خائفون وغاضبون ومكتئبون... نحن جيل كبتته العائلة وقمعته السياسة

خائفون وغاضبون ومكتئبون... نحن جيل كبتته العائلة وقمعته السياسة

في بيت ريفي عتيق في أقاليم الدلتا المصرية، ينزل علي، الطفل الذي بدأ يكتشف جسده تواً، على السلالم المتآكلة، ويده في يد جارة الطفولة.

فتح باب الزريبة الخشبي، تجتر جاموسة العائلة عشبها بهدوء، وتلقي إليهم نظرات مسالمة، لا مبالية. خلف الباب نصف المفتوح، بدأ علي يتحسس بشغف واندهاش جسد جارته، مبهوراً بفوران جسمه. فجأة، تلقى ضرباً مبرحاً من والده، وتهديداً ووعيداً.

دائماً يتذكر علي (36 عاماً)، وهو مدرّس لغة عربية، تلك الحادثة بألم وقهر، وعادةً يحكيها لي كلما التقينا في فترات متباعدة.

تجسد فترة المراهقة تلك التي يكتشف فيها الشباب والفتيات غرائزهم، مرحلة التحول النفسي والجسدي من أطفال إلى بالغين. ويبدو العالم حينها واعداً باحتمالات لا نهائية من المغامرات والمتع، وهي المرحلة نفسها التي يتدخل فيها الآباء بقسوة لكبح جماح أبنائهم.

تروي سالي، خريجة جامعية تسكن في عشوائيات القاهرة، أنها تمردت أثناء فترة المراهقة مرة، وليوم واحد، على عائلتها، عندما قررت أن تستمتع بإجازتها من العمل، الذي كانت تتدرب فيه خارج القاهرة مع أصدقائها.

فور رجوعها إلى المنزل ضربها أهلها بشدة، وحجزوها في غرفة منعزلة لأسابيع، وأجروا عليها اختبار كشف العذرية، وقرروا عدم عودتها للعمل مرة أخرى.

طبيعة المراهقة

يقول رونالد دال، الاختصاصي في الطب النفسي وفي تنمية دماغ المراهقين في مركز جامعة بيتسبرغ، إن تغيرات درامية كبرى تشكل الدماغ في الفترة التي تبدأ من النضوج الجنسي وتمتد حتى سن البلوغ.

ويعتبر أن الفكرة القائلة إن الدماغ البشري ينمو بشكل كامل في السنوات الأولى من البلوغ، هي سوء فهم خطير، إذ تستمر الأنظمة العصبية في إظهار مرونتها وقدرتها على التشكل والتصلب بحسب خبرة الأفراد، خصوصاً النظم العصبية التي تنخرط في الدوافع والمشاعر في فترة المراهقة.

ويشير دال إلى أن أهم مظهر في مشاعر البالغين ميلهم الطبيعي نحو مشاعر عالية الكثافة، والهيجان، والإثارة بدرجات متفاوتة، لذا يحبون الموسيقى الصاخبة، والألعاب العالية المستوى من الأدرينالين.

يتحدث دال عن النمط السائد في علاقات المراهقين الغرامية، إذ يمكن لشاب وفتاة لم يتعارفا بشكلٍ كافٍ أن يتحابا بعد أول مقابلة، وتتحول بسرعة علاقتهما إلى أولوية تشغل بالهما عن الدراسة والمستقبل والأسرة وأي شيء آخر.

shutterstock_632264498

يقول علم الأعصاب إن هناك ميلاً للشباب الذكي إلى التصرف بتهور، تحت تأثير مشاعر قوية، ما يجعلهم دائماً عرضةً للصدام مع آبائهم.

في مجتمعات محافظة وفقيرة يتطرف الاهتمام بالشكليات، والرسميات. تنحصر المساحة التي يمنحها الآباء لأولادهم المراهقين، المتعطشين للمغامرة واكتشاف مشاعرهم وغرائزهم.

ما هو حجم الخيارات الحقيقية المتاحة للمراهقين في هذه المرحلة الحساسة من حياتهم؟ وماذا تعني كلمة "حقوق" للشباب والفتيات في هذه السن؟

وهل يمكن لغريزة الحب في الأب والأم أن تنتصر لأبنائهم ضد تصوراتهم المسبقة عن الجائز والمحرم، وضد تقاليد المجتمع وشكلياته؟

أقوال جاهزة

شارك غردالنظام السياسي والأبوة/الأمومة عملية متوازية، كلاهما يحاول الحفاظ على النظام، وكلاهما تعميه رغباته وتوقعاته المسبقة

عملية مؤلمة للآباء والمراهقين

في رده على سؤال على موقع التواصل "كورا"، يقول نان والدمان، مستشار في مجال الأبوة، إن الأهل في فترة مراهقة أولادهم لا يعرفونهم، ولا يستطيعون قراءة عقلهم وأفكارهم. يتغير المراهقون بسرعة كبيرة، إلى درجة لا يدركونها أنفسهم، لذا لا يستطيع الأهل رؤيتهم كما هم، لا سيما أنهم يتغيرون ليس فقط كأطفال أو بالغين، بل يتحولون إلى أشخاص آخرين.

