عن شيرين والبلهارسيا وحرية التعبير

عن شيرين والبلهارسيا وحرية التعبير

تتعامل المطربة المصرية شيرين عبد الوهاب بتلقائية ملحوظة في حفلاتها، لكن يبدو أن غالبية الجمهور لا ينتظرون من النجم سوى أن يكون نموذجاً مثالياً، لا يخطىء، وإلا فهم جاهزون للتحول إلى قضاة يصدرون أحكامهم من أول جلسة.

لم تتخلص مصر من مرض البلهارسيا بشكل كامل حتى الآن، فبحسب بيان لوزارة الصحة المصرية فإن معدل الإصابة انخفض خلال السنوات الأخيرة إلى 0.2%، ورغم أن النسبة قليلة، فهذا يعني أن احتمال الإصابة بالمرض قائمة.

إذاً، فحديث المطربة شيرين الذي جاء في مقطع مصور انتشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حين طلبت منها واحدة من المعجبات غناء "مشربتش من نيلها" لترد المطربة "هيجيلك بلهارسيا، إشربي مياه إيفيان أحسن"، لم يكن كذباً بقدر ما كان غير دقيق.

علماً أن مياه النيل لا تسبب بلهارسيا لدى تناولها مباشرة، بل تأتي الإصابة عن طريق ملامسة الجلد لمياه النهر الراكدة في الترع والقنوات.

لكن أغلب المصريين تعاملوا مع الأمر بحساسية شديدة، ربما لأن الحفل الذي قالت فيه شيرين ذلك الكلام لم يكن في مصر، بل في الشارقة، وبالتالي تحول الأمر إلى "شيرين فضحت المصريين خارج مصر"، على حد تعبير أحد مستخدمي فيسبوك.

MAIN_Shirine2

حين يتحول النجم إلى "إنسان عادي"

شيرين ليست الوحيدة التي تسبب "كلامها التلقائي" في أزمة بينها وبين جمهورها، ففي العام 1977 ثارت الصحف المصرية وامتعض الجمهور من العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، بسبب تصرف عدّوه "غير لائق منه" أثناء آخر حفلاته وهو يغني "قارئة الفنجان".

لم يشفع للعندليب مرضه البادي عليه وتصببه عرقاً، ولا حتى تاريخه وموهبته الفذة، رغم أن كل ما قاله اعتراضاً على مضايقات الجمهور له "أنا كمان بعرف أصفر وبعرف أتكلم وبعرف أزعق. بس بقى".

وقبل أن يصفر، انتقده الجميع واعتبروا طريقته الغاضبة "عدم احترام للجمهور"، ثم خرج العندليب ليعتذر ويبرر تصرفه.

لم تكن هذه أول مرة يغضب فيها الجمهور من العندليب، إذ سبق أن أبدى في إحدى الحفلات غضبه من أن أم كلثوم غنت قبله في حفل حضره الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وهو الحفل الذي أطالت فيه وصلتها الغنائية.

قال العندليب حين ظهر على المسرح "أنا مش عارف، إذا كان غنائي بعد السيدة أم كلثوم شرفاً لي أم هو مقلب من أم كلثوم"، فغضب الجمهور واعتبر أن العندليب يهين كوكب الشرق.

أزمات شيرين لا تنتهي

لعل الأمر اختلف الآن وتغيرت العديد من القيم، لكن بقي للفنان "هالة" من "المسموح وغير المقبول" يضعه بها الجمهور، ويبدو أن الفنانة شيرين عبد الوهاب ترفض أن تقنتع بذلك وتصر على أن تتعامل بتلقائية مهما تسببت لها بمشاكل.

فقد سبق أن قالت رأيها بكل صراحة في المطرب عمرو دياب ملمحةً إلى أن زمنه انتهى، كما تسببت تلقائيتها بأزمات مع إيهاب توفيق، وتامر حسني، ومحمد حماقي.

كما وصفت إليسا بـ"المحقونة" وتقصد البوتوكس وعمليات التجميل خلال الحفل ذاته، بخلاف العديد من الفيديوهات والمناسبات التي شتمت خلالها الملحن والمطرب عمرو مصطفى.

