ما العالم العربي إلا "طابور" كبير

ما العالم العربي إلا "طابور" كبير

أمام متحف آن فرانك (أكثر ضحايا الهولوكوست شهرة) في أمستردام، اصطف العشرات من جنسيات مختلفة في طابور طويل انتظاراً لزيارة المكان الذي اختبأت فيه الطفلة منذ سنوات طويلة من الاضطهاد الذي عانى منه وقتذاك مواطنون يهود.

كان الطابور منظماً والناس فيه مبتسمون، يتشابه وصف هذا الطابور مع الممتد أمام برج إيفيل الشهير في باريس، وأمام بقية المراكز الفنية والثقافية والتاريخية في دول العالم المتقدم، حيث الطابور يجسد معنى النظام ورغبة الناس في اكتشاف عوالم جديدة من الفن والثقافة.

أما في غالبية الدول العربية، فالطوابير ليست أمام المتاحف والمراكز الثقافية بقدر ما هي أمام مؤسسات حكومية تقدم خدمات لهم. هذه الطوابير بمعظمها كابوس وأنموذج للفوضى والفساد، يمضي فيها الناس وقتاً طويلاً، في محاولة فاشلة غالباً لتغيير واقعهم القبيح.

طوابير الجهل والفقر والمرض

قبل الربيع العربي، وقف المئات في طابور تشوبه الفوضى في اليمن، وبالتحديد أمام منزل الداعية اليمني الشيخ عبدالمجيد الزنداني، حيث ادعى الرجل أنه يمتلك خلطة لعلاج أمراض تتعلق بالمناعة ومنها مرض الأيدز، قبل أن يتضح أن الأمر مجرد كذبة لا أساس علمياً لها.

بعد حوادث "الربيع العربي"، زادت الطوابير في اليمن، من أناس يبحثون هذه المرة عن لقاحات وعلاجات لأمراض عدة انتشرت في البلد، منها الكوليرا. بينما اصطف كثرٌ في طوابير بهدف الحصول على مساعدات إنسانية بعد حرب قادتها السعودية وتسببت في خراب البلد الذي لم يكن سعيداً في يوم من الأيام على عكس اسمه.

أقوال جاهزة

شارك غردفي معظم الدول العربية الطوابير ليست أمام المتاحف بقدر ما هي أمام مؤسسات حكومية تقدم خدمات

شارك غردالطوابير بمعظمها كابوس ونموذج للفوضى والفساد يمضي فيها الناس وقتاً في محاولة لتغيير واقعهم

لم تختلف الحال مع مواطنين من دول عربية أخرى بعد "الربيع العربي"، فأمام مخيمات اللاجئين، يقف مئات السوريين، انتظاراً لمساعدات وأدوية تصل إليهم عبر منظمات دولية في مخيمات يسكنونها. وأمام معبر رفح، يقف مئات الفلسطينيين العالقين منتظرين فرصة للعبور إلى مصر لقضاء مصالحهم المختلفة.

مصر نفسها يتعدد فيها شكل الطوابير من طوابير في المستشفيات الحكومية غالباً ما تنتهي بالفشل بسبب عدم وجود أسرّة، مروراً بطوابير الحصول على المعاشات التي لم تعد تكفي، وانتهاء بطوابير المصالح الحكومية حيث التفنن في إهانة الناس من غير دفع رشى.

عن طابور المدرسة في العالم العربي

في إحدى المدارس الابتدائية الحكومية الواقعة في حي إمبابة الشعبي بمصر، وقفت الطفلة مريم محمد وسط طابور طويل في فناء المدرسة مع أطفال في مثل عمرها، أطول منها وأقوى، فجأة قامت زميلة للطفلة التي تعاني من قصر القامة بدفعها خارج طابور الصباح الذي يُحيّا العلم بشكل يومي في تمام السابعة صباحاً.

لم تستطع مريم أن تقاوم، ووجدت نفسها خارج الطابور الذي يعني الخروج من نظامه التعرض للضرب المبرح من أحد مشرفي المدرسة الحكومية.

حاولت الطفلة أن تشرح للمشرف أن زميلة لها دفعتها بقوة خارج الطابور، إلّا أنها لم تفلح وكانت الرسالة واضحة: "الخروج من الطابور يقابله ضرب بالعصا".

تقول الطفلة لرصيف22، أنها تكره المدرسة، بسبب طابورها السخيف الذي تضطر لأن تقف فيه نحو نصف ساعة يومياً، فيظهر قصر قامتها واضحاً للجميع ويضحكون عليها.

"حين أتأخر عن الطابور في الصباح أتعرض للضرب أيضاً"، تقول مريم بحزن.

