لماذا نحب الحرب؟ It's complicated

لماذا نحب الحرب؟ It's complicated

"عبثاً يحاولون التطهّر بأن يتلوّثوا بالدم، مثل رجل بعد أن يستحمّ بالوحل يريد أن ينظّف جسده بالوحل! ومن يلاحظه يفعل ذلك يظنه قد مسّه خبل بالتأكيد!" (هيراقليطس)

هو "خبل" الحرب الذي لا ينتهي، ليس في الساحات وحسب، بل في النفوس. يمكن رصده بعبارات تزاحمت على صفحات فيسبوكيّة مع الحديث عن الحرب المحتملة على لبنان، إثر استقالة رئيس وزرائه سعد الحريري من السعودية.

"أهلاً بالحرب"، قال أحدهم، فردّ أحدهم مصفقاً "نحن لها". خرج محلّل متباهياً بأن "من شرب البحر لن يغصّ بالساقية".

وعندما "تجرأ" البعض معترفاً أنه خائف من الحرب، من آلتها المدمرة وضحاياها المكدسين بالآلاف، هزئ منهم حماة شعار "نداء الوطن". كيف يمكن لأحد أن يجيز لنفسه أن يخاف من الحرب، أن يقرّ برفضه لها؟

حينها لم يكن للخائفين سوى أن يشعروا بالذنب من جبنهم، متسائلين عما إذا كان الوطن الذي بداخلهم قال لهم غير ما قاله للآخرين.

"لماذا نحب الحرب؟"، شغل السؤال باحثي علم النفس والاجتماع.

لم يدعِّ أحد الوصول إلى جوهر الحقيقة التي تجعل الإنسان يخوض الحرب ثم يعيدها ثم يحتفي بها فيعيدها من جديد. لكن ثمة خطوط عامة تبلورت لتفسير منطلقات هذا الحبّ، الذي يجعل إنساناً عايش أكثر من حرب، فقد فيها من فقد وعرف ويلاتها من قتل ومجاعة وتشريد، يصرّ على حبّها.

"إذا كنت تريد إثارة الحماس في نفس أحدهم، عليك بكلمة الحرب"، يقول ديفيد لايف في مقال له حمل عنوان "لماذا نحب الحرب؟".

يستطرد لايف شارحاً "نفهم حماسة الحكومات والأنظمة للحرب، فمن وجهة نظرها هي ذات منفعة سواء في بسط النفوذ أو كسب الموارد. لكن لماذا يسارع الناس العاديين، وقود الحرب الأساسي، لركوب القافلة؟ هنا يكمن السؤال".

الحاجة للتميّز

ثمة جانب نفسي لتلك المسألة، يفسّره لايف باعتبار أن " الصراعات تغذي شعور البشر بأنهم أحياء… وجودنا الرتيب والشديد العادية يكتسب معنى إضافياً عندما نختار جبهة لنتموضع فيها ونبدأ بالتصويب على الجبهة الأخرى".

من هذا المنطلق، يمكن لحياة الناس المملة أن تصبح بوجود الحرب ممتلئة بالواجب والميلودراما والموت والتضحية، والأهم بالبطولة التي يمكن أن يكتسبها "الرجل العادي" في الحرب، إذ يُتاح له القيام بأعمال توصف بـ"البطولية"، فيتم تكريسه بطلاً.

في المسألة النفسيّة، يشير لايف إلى واقع حرمان الناس من القدرة على التأثير في حالات السلم، تحت سلطة العديد من الأنظمة، لكن الحرب تأتي لتمنحهم صوتاً وقدرة للتعبير عن وجهة نظرهم الاجتماعية والسياسية والدينيّة.

هنا تصبح الحرب حاجة نفسيّة، تُشعر المرء بكينونته، من دون أن تلزمه بالتفكير بحلول لمشاكله في حالة السلم، فينخرط بالحرب ولو أنه لا يدرك نتائجها لأنه مقتنع أن ما ستتمخض عنه المعركة لن يُحاسَب عليه شخصياً، فالجميع يعلم أن "الحرب يقررها الكبار".

