بين الخلود والنوستالجيا تقام أدفأ العلاقات الإنسانية: الحفيد/ة والجد/ة

بين الخلود والنوستالجيا تقام أدفأ العلاقات الإنسانية: الحفيد/ة والجد/ة

"لي جَدَّةٌ تَرأَفُ بي، أَحنى عَلَيَّ مِن أَبي، وَكُلُّ شَيءٍ سَرَّني، تَذهَبُ فيهِ مَذهَبي"، هكذا وصف أمير الشعراء أحمد شوقي علاقته بجدته، في قصيدة أهداها إليها.

الكثيرون منا تربطهم علاقة خاصة بجداتهم أو أجدادهم، وهناك مثل مصري عامي يقول: "أعز من الولد ولد الولد"، مبيّناً كيف يصبح الحفيد/ة بالنسبة إلى الجد أهم من ابنه أو ابنته (والد أو والدة الحفيد). فهل يمكن أن تحب/ي شخصاً أكثر من أبنائك؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما السر في هذه العلاقة؟

حصن آمن وحضن دافئ

لعل أحد أهم أسباب الارتباط والتعلق بالجد/ة هو العاطفة الزائدة لديهما تجاه الأحفاد، بشكل قد يفوق عاطفة آبائهم وأمهاتهم. وفي قصيدته المذكورة سابقاً، يشرح أحمد شوقي جانباً من أسرار حبه لجدته: "إِن غَضِبَ الأَهلُ عَلَيَ كُلُّهُم لَم تَغضَبِ" مبيناً كيف كانت تحميه من أبيه، شارحاً موقفاً ربما حدث مع كثيرين منا، فيقول: "مَشى أَبي يَوماً إِلَيَ مِشيَةَ المُؤَدِّبِ، غَضبانَ قَد هَدَّدَ بِالضَربِ وَإِن لَم يَضرِبِ، فَلَم أَجِد لِيَ مِنهُ غَيرَ جَدَّتي مِن مَهرَبِ، فَجَعَلتني خَلفَها أَنجو بِها وَأَختَبي، وَهيَ تَقولُ لِأَبي بِلَهجَةِ المُؤَنِّبِ، وَيحٌ لَهُ وَيحٌ لِهَذا الوَلدِ المُعَذَّبِ، أَلَم تَكُن تَصنَعُ ما يَصنَعُ إِذا أَنتَ صَبي".

قد يتضخم هذا الحنان في حالة فقدان الوالدين، وقيام الجد أو الجدة مقامهما، كما في حالة المتنبي، شاعر السيف والقلم، الذي كان يتيماً، ورعته جدته، وحين ماتت رثاها، متمنياً الشراب من كأس الموت، كي يرافقها:

أحِنّ إلى الكأسِ التي شرِبَتْ بها ... وأهوى لمَثواها التّرابَ وما ضَمّا

وأثّر كثيراً في نفسه موتها بسببه، لفرحتها بأنه لا يزال على قيد الحياة، بعد ظنها موته، فقال:

أتاها كِتابي بَعدَ يأسٍ وتَرْحَةٍ ...   فَماتَتْ سُرُوراً بي فَمُتُّ بها غَمّا

ليعلن تحريم السرور على قلبه بعد رحيلها:

حَرامٌ على قَلبي السّرُورُ فإنّني ... أعُدّ الذي ماتَتْ بهِ بَعْدَها سُمّا

وكان المتنبي قد تنقل بين مدن الشام وباديتها لسنوات، فاستوحشته جدته وأرسلت له خطاباً تدعوه إلى العودة للكوفة، فمُنع من دخولها، وأشيع أنه قتل، فأقامت جدته مأتماً، لكن بعد فترة أرسل إليها رسالةً من بغداد يدعوها لزيارته هناك، فماتت من شدة فرحتها بالاطمئنان على حياته، بحسب ما نقل يوسف أحمد شيراوي، عن محمود شاكر، في كتابه "أطلس المتنبي: أسفاره من شعره وحياته".

نوستالجيا

"من يملك حكايات أكثر، يملك عدداً أكبر من المُنصتين، ومن يملك حكاية ساحرة، يعود إليه من يحبهم مهما ابتعدوا عنه"، لأن "صاحب الحكاية مثل نهر قادر على أن يغرق الجميع، لكنه يرأف بهم فيطلقهم حتى يروُوا ما سمعوه منه فيعيش أكثر"، يقول الروائي محمد صلاح العزب في روايته "سيدي براني".