تمنع القوانين ضرب التلاميذ في المدارس، لكنها تظل حبراً على ورق، حيث يتكرر الضرب في جميع المدارس المصرية.

يعد طابور الصباح واحداً من روتين المدارس الحكومية المصرية صباح كل يوم، إلّا أنّ الأزمة تكمن في أن عدد الطلاب الضخم بسبب قلة المدارس، يجعل "الهرجلة" جزءاً من الأمر.

كثيراً ما يتعرض التلاميذ للضرب أو يعاقبون بتظيف فناء مدرستهم إذا لم يحترموا الطابور الذي يتكرر فيه النشيد الوطني "تحيا جمهورية مصر العربية". وبسبب مشكلات تتعلق بالفقر وسوء التغذية أحياناً، يقع بعض التلاميذ الواقفين في الطابور من التعب.

بحسب الطبيب النفسي محمد إدريس، فإن طابور الصباح في المدارس قد لا يكون في حد ذاته أمراً سلبياً، لكن طريقة تنفيذه بشكل غير علمي هو المشكلة الحقيقية.

ووفق إدريس، فإن مدة الوقوف في الطابور لا تُختار بشكل علمي، ما يزيد تعب الأطفال من الوقوف لفترة طويلة، كما أن عدم وجود أي نوع من التغيير فيه بسبب تكراره كما هو بشكل يومي، يجعله سبباً لإصابة الأطفال بالملل ويقتل فيهم التفكير والإبداع.

"أما ضرب الأطفال لأي سبب، سواء لتأخرهم عن الطابور أو لخروجهم من نظامه، أو لأي أمر آخر فهو الكارثة الكبرى التي تدمر جيلاً كاملاً وتجعله كارهاً العلم"، يقول الطبيب.

المشكلة نفسها موجودة في دول عربية عدة، منها السعودية على سبيل المثل، حيث توصلت دراسة أكاديمية للباحثة السعودية حصة العوفي أجريت عام، 2011، إلى أن فرض عقوبات بدنية على الطلاب المتأخرين عن الطابور الصباحي، يتسبب في مشكلات نفسية وبدنية وتسبب نفور معظمهم من المدارس.

وأوضحت الدراسة أن العقاب البدني الذي يتعرض له الأطفال في بعض المدارس السعودية بسبب تأخرهم عن الطابور يعد الخطوة الأولى في زرع بذور الخضوع والخوف في نفوس الأجيال.

والدة مريم ليست أفضل حالاً من طفلتها، إذ تواجه في حياتها كابوساً آخر، أو طابوراً آخر، وهو الذي تقف فيه بشكل يتكرر مرتين أسبوعياً: تقف أمام سيارات الجيش المصري التي تباع فيها منتجات غذائية بأسعار مخفضة، ويقف أمامها المئات بسبب الغلاء الذي تعاني منه مصر في السنوات الأخيرة.

تنتشر هذه السيارات في محافظات مصر كلّها تقريباً، تحت شعار مكتوب على السيارات هو "محاربة الغلاء"، لكن الازدحام الشديد أمام هذه السيارات يجعل الشراء منها أقرب إلى كابوس.

تقول أم مريم: "الأمر غير إنساني، لكنّني مضطرة مثل غيري للتحمل حتى أشتري سلعاً بأسعار أرخص من تلك التي تباع في المحال. المشكلة أنني عندما يأتي دوري تكون غالبية السلع نفدت، ولم يتبق سوى أشياء قليلة، فأشتريها وأمري لله".

الطوابير للفقراء فقط

قرر الكاتب المصري سامح فايز مؤلف كتاب "جنة الإخوان"، الأسبوع الماضي، أن يجدّد بطاقته الشخصية، فأخبره صديق بأنه يمكن أن يوفر له "واسطة" (كلمة تستخدم لوصف الشخص المهم الذي يساعد في إنجاز أي مصلحة).

تجمع صديق فايز علاقة صداقة بضابط كبير في وزارة الداخلية المصرية يمكنه أن ينهي له جميع الأوراق، بينما يتناول فنجان قهوة في مكتبه ومن دون الحاجة إلى الوقوف في طوابير. ظن فايز أن المسألة أبسط من الحاجة إلى واسطة أو علاقات، وأن الأمر مجرد أوراق سيقدمها إلى مكتب السجل المدني، فقرر أن يخوض التجربة بنفسه.

"في اليوم المعلوم، انطلقت إلى مكتب السجل المدني في حي الهرم (أحد أحياء محافظة الجيزة المصرية) وأمام الباب، سألت موظف الاستعلامات أين أقدم أوراقي فأشار إلى طابور أوله أمام شباك في الطبقة الثانية وآخره في الطبقة الأولى من درج المبنى"، يقول فايز.