أقوال جاهزة

شارك غرد"أهلاً بالحرب" قال أحدهم، فرد أحدهم مصفقاً "نحن لها". لماذا نحب الحرب سؤال شغل باحثي علم النفس والاجتماع

شارك غردنفهم حماسة الحكومات والأنظمة للحرب، لكن لماذا يسارع الناس العاديين، وقود الحرب الأساسي، لركوب القافلة؟

التسلية

يعدّ الأمريكي ويليام جيمس أحد رواد علم النفس الحديث، وقد قال مرة إن الحرب شائعة بهذا الشكل لما فيها من تأثيرات إيجابية على نفوس البشر.

برأيه، تخلق الحرب إحساساً بالتوحّد في وجه خطر يهدّد الجموع وتربط الناس ببعضهم البعض، لأنها تبثّ شعوراً بالانصهار لأجل أهداف جمعية وتلهم الجماهير (وليس فقط الجنود) على التصرف بشرف وغيريّة.

هكذا حسب نظرية جيمس، لا بد من الاعتراف، ولو كان الأمر صعباً، أن البشر يحبون الحرب لأنهم يستمتعون بها، إضافة لما تتيحه من اختبار مشاعر كالتضحية والشجاعة يصعب اختبارها (بشكلها العاطفي) في حالات السلم.

من المستغرب تسمية آلة القتل بالمسلية، لكن الجانب الإيجابي للحرب، وإن يغيب عن معظم وسائل الإعلام، لكنه يبقى في ذاكرة من عايشوها. في الحرب ثمة مساحة للكثير من التسلية والإبداع الثقافي والنشاطات التي تغذي الروح.

الإحساس بالرجولة

يربط آخرون حب الحرب بالرجولة. من يسوّق للحرب يجد لمثل هذا الخطاب من آذان صاغية وبنادق متأهبة في بلدان تعلي من شأن الرجولة.

هنا تأتي خلطة الدفاع عن الكرامة لتغلّف عقدة النقص. يقول الباحث مصطفى حجازي في كتابه "سيكولوجيّة الإنسان المقهور" إن "عقدة العار هي التتمة الطبيعية لعقدة النقص. الإنسان المقهور يخجل من ذاته، يعيش وضعه كعار وجودي يصعب احتماله. إنه في حالة دفاع دائم ضد افتضاح أمره، ضد افتضاح عجزه وبؤسه".

في هذه الحال، تحتل عبارات العزة والكرامة مكانة أساسية في خطاب الإنسان المقهور. برأي حجازي، تصبح قضايا كـ "بقاء الرأس مرفوعاً والاحتماء من كلام الناس مصيرية بالنسبة له. يستطيع أن يعيش بلا خبز، لكنه يفقد كيانه الإنساني إذا فقد كرامته وظلّ عارياً أمام عاره. تلك هي النقطة التي تنهار معها الطاقة على احتمال مأساة القهر والبؤس" (ص 47).

بعد ذلك تلعب البروبغندا دورها بامتياز.

في خطاب له في العام 1944، قال القائد العسكري الأمريكي جورج باتون إن "الحرب هي المنافسة الأكثر روعة التي يمكن لإنسان أن ينغمس فيها. تُظهر أفضل ما لديه من جوانب، وتمحي أكثرها انحطاطاً. كل الرجال يخافون خلال المعركة، لكن الجبان هو الذي يسمح لخوفه أن يتغلّب على إحساسه بالواجب. والواجب هو جوهر الرجولة".

وبالعودة إلى عامل الرجولة، قد يشرح هذا الفيديو الساخر للكوميدي جورج كارلين عن ارتباط الحرب بالتنافس على "حجم القضيب" بعضاً من الأسباب "الساركاستية" لحبّ الحرب.