أقوال جاهزة

شارك غرد"هناك غريزة أقوى وأشد من الغريزة الجنسية، وهي البقاء والمحافظة على النوع"

شارك غردالجد/ة في الغالب يستشعر قرب الموت أكثر من الوالدين، وجود حفيد قد يطمئنه على استمرار حياته ولو بذكر سيرته

في الرواية المستوحاة من حبه لجده، المدفون في مدينة سيدي براني (على الحدود المصرية الليبية)، يتعامل صلاح العزب مع فن الحكاية وكأنه سجن كبير لكنه لذيذ: "وما دمت قد دخلت (الحكاية) فلن تخرج، حتى تشق قلبك بسكين كبير من الداخل، شقاً يتسع لخروجك، والشق الذي من الداخل لا يلتئم".

غواية الحكاية، ربما كانت سراً للعلاقة بين الجد والحفيد، فلطالما كان لدى الجد/ة وقت للحكي وتسلية الصغير، في وقت قد تنشغل الأم أو الأب عن أبنائهم، وهو أمر تزيد معه الألفة بين الطرفين، فالكبار بحكم السن وتعدد التجارب وحنينهم إلى الماضي يريدون الحكي، "ومن يفرط في حكايته يموت، ولا يموت إلا من تنقطع حكايته"، كما يقول محمد صلاح العزب، وفي المقابل فإن الصغار لديهم شغف للاستماع، وهنا يحدث الانجذاب.

وعبّرت عن ذلك أعمال فنية وأدبية كثيرة، منها مسلسل "حكايات جدتي"، كتاب"من حكايات جدتي" لسهير القلماوي، وأغانٍ عن حكايات الجد:

وحواديت الجدة:

هذه الأعمال تخص الأطفال، فماذا عن الشباب المرتبطين بأجدادهم؟

أثبتت دراسة لأساتذة من جامعة ساوثهامبتون البريطانية، وجامعة ميسوري الأمريكية، أن 80% من البشر يشعرون بالحنين إلى الماضي "nostalgia" مرة على الأقل أسبوعياً.

وأوضحت أن لدى من يشعرون بالوحدة ميلاً دائماً إلى النوستالجيا، خصوصاً كبار السن (الأجداد)، ما يولد لديهم رغبة في الحديث عن الماضي.

في المقابل، يعد السفر عبر الزمن أمراً مخصّباً للخيال، ومشبعاً لفضول الباحثين عن المجهول، ولقيت الأعمال الإبداعية التي اقتربت من هذا الأمر رواجاً، كرواية "آلة الزمن" لهربرت جورج ويلز.

وربما تدل المليارات الضخمة التي تنفق في تجارة وتهريب الآثار، وكذلك في سياحة الآثار والمهرجانات التراثية، على ولع الإنسان بالماضي. أضف إلى ذلك كمية المشاهدات المليونية للأفلام والأغاني والبرامج القديمة، بل والحديثة التي تتناول أحداثاً ماضية. وبرز ذلك في تخصص فضائيات مثل "روتانا كلاسيك" و"ماسبيرو زمان"، بالإضافة إلى عشرات الصفحات والمنصات الإلكترونية المتخصصة في عرض القديم أو الحديث عنه.

كل ما مضى قد يجد الشاب أو الشابة صورةً حية منه في حكايات الجد/ة عن الماضي، وهو أمر أكده الدكتور سعيد عبدالعظيم، أستاذ الطب النفسي في جامعة القاهرة، لـ"رصيف22"، موضحاً أن سن الشباب والمراهقة تتسم غالباً بالتمرد على الواقع والرغبة في تغييره، وأحياناً يكون هذا التغيير بالذهاب إلى الماضي الذي لم يشاهده الشباب، خصوصاً إذا كان الحاضر متعثراً.

الرغبة في الخلود أقوى من حب الجنس

ربما تكون متانة العلاقة بين الجد/ة والحفيد، لرغبة الأول في الخلود عن طريق هذا الصغير، الذي يمثل امتداداً له واستمراراً لسلالته.

وتبارى الفلاسفة في الحديث عن الخلود والفناء، وإبراز حب الإنسان للخلود، ومنهم الإسباني، ميغيل دي أونامونو، الذي يرى أن خلود النفس هو الغاية النهائية للحياة، بحسب ما جاء في كتابه "الشعور المأساوي بالحياة".

