حول الأغنية، تزيد من تأثرنا بمعناها بمعزل عن الصوت.

ويزداد الأمر كلما كان الفنان قادراً على تصوير ما يشعر به، والعكس، فهناك مطربون تحب مشاهدتهم مع سماعهم، وبعضهم تحب سماعهم فقط، بحسب ما ذكر أستاذ الموسيقى، نبيل عبدالهادي شورة لرصيف22، لافتاً إلى أن هذه القدرة على التعبير عوضت نقصاً لدى بعضهم، كعبدالحليم حافظ الذي كان أمهر أداءًا من غيره لصدق لغة جسده، وبراعته في استخدام إشارات وجهه ويديه للتعبير عن معاني الأغنية، بالإضافة لصوته.

بين الكلمات والنغمات: ماذا تفعل فينا الموسيقى؟

"ربما سيكون صعباً على الجراحين تمييز أدمغة الفنانين، أو الكُتّاب، أو حتى المتخصصين في الرياضيات، ولكنهم يستطيعون تمييز أدمغة الموسيقيين المُحترفين بدون تردد"، يقول بروفوسير علم الأعصاب بجامعة نيويورك، أوليفر زاكس، في كتابه "ميوزيسوفيليا"، متحدثاً عن الأثر الإيجابي للموسيقى على المخ.

المسألة تبدو بسيطة الفهم حين نستمع إلى "أغنية" تتكون من كلمات ينطقها المغني مع اللحن المصاحب، وبالتالي يصل إلينا شعور هذا المغني، الناتج عن الكلمات التي يؤديها بالطريقة المناسبة له.

ولكن إذا كنتم تريدون العيش مع الإحساس بشكله الكلي، لا بالشكل الذي يريده المطرب، وتتركون لأدوات الاستشعار بداخلكم كامل الحرية في تلقي هذا الإحساس كما تريده هي، فاستمعوا إلى الموسيقى البحتة، كالسيمفونيات أو الباليه أو الكونشيرتو وغيرها، التي تترك كل منها في نفسكم أثراً مختلفاً، رغم أنها لا تحوي أي كلمات.

بالتأكيد هناك فرق كبير بين فالس يوهان شتراوس، واسترخائه:

وسيمفونية بيتهوفن الخامسة، وتوترها:

يرى الفيلسوف الألماني آرثور شوبنهور في كتابه "العالم إرادة وفكرة - The World as will and Idea"، أن الموسيقى وحدها كفيلة بإحداث تغيرات في نفوس مستمعيها، بانفعالاتها بين الفرح والحزن، التوتر والاسترخاء، الكآبة والتفاؤل...؛ فهي تعبر عن الشعور والعاطفة بطريقة "كلية" لا "جزئية"، فلا تحدثكم عن بهجة تجاه شيء معين أو ألم من شيء آخر، وإنما تصدّر إليكم مطلق الحزن أو مطلق السعادة من دون دوافع محددة.

فإذا تركتم نفسكم للأثر الذي تحدثه فيكم سيمفونية، فسترون كل المشاهد الممكنة للحياة والعالم تحدث في أنفسكم، رغم أنكم لو تأملتم الأمر لن تجدوا أي تشابه بين تلك الموسيقى والأشياء التي مرت أمام عقولكم، يقول شوبنهار.

الصوت العالي خطر؟

منا من يعشقون الموسيقى الصاخبة، ومهما حذرت منظمة الصحة العالمية من أخطار الصوت العالي على الأذن، فلن يكفوا عن السمع.

لذلك، لا بديل لهؤلاء سوى العمل بنصيحة مارشال تشاسن‎، التي ذكرها في كتابه "استمع إلى الموسيقى: الوقاية من ضعف السمع للموسيقيين"، والذي ترجمته الطبيبة المتخصصة في علم السمعيات، إيمان الصباح إبراهيم.

تتلخص نصيحة تشاسن في طريقتين، أولاهما: وضع ما يعرف بسدادات الصوت المنغمة من نوع "إي آر 15"، فهي تنظم حركة دخول الصوت إلى الأذن، وتضبطه عند 15 ديسيبل.