يضيف أنه لم يندهش من الموقف، فقد اعتاد أن حياته مثل أي حياة مصري عبارة عن مجموعة من الطوابير، "فأنت تقف في طابور للحصول على الخبز، وطابور للحصول على مستلزمات بطاقتك التموينية، وطابور لإنجاز أي ورقة حكومية مهما كانت بسيطة"، يتابع فايز.

بعد مرور ثلاث ساعات من الوقوف في طابور مكتب السجل المدني، تمنى الكاتب الشاب لو أنه وافق على عرض صديقه، ليس لإرهاق أصابه من الوقوف ثلاث ساعات كاملة في طابور، بل بسبب التفاصيل المحزنة التي رآها بين الناس وفق تعبيره.

تحوّل كل من في الطابور السخيف في لحظة أصدقاء، يحكون عن ارتفاع الأسعار، وضيق الحال، وقلّة فرص العمل، جميعهم بسطاء"، يزيد فايز.

لكن ما لن ينساه فايز هو موقف سيدة في العقد السادس من عمرها كانت تصرخ وتبكي وتلطم وجهها في حالة هستيرية، فحاول الجميع تهدئتها من دون فائدة، حيث كان يزداد صراخها مع ابنتها التي قالت للناس أن والدتها حضرت إلى هنا منذ أسبوعين لاستخراج البطاقة، وحين جاءت اليوم لاستلامها، أخبرها الموظف المختص بأن أوراقها غير كاملة بسبب خطإ الموظف الذي استلمها منها، وأنها ستحتاج إلى الانتظار لأسبوعين آخرين.

المحزن أن السيدة لم تكن تصرخ وتلطم وجهها لأن استلام البطاقة سوف يتأخر أسبوعين، بل لأنها لن تستطيع صرف معاشها الشهري من دون بطاقتها الشخصية، وهي لا تملك دخلاً سوى ذلك الراتب الذي يكفي حاجياتها الأساسية من أكل وشرب فقط.

كان الموظفون يعاملون الناس بطريقة مهينة، وبعدم اهتمام، ما جعل فايز يتمنى لو كان وافق على أن تنهي له الواسطة إجراءات بطاقته، فقط حتى لا يقف لثلاث ساعات كاملة شاهداً على حكايات الناس الموجعة عن ضيق الحال.

عن طوابير العالم العربي

يقول الباحث الاجتماعي في معهد الدراسات والبحوث العربية التابع لجامعة الدول العربية حسام يوسف أن الطابور في العالم العربي يعبر عن الفساد والفوضى الموجودَين في دول عربية عدة.

بحسب يوسف، فإن الغرب ودولاً عربية غنية، منها الإمارات نجحت في تسخير التكنولوجيا بهدف تسهيل حياة الناس على أن تنجز الخدمات كلها التي يحتاجونها من بُعد وهم في بيوتهم أو أعمالهم. "لكن الدول الفقيرة، أو الغنية التي لا تمتلك رؤية تكنولوجية لتسهيل حياة الناس، فيستمر فيها الطابور ليكون جحيماً يزيد متاعب الناس"، يقول الباحث.

الطابور في تفاصيل حياة المواطن العربي في العادية كلّها، يقول يوسف ويكمل: "فهو دائماً في انتظار شيء ما يجعل حياته أفضل، طالب الجامعة كأنه في طابور منتظراً التخرج وفرصة عمل، طفل الشارع كأنه واقف في طابور طويل في انتظار مجتمع مدني يهتم به ويحل مشكلاته، كبار السن كأنهم في طابور منتظرين مجتمعات تسهل لهم حياتهم".

أما الباحثة والطبيبة بسمة عبدالعزيز فتفاعلت مع فكرة الطابور بطريقة إبداعية مختلفة، حيث كتبت رواية باسم "الطابور" (صدرت عام 2013) ترى في العالم العربي مجرد مواطنين يصطفون في طابور طويل انتظاراً لفتح البوابة التي تعبر عن السلطة.

يقف في الطابور الطويل نماذج مختلفة من المواطنين العرب: هناك مثقف محبط، صحافي ثائر، وشخص متطرف، ونساء مكافحات، وفقراء، ومرضى يرفض النظام علاجهم.

"طابور" بسمة عبدالعزيز يحكي باختصار عن أناس اختزلت حياتهم وأحلامهم وحتى كوابيسهم في طابور طويل بلا نهاية، وسلطة مستبدة تقمع الجميع. والطابور هو الدليل الأكبر على ذلك القمع.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

كلمات مفتاحية
العالم العربي

التعليقات

المقال التالي