وضمنت الديانات السماوية للإنسان عالماً آخر سيخلد فيه، ما يدل على أهمية وتجذر تلك الرغبة لدى الإنسان.

تقول الأديبة والناقدة بثينة الناصري في كتابها "الحكاية الشعبية: دراسة وتحليل": "هناك غريزة أقوى وأشد من الغريزة الجنسية، وهي البقاء والمحافظة على النوع، وما الجنس إلا تعبير عن هذه الغريزة الأصلية. كان الموت ولا يزال شغل الإنسان الشاغل. كان ولا يزال يرعبه ويجسم له عبث حياته إذا ما انتهت بالفناء، لهذا كان يبحث دائماً عن سبيل للخلود والاستمرار. وما الأساطير والديانات إلا تطميناً له بوجود حياة أخرى يعيشها بعد رحيله عن هذه الحياة. وقد أصبح الجنس مظهراً من مظاهر هذا الخلود، فعن طريق التناسل يخلد الإنسان نفسه".

الجد والجدة في الغالب يستشعران قرب الموت أكثر من الأب والأم بحكم عمرهما، ولذلك فإن وجود حفيد قد يطمئنهما على استمرار حياتهما ولو بذكر سيرتهما بعد الرحيل، لزمن يمتد إلى ما بعد عمر ابنيهما أو ابنتيهما، وهو ما أكد عليه الدكتور نبيل الزهار، أستاذ علم النفس في جامعة قناة السويس لـ"رصيف22".

وترى باحثة علم النفس في جامعة بازل السويسرية، سونيا هيلبراند، في دراسة أعدتها بالاشتراك مع باحثين آخرين، أن تلك العلاقة بين الجد والحفيد، قد تكون آلية؛ لتجذرها في الماضي البشري التطوري، عندما كانت رعاية الأطفال أمرًا ضرورياً لبقاء الجنس البشري قديماً.

أطفال أصحاء يطيلون أعمار أجدادهم

عرض الدكتور حسن محمد صندقجي دارسة لباحثين من كلية بلومبيرغ للصحة العامة، في جامعة جون هوبكنز، شملت 5 آلاف و500 طفل، وتوصلت إلى أن الأطفال يكونون بصحة نفسية أفضل، إذا كانوا في رعاية أجدادهم، خصوصاً في حالة غياب الوالدين للعمل أو السفر.

وبينت الدراسة أن تربية الجد/ة للأطفال، يقلل من إصابتهم بإصابات الحوادث بنسبة 50% عن رعايتهم من قبل آخرين.

ويشير صندقجي إلى فرق واضح بين رعاية الجد أو الجدة للحفيد، وبين رعاية الأم أو الأب لطفلهما، مشيراً إلى نكهة مفعمة باللهفة والمحبة والرفق والعطف، في علاقة الجد/ة بالطفل، يُقابلها إحساس جاف لدى الوالدين يُسميانه بـ"المسؤولية"، ويؤدي هذا الإحساس إلى عدم تدليل الطفل أو تركه يفعل ما يحلو له.

أسلوب "الصرامة" في طلب تنفيذ التوجيهات، الذي يعتمد عليه الوالدان، لا يستخدمه غالباً الجد أو الجدة، فيلجآن إلى التواصل الحنون، المبني على ترغيب الطفل بفعل ما هو أفضل له ولحمايته، وهو أسلوب ربما يؤدي بالطفل إلى الابتعاد عما يؤذيه، يؤكد صندقجي.

في المقابل تتحسن صحة الأجداد بمجالسة الأحفاد. فقد أثبتت دراسة سونيا هيلبراند، التي شملت 500 مسن تجاوزوا الـ70 عاماً، أن الأجداد الذين يجالسون أحفادهم يعيشون عمراً أطول من غيرهم.

وحاول الباحثون تفسير ذلك، فقالوا إن الأمر ربما يرجع إلى تنمية الشعور بالذات لدى المسنين، لوجود هدف يعملون من أجله، وهو أمر ينشط حالتهم الجسدية والعقلية.

محمد حسين الشيخ

كاتب مصري، عمل كصحافي تحقيقات، وكاتب مقالات لعدد من الصحف والمواقع المصرية والعربية منذ عام 2004، وكان مساعدا لرئيس تحرير موقع دوت مصر، ومهتم بالتاريخ والفن.

التعليقات

المقال التالي