عن الرجل الذي أنشد للسرطان، فأطربه...

عن الرجل الذي أنشد للسرطان، فأطربه...

يعتبر محمد عباس، المغني المصري، نموذجاً فريداً وغريباً في مكافحة مرض السرطان.

يواجه مرضه ليس بالعلاج الكيماوي أو الإشعاعي كما هو معروف بل بالغناء. وعلى عكس المتوقع، كانت نتيجة هذا العلاج مختلفة تماماً وفي منتهى الغرابة.

بدأت قصة عباس - في العقد الرابع من العمر - عندما تفاجأ الأطباء بمرضه. فتارة يؤكدون أنه مصاب بسرطان الغدد اللمفاوية داعمين كلامهم بنتائج تحاليل من أكبر المراكز في مصر، تؤكد إصابته بالمرض، وتارة يؤكدون أنه "صاغ سليم" – وفق ما يقول المصريون عن أصحاب الصحة الجيدة جداً – وليس في جسده أي مرض ويدعمون كلامهم أيضاً بتحاليل من المعامل نفسها التي أكدته في السابق.

جميع هذه التباينات جعلت حالة عباس غريبة، بخاصة أن أنه يعيش مع مرضه منذ ما يقرب من 18 عاماً واصل عباس خلالها هوايته، وهي الغناء، من دون أن يتوقف، متمسكاً بلقبه الذي حازه في تسعينات القرن الماضي أثناء دراسته في كلية الحقوق بجامعة القاهرة وهو "مطرب الجامعة".

رصيف 22 يحكي في السطور اللاحقة قصة حمد عباس مع مرضه، وكيف كان يتغلب عليه في كل مرة يظهر في جسده بغناء الأغاني الدينية والإنشاد، رافضاً أن يخضع لأي من علاج كيماوي أو إشعاعي.

أول المرض…

في عام 1995، تخرج عباس في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، ناوياً أن يتجه إلى عالم الغناء كمجال أساسي له بعد أن استطاع أن يكون نجم الجامعة الأول وبطل جميع الحفلات الغنائية التي نظمتها في تلك الفترة.

قرر أن يستغل موهبته في الأفراح ونوادٍ تنظم الحفلات الغنائية الساهرة، إلا أنه سرعان ما قرّر أن يجمع بين الغناء ووظيفته الحكومية التي جاءته في هذه الفترة لضمان مستقبله.

أقوال جاهزة

شارك غردمحمد عباس... مطرب جامعة القاهرة الذي تحدى سرطان الغدد اللمفاوية بالغناء

وبعد خطوات سريعة خطاها في عالم الغناء، توقف قليلاً بسبب مرض والدته، وعندما قرر أن يعود بعد شفائها، بدأت معاناته هو مع الأمراض، تحديداً عام 1999.

أول الأمراض التي أصيب بها كان حصوات المرارة، والتي على إثرها استأصل المرارة في عملية جراحية هي الأولى له، وبسبب التخدير الخاطئ وإصابته منذ الصغر من دون أن يعلم بمرض "أنيميا الفول"، حصلت عنده مضاعفات خطيرة، حيث أصيب بخراج على الكبد والرئة، ما جعله يخضع لعمليات كثيرة لإزالة صديد الخراج الذي شخصه الأطباء في البداية بأنه سرطان في الكبد والرئة حتى تأكدوا بعد ذلك أنه مجرد خراج ولم يصب الكبد ولا الرئة أي ورم.

بعد نهاية رحلته مع العلاج من الخراج على الكبد وفور نيته العودة إلى مجال الغناء الذي يعشقه، أصيبت أذن "مطرب الجامعة" بمضاعفات كثيرة نتيجة كثرة العلاج الذي كان يأخذه في فترة مرضه الأول، ما أجبره على إجراء عملية جراحية فيها منعته من متابعة حياته بصورة طبيعية لفترة.

وبعد تحسنه وتجميع قواه للعودة إلى حياته وغنائه وعمله مرة أخرى، لم يرحمه المرض وضربه بقسوة مرة أخرى وبقوة تفوق المرات السابقة كلها حيث ظهرت الأورام في يده وفي أماكن مختلفة من جسده بشكل ملحوظ ومن دون أي سبب واضح، الأمر الذي جعله يذهب إلى أكثر من طبيب لتشخيص حالته.