هي عملية محيرة ومؤلمة للآباء والمراهقين، بحسب والدمان، إذ يحتاج المراهقون إلى رفض الآهل من أجل التفرد عنهم، ولكن الأهل يأخذون سعي الأطفال إلى الفردية بشكل شخصي، ويشعرون بالرفض والانتقاد، والسبب أنهم نسيوا كيف كانت عملية الانفصال الفردي عن الآباء صعبة ومؤلمة.

ويساعد الآباء في نسيان ذلك الاعتقاد الشائع بأن المراهقين مندفعون، ولا يستمعون إلى صوت العقل، ولكن السبب الحقيقي الذي يتجاهلونه، هو أن المراهقين كبروا بشكل كافٍ ليعرفوا أن هذا غير صحيح، ولكن ليست لديهم الخبرة التي تعرّفهم على طريقة التعامل مع الأمور.

بحسب أحد التعليقات على الموضوغ، الحكمة الأبوية أبعد عن الكمال، فالأهل يتمسكون بأساليب لم تعد متماشية مع العصر الحديث. ومن الأمثلة على ذلك ميل الآباء للقول عندما يطلب منهم أبناؤهم المراهقون توضيحاً: "لأنني قلت كذا". بشكل طبيعي، يتمرد المراهقون على مثل هذا الاستخدام الاستبدادي للسلطة، فإذا كان آباؤهم لا يعرفون السبب، فهم لا يعرفون لماذا يجبرونهم على هذا.

"لماذا لا يستمع الآباء إلى أبنائهم؟"

تطرح الأمريكية لينا أكوستا سندال، خبيرة في العلاج النفسي التربوي، وهي أم وزوجة، هذا التساؤل البديهي، وتزعم أن الآباء يجيبونها دائماً: إذا تصرفت بتلك الطريقة فكيف أحافظ على سلطتي؟ سيربحون.

تؤكد سندال دائماً للأهل على ضرورة التواصل وفهم مشاعر وسلوك الأطفال والمراهقين. والغريب الذي لاحظته أثناء عملها في تنظيم المؤتمرات، إن هذه هي الإجابة نفسها التي يرددها السياسيون مع الشعب.

تعلق سندال: "النظام السياسي والأبوة/الأمومة عملية متوازية، كلاهما يحاول الحفاظ على النظام، وكلاهما تعميه رغباته، وتوقعاته المسبقة، وواجباته، ويتجاهل كيف نساعد الطفل والمجتمع على تلبية احتياجاته لينمو ويزدهر".

وتتساءل: "إذا كان الآباء لا يريدون الاستماع إلى أطفالهم، الذين يحبونهم أكثر من أي شيء في العالم، وفهمهم، فكيف يمكننا أن نستمع إلى شخص آخر في مجتمعنا ونفهمه، خصوصاً مع الآخرين الذين لا يشبهوننا؟

"كسر إرادة" الأبناء

تقول الطبيبة النفسية نانسي دارلين في مقال في موقع "سايكولوجي توداي"، إن السيكولوجيين الكلاسيكيين يصنفون طرق التربية لناحية أنماط الأبوة والأمومة، ويستند التصنيف الأكثر شيوعاً إلى عمل ديانا بومريند، المتخصصة في وسائل التربية، والتي ميزت بين الحزم والاستبداد.

ركزت بورميند على السيطرة، واعتقدت أن وظيفة الوالدين تتمثل في تنشئة الأطفال اجتماعياً، وتعليمهم. ويختلف الآباء في نوع السيطرة التي يمارسونها.

يعتقد الآباء الاستبداديون أن الأطفال يتمتعون بالإرادة القوية والتسامح، ويقدرون الطاعة للسلطة العليا "الوالد، المسجد أو الكنيسة، المعلم". ويعتقدون أنه ينبغي كسر إرادة أبنائهم، وينظرون إلى العناد على أنه جذر التعاسة، والسلوك السيىء، والخطيئة، لذا الآباء الرائعون، من وجهة نظرهم، هم الذين يحاولون كسر إرادة الطفل.