الطريقة الثانية هي الأمتع والأقل تكلفة، وهي الهمهمة والزمجرة والغناء مع الموسيقى، ليس من أجل المتعة بمصاحبة المطرب فقط، ولكن لأن هناك عضلة في الأذن الوسطى، تنقبض عند وجود أصوات عالية، ويزداد انقباضها مع الزمجرة والهمهمة مع الموسيقى، فتشد عظام الأذن وتمنع انتقال الصوت بشكل كامل إلى الأذن الداخلية، وهذا ما يسبب حماية.

متى نستمع إلى الموسيقى؟ وهل من المفيد أن يحدث ذلك أثناء العمل؟

"أنا أفكر عادةً بالموسيقى، أنا أعيش أحلام يقظتي في الموسيقى، أرى حياتي بمصطلحات الموسيقى"، مقولة شائعة لألبرت أينشتاين. ومثله كثيرون تعد الموسيقى شيئاً مصاحباً لهم في كل أوقات حياتهم، ولكن هل يصح ذلك وقت العمل؟

إذا كنتم تمارسون عملاً إبداعياً: تؤلفون، ترسمون، تفكرون إلخ، فإن الموسيقى ستجعلكم أكثر ابتكاراً إذا ما سمعتموها وأنتم تعملون، أما إذا كنتم تمارسون عملاً له علاقة بالأرقام والحسابات، فالأفضل أن توقفوا الموسيقى.

في التسعينيات، شاعت دراسات تؤكد أن موسيقى موزارت تزيد من كفاءة المخ على التدوير الذهني، وبخاصة التفكير "الحيز – زماني". ونشر Popular Science – العلوم للعموم، التابع لمؤسسة دبي للمستقبل، أن دراسات عدة أثبتت أن المسألة لا تقتصر على موسيقى هذا الفنان النمساوي التاريخي، وإنما على الموسيقى عموماً.

وأشار إلى أن العكس حدث حين طُلب من أناس الانهماك في حسابات وتذكر أرقام وترتيبها، وهم يسمعون الموسيقى، إذ قلت كفاءة أدمغتهم. وفي حالة القراءة وجد أن من الأفضل السماع إلى موسيقى بحتة، لأن كلمات الأغاني تشوش على الكلمات التي نقرأها- بحسب Popular Science.

لماذا يحب بعضنا ممارسة الجنس على إيقاع الموسيقى؟

البعض يقضي ليلة ساخنة ذات طابع خاص، عند سماع الموسيقى قبيل ممارسة الجنس وخلاله من دون أن يدري أن في الأمر سبباً علمياً هو أن النظام الكيميائي الذي ينتج اللذة في المخ كنتيجة لممارسة الجنس، هو نفسه الذي يجعلنا نشعر بالسعادة حين نسمع الموسيقى، بحسب دراسة لأستاذ علم الأعصاب بجامعة ماكجيل الكندية، البروفوسير دانييل ليفيتين.

لماذا نستمع إلى الأغاني والموسيقى التجارية؟

الأغاني التجارية أو الهابطة تُهاجَم من الكثيرين، الذي يصفون سامعيها بمعدومي الثقافة، ويتهمون الإعلام بأنه سبب انتشارها، ورغم ذلك قد تجدون أحد مهاجميها يسمعها باستمتاع أحياناً، والسبب في رأي أستاذ علم النفس، جمال فرويز هو العدوى الشعورية أو الإيحاء من الغير، وهي حالات يقاومها البعض، لكن الكثيرين لا يستطيعون الصمود أمامها، خاصة إذا كان انبعاث العدوى مصدره شخص قريب، أو هناك روابط مشتركة معه، فكرية أو عاطفية.

ويوضح فرويز أن هذا الارتباط يجعل العدوى تصل من دون أن نشعر إلى مراكز الأعصاب اللاشعورية، ورويداً رويداً يبدأ الشخص في حب هذه الأغنية أو تلك الموسيقى بعدما كان معادياً لها.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

كلمات مفتاحية
علم موسيقى

التعليقات

المقال التالي