كما ثار الجمهور بعد سماعه عدداً من الألفاظ الخادشة للحياء مثل "كلنا هنتفشخ" خلال إحدى حلقات ذا فويس.

وكان لخلع شيرين حذاءها خلال الموسم الثالث من برنامج ذا فويس، للضغط به على زر الإعجاب بالمتسابق الجزائري، ناصر عطاوي، أثر سيىء في نفوس الجزائريين الذين اعتبروا تصرفها هذا انتقاصاً من كرامة بلدهم وممثلها.

ورغم اعتذار شيرين بدايةً، لتهدئة رد الفعل الثائر ضدها، عادت لرفع حذائها في وجه "الناس اللي اتكلمت كتير"، في تأكيد منها للإعجاب بصوت المتسابق نفسه في مرحلة لاحقة.

كيف تفكر شيرين؟

ويمكن فهم طريقة تفكير شيرين من تعليق بسيط لها على أزمة أخرى حين قالت في مهرجان قرطاج الدولي بتونس في دورته الـ53 أن طفلتها تقول "بقدونس" بدلاً من تونس.

يمكن فهم طريقة تفكير شيرين من تعليق بسيط لها على أزمة أخرى حين قالت في مهرجان قرطاج أن طفلتها تقول "بقدونس" بدلاً من تونس

ففي اتصال هاتفي مع الإعلامي المصري عمرو أديب، مقدم برنامج كل يوم الذي يعرض على فضائية "ONE"، قالت شيرين "الجمهور (التونسي) هناك صفق لي واتبسط وضحك معايا لأنهم ناس مثقفين مش مرضى نفسيين". وهذا ما يعني أن المطربة تتوقع من الناس أن يتعاملوا مع تلقائيتها ببساطة وألا يحمّلوا أي جملة تقولها في حفلاتها أكثر مما تحمل.

وفي العام 2012 قرر نقيب الموسيقين وقتها إيمان البحر درويش إيقاف شيرين عن الغناء بسبب تطاولها بالألفاظ والاتهامات غير المقبولة على النقابة والنقيب.

لكن يبدو أن الأزمة الأخيرة المتعلقة بالنيل أكبر من كل ما سبق، ربما لأنها تتعلق بشريان الحياة بالنسبة لملايين المصريين، أو لأن شيرين نفسها غنت للنيل من قبل، وكثيراً ما يخفق الناس في أن يفصلوا بين النجم وأعماله الفنية، فهم يفترضون أن العمل الفني يجب أن يعبر عن أفكار الفنان.

ربما لهذا تعرّض المطرب تامر حسني وهيثم شاكر لمشاكل حين أنشدا أغاني وطنية قبل أن يعرف الناس أنهما متهربان من التجنيد، وباتت أزمتهما ليست تهربهما من التجنيد كجريمة بحسب القوانين المصرية، بل كيف غنيا أغاني وطنية وهما متهربان من الخدمة العسكرية؟

أقوال جاهزة

شارك غردللفنان "هالة" من "المسموح وغير المقبول" يضعه بها الجمهور ويبدو أن شيرين ترفض أن تقنتع بذلك

شارك غردتطلب معجبة من شيرين غناء "مشربتش من نيلها" فترد "هيجيلك بلهارسيا" وتشتعل وسائل التواصل الاجتماعي

جهل وعدم تمييز؟

ويقول الناقد الفني طارق الشناوي لرصيف22 إن أزمة شيرين تنبع من عدم قدرتها على التمييز بين ما يقال أمام الكاميرا وما يقال في الجلسات الخاصة.

ويستطرد: "ربما ما قالته لم يكن بتلك البشاعة لو جرى بين أصدقائها، لكن الوقوف أمام الجمهور وتحت الأضواء مسؤولية يبدو أن شيرين ليست على قدرها، حتى أنها لم تترك فرصة لأعدائها حتى يتصيدوا لها الأخطاء، فوقفت تقذفهم بها تباعاً".

أما الناقدة ماجدة خير الله، فتؤكد لرصيف22 أن ما فعلته شيرين لا ينم إلا عن "جهلها" و"جليطتها"، موضحةً أن المطربة "لا تفتح فمها إلا وتتسبب بكارثة".