وتعتبر سوزانا ويسلي، مؤسسة الكنيسة الأسلوبية، نموذج بومريند للأم الاستبدادية، وهو الأشهر بين علماء النفس، وتتجسد فلسفة ويسلي في التربية بعبارة كتبتها: "الإرادة الذاتية هي أصل كل خطيئة وتعاسة"، لذا تعتقد أن كسر هذه الإرادة تؤمن "مستقبلاً سعيداً وتقياً" لأبنائها.

ويعلق المقال بأن هذا النوع من الانضباط "صارم ومتسق ومحبب" للآباء، ويحفزه بشكل واضح حب الأم لأطفالها.

الطريقة الحازمة في المقابل، أقل درجة من الاستبدادية، إذ يتصرف الآباء بشكل براغماتي، مهتمين بقضايا بعينها في الطفولة، ويميلون إلى تكييف توقعاتهم مع احتياجات الطفل، يستمعون إلى مبررات الأطفال حتى لو لم يغيروا قناعاتهم، يحاولون إقناعهم وتوضيح فكرتهم، ولكنهم يعاقبون الأطفال في النهاية إذا لم ينفذوا أوامرهم.

والأهم من ذلك، يحاولون الموازنة بين فرض ما يرونه صواباً، ومسؤوليتهم حيال الطفل في التأكيد على احتياجات ومتطلبات خاصة بحقوقهم كأطفال.

يشعر الآباء الحازمون بأنهم أكثر حكمةً ولديهم سلطة لتوجيه أبنائهم، ويأملون أن يتبنى الأطفال أفكارهم في دواخلهم، أما أبناؤهم، بحسب دارلين، فيميلون إلى الشعور بالاكتئاب، وتقديرهم لأنفسهم منخفض.

علي وسالي اختبرا، بعد سنوات المراهقة، حالة اكتئاب مزاجية. الأول كلما أحس بانجذاب جنسي يجتاحه شعور بالخوف، وبعد زواجه اعتبر الممارسة الجنسية عبئاً نفسياً ثقيلاً، ما دفعه في النهاية إلى أن يهجر زوجته جنسياً.

سالي أكملت دراستها، ولكن ظلت حالة الاستقلال والاستمتاع بالحياة مقترنة بخوف ورعب غامضين، وتشتكي دائماً من كثرة التحرشات في غالبية الوظائف التي تولتها، إلى الحد الذي دفعها للانعزال فترة من حياتها.

أسرة ودولة يد واحدة

عندما اندلعت ثورة 25 يناير 2011 في مصر شاركت فيها سالي، ولكن بطريقة سرية عن أهلها، فهي تشعر بالعجز عن مواجهة أسرتها. وقد اعتُبر مشهداً كاريكاتورياً، وصم جيل ثورة يناير، مشهد الشخص الذي يقف أمام الدبابات عاري الصدر رافع الرأس، ولكن بمجرد دخوله "بيت العائلة"، يتحول إلى شخص آخر، لا يجرؤ على الحديث عن "بطولاته" أمام والديه.

بعد الإطاحة بالإخوان المسلمين عام 2013، وتوجه الدولة لإدارة الشؤون السياسية بطريقة عسكرية أمنية، تعاونت بعض الأسر المصرية بصورة غير مسبوقة مع أمن الدولة، وأبلغ بعض الأهالي رجال الأمن عن انتماء أبنائهم لأنهم عجزوا عن كبح جماحهم.

أشهر تلك القصص والدة علي الزيات، الكادر في حركة ستة إبريل الشبابية المعارضة، التي أبلغت عن انضمام ابنها إلى حركة 6 إبريل المعارضة، وعندما رفض ضابط في قسم النزهة في مصر الجديد تحرير المحضر، استدعت الأم عناصر من شرطة النجدة. وقالت لهم إن ابنها يعقد اجتماعات سرية مع أعضاء الحركة داخل المنزل، فاحتجزوه، بحسب موقع "مصر العربية".

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد رفضت الأم حضور أي محامٍ نيابة عن ابنها وقالت: "الولد ده لازم يتربى".

نحن جيل من شباب وفتيات، قسم كبير منهم مكسورة إرادتهم لمصلحة أصحاب يسيرون بجوار الحائط حذرين، وهم مهيّأون للانخراط في ظروف عمل غير آدمية، وقابلون للتعايش مع ظروف يصعب التعايش معها، وجائعون للتقدير الذاتي من رؤسائهم وأصحاب السلطة والنفوذ.

حتى الغريزة التي اكتشفناها باستغراب وفرح في التاسعة والعاشرة، نقاربها في العشرين والثلاثين بخوف وقلق.

التعليقات

المقال التالي