استشار أكثر من طبيب، وخضع لتحاليل طبية كثيرة طُلبت منه، ثم أكد له الأطباء إصابته بسرطان الغدد اللمفاوية.

المفجأة…

على الرغم من صعوبة المرض، إلا أنه فشل في الحصول على العلاج المناسب بسبب توقف المستشفيات عن العمل في هذه الفترة في مصر وهي فترة ثورة 25 يناير عام 2011 التي كان نتيجتها سقوط حكم الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك.

بعدما هدأت الأوضاع، وبدأ عباس يستعد للحصول على العلاج المناسب لمرضه بالكيماوي والإشعاع كما نصحه الأطباء، أصيبت والدته بمرض السكري. ذلك المرض جعلها طريحة الفراش، وأصبح عباس خادمها الأساسي والوحيد ليقرر رفض علاجه حتى تتماثل والدته للشفاء على مدار 6 أشهر.

استمرت على هذا الحال حتى توفاها الله، ليقرر بعد ذلك بدء العلاج الكيماوي بعدما ألحت عليه أسرته وأصدقاؤه، وكانت المفاجأة الكبرى حيث اكتشف بعد إجراء تحاليل جديدة لتقديمها لمستشفى الأورام المصرية، خلو جسده من أي مرض، الأمر الذي أوقع الأطباء في حيرة كبرى وسط استغراب شديد من اختفاء الورم بالكامل في شهور قليلة، والذي كان كفيلاً بأن يقتله.

عاد الورم من جديد ليظهر ولكن بصورة أكثر تطوراً في جسد عباس بعد شهور قليلة من الفرحة بزوال المرض، وبعد تحاليل واستشارات كثيرة، تأكدت إصابته بسرطان الغدد اللمفاوية ولكن بدرجة أكبر وأكثر خطورة.

وليطمئن أكثر على صحته، استشار أحد أصدقائه الأطباء في القصر العيني وادعى أن التحاليل لأخيه، ففاجأه الطبيب بأن المتبقي من عمر صاحب هذه التحاليل لن يزيد عن عام واحد فقط.

لم يصب اليأس عباس، وظل يغني ويكتب الشعر ويلحن ويقرأ عن الغناء، فقدم أغاني دينية.

نصحه الأطباء بإجراء تحاليل جديدة للوقوف على تطور المرض، وكانت المفاجأة للمرة الثانية باختفاء الورم مرة أخرى، وعاد جسده إلى حالته الطبيعية.

ظل المرض على هذه الحال على مدار 18 عاماً، تارة يظهر وتارة يختفي، من دون أي سبب طبي واضح.

عن حالة عباس المرضية، يقول الدكتور المصري نبيل محيي عبدالحميد، خبير الأورام أنه على مدار 15 عاماً، أجرى بحوثاً كثيرة حول عدم دقة التحاليل الطبية الكاشفة الأورام السرطانية، بخاصة أورام الكبد، الأمر الذي يجعله يصدق حالة عباس، والتي قد تكون بسبب عدم دقة التحاليل الطبية التي يجريها، فتارة تظهره مصاباً بالسرطان، وتارة أخرى يبدو سليماً معافًى.

وأوضح "عبد الحميد" في تصريحاته الخاصة لرصيف 22، أن الغريب في حالة عباس هو إجراؤه أكثر من تحليل في أكثر من مركز، إلى جانب الكشف عليه من أكثر من طبيب مختصّ، الأمر الذي يجعل حالته المرضية غريبة بالفعل وتحتاج إلى دراسة لمعرفة أكثر حول أبعادها وتقييمها بشكل علمي صحيح.

ماذا يفعل عباس الآن؟ وما الذي يخططه لحياته في المستقبل؟ سؤالان أجاب عباس عنهما، حيث أكد أنه يحلم دائماً في الغناء وكتابة الشعر إلا أن هذا الحلم لم يعد كما كان في السابق، وحلّ مكانه حلم في أن يحاضر بالمصابين بأمراض خطيرة، يخبرهم قصة حياته ومرضه؛ كي يكتسبوا إيمانه بأن الله قادر على شفائهم أياً كان المرض.

صحافي وباحث مصري متخصص في ملف الإسلام السياسي والتنظيمات الإرهابية المسلحة.

كلمات مفتاحية
سرطان

التعليقات

المقال التالي