وتضيف: "هذه السيدة غير معقولة ولا أجد أي مبرر لما تفعله. إنها تتبرع بالخطأ بكامل إرادتها، وتسيء لذاتها ولموهبتها من دون أن يطلب منها شخص ذلك".

ويتفق الناقدان على أن "ضريبة النجومية" تفترض على الفنان معرفة "ماذا يقول وأين ومتى" مع تنحية التلقائية والصراحة، إلا في مواضعهما، وإن كانا لا يتفقان على أن ما فعلته الفنانة يمكن أن يوصف بـ"التلقائية".

كيف علّق الجمهور؟

ورغم ارتفاع ضحكات الجمهور في المسرح، فإن غالبيته فوجئت بما تلفظت به شيرين، التي عادت واعتبرته "نكتة".

إذ دشن الجمهور هاشتاغ #بشرب_من_نيلها_ومش_هسمع_شيرين الذي تصدر تويتر على مدار اليومين الماضيين في مصر، ولم تهدأ خلالهما التعليقات والاتهامات للفنانة، أبرزها نكران الجميل لبلدها.

كذلك تعجب بعض العرب من إساءتها لبلدها، في حين دافع آخرون عنها وتعجبوا مما اعتبروه صيداً لأخطائها.

ردود الفعل الرسمية

أما ردود الأفعال الرسمية فكانت أكثر حدة، إذ خرج المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة المصرية، خالد مجاهد للتأكيد أن بلاده تمكنت من خفض معدلات الإصابة بالمرض.

كما قررت نقابة الموسيقيين المصريين إيقاف شيرين وإحالتها للتحقيق، بينما قررت الإذاعة والتليفزيون وقف إذاعة أغانيها لحين الانتهاء من التحقيق معها، وشن المذيعون والمذيعات وعدد من الملحنين والنقاد والفنانين هجوماً واسعاً عليها.

وتقدم  المحامي المصري سمير صبري ببلاغ رسمي ضد شيرين اتهمها فيه بتعمد الإساءة لمصر وتخويف الأجانب والإضرار بالسياحة.

وكانت سما المصري أكثر قسوة في ردها على شيرين، فذكرتها بماضيها "الفقير" وطالبتها بالابتعاد عن مصر التي لا تحبها واصفة إياها بـ"مُحدثة النعمة".

اعتذار شيرين

بعد الجدل الكبير، أصدرت شيرين بياناً تعتذر فيه عما بدر منها فى الفيديو المتداول، مؤكدةً أنها هي الطفلة المصرية البسيطة التي نشأت في منطقة القلعة الشعبية وتعلمت حب هذا الوطن والانتماء إليه، وأنها هي نفسها التي كبرت وأصبحت شخصية عامة تحاسب على كل نفَس تتنفسه وكل حركة تتحركها، ولكنها ما زالت تحتفظ بطفولتها وعفويتها، وهو ما يسبب لها الكثير من المشاكل.

وأضافت "أنا شيرين عبد الوهاب التي غنت لمصر وشهدائها ولم تتأخر في تلبية نداء وطنها في أي وقت بصوتها واسمها، ورفضت الغناء في أي دولة على خلاف سياسي مع وطنها مهما كانت الإغراءات".

وعن الفيديو، قالت: "هذا الفيديو الذي أصاب أبناء وطني بالصدمة من حفلة في الشارقة منذ أكثر من عام ولن أبحث وراء من حتفظ به كل هذه المدة ليظهره الآن، وفي هذا التوقيت، وشاهدته كما لو كان هذا الموقف يحدث أمامي لأول مرة. فأنا بالفعل لا أتذكر أني قلت هذا الكلام لأنني بالطبع لا أعنيه ولا يعبر عما بداخلي تجاه وطني، وكما ذكرت سابقاً كان دعابة سخيفة، ولو عاد الزمن بي لما كررتها".

يظهر بيان الاعتذار أن شيرين "لا تزال تحتفظ بطفولتها وعفويتها"، لكن يبدو أن أغلب الجمهور غير مستعد للإيمان بأن من حق كل إنسان أن يعبر عن رأيه، وأن يقول ما يشاء في أي مكان وفي أي وقت، وأن كون الإنسان "طفلاً عفوياً وتلقائياً" جريمة تستحق العقاب.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

كلمات مفتاحية
الفن مصر

التعليقات

المقال التالي