وهم التفوق الدائم

في مقال شهير نشرته "فورين بوليسي"، شرح كل من عالم النفس الأمريكي - الإسرائيلي دانيال كانمان والباحث السياسي جوناثان رينشون نظرية Persuasive Hawk بالقول إن "غالبية الناس تعتقد أنها الأذكى، والأكثر موهبة من غيرها، وتبالغ في تقدير نجاحاتها المستقبلية".

بحسب النظرية يعيش هؤلاء "وهم السيطرة"، ويبالغون باستمرار بتقدير حجم السيطرة حول النتائج المرجوّة، حتى لو أتت تلك النتائج عشوائية أو حددتها قوى مغايرة عنهم. من هنا يتحمس البشر للحرب لأنهم يخطئون بالاعتقاد أنهم سيربحونها دائماً "لأنهم الأفضل".

وفي إطار متصل، تشرح "نظرية الروبيكون" (اللاعودة) الأمر، فهي ترى أن شعور الناس بتهديد فعلي تجعلهم يقطعون العتبة النفسية التي تدفعهم للبحث عن بدائل سلام، لحساب شعور بالثقة المفرطة يجتاحهم ويشدهم للانخراط في سلوك خطر.

قصة حب معقدة

حظيت الحرب بالجزء الأكبر من التاريخ وسردياته. وشكل المجتمعات الحالي هو خلاصة الحروب التي شهدتها البشرية، أما الدين واللغات والثقافات الحالية فتعتمد غالباً على هوية من ربح الحرب في الماضي. وعليه، يبدو أن الحرب تحدد من نحن.

في شهادة مهمة، كتب الضابط ويليام برويلز مراجعته عن السبب الذي يجعل شخصاً مسالماً ولا عنفياً يستلذّ بفكرة الحرب.

يقول إنها (الحرب) "رياضة مكتملة الأركان لأنها تستنفر طاقتنا العضلية والوجدانية لأقصى حدودها"، متسائلاً "ألا يجد الناس متعة عظيمة في ألعاب القتال الإلكترونية ومشاهدة أفلام الحرب السينمائية؟ أليس حماسهم هذا دليلا على وجود استعداد فطري لديهم للتلذذ بالقتل الحقيقي؟"

وجودنا الرتيب والشديد العادية يكتسب معنى إضافياً عندما نختار جبهة لنتموضع فيها ونبدأ بالتصويب على الجبهة الأخرى

برأيه "إن كان على الشخص أن يكون صادقاً مع نفسه فعليه أن يعترف بأن الحرب ممتعة وبأنه يحبها". لماذا؟ "هي قصة حب ككل قصص الحب، مبنية على مجموعة متناقضات، بعضها غير مؤلم ويمكن مناقشتها وبعضها غائر أصعب من القدرة على فهمه".

يسأل برويلز "لماذا هو، الإنسان المسالم والأب الذي يدرك ما تفعله الحرب بالأطفال أولاً، يحب الحرب ويشتاقها"؟

ثم يجيب بأنه يشتاقها لأنه يحبها، ويحبها لقدرتها على جعل المناطق الرمادية أكثر وضوحاً، فـ"في حالات الحرب يمكن تمييز الصديق من العدو بسهولة". يحبها لما تخلقه من روابط مقدسة بين الناس، فـ"في عالم يقوم على علاقات مزيفة، يمكن لرفيق الحرب أن يضحي بنفسه من أجلك".

حسناً، هذه هي الأسباب البسيطة، فما هي تلك الغائرة في العمق؟

يحكي برويلز عن جمالية الحرب التي تمس عمق الجوهر الإنساني بين الجنس والدمار، بين الجمال والرعب، بين الحب والموت. "في الحرب وحدها يمكن أن نلامس المجالات الأسطورية في أرواحنا… إنها للرجال أشبه بالمشاعر التي تجتاح المرأة أثناء الولادة".

وهذا يفسّر بدوره حقيقة أساسية مرتبطة بالقصص الحلوة التي تصلنا، ووصلتنا سابقاً، عن الحرب. فـ"كل قصة جميلة عن الحرب هي، في عناصرها المحورية، كاذبة. وكل ما كانت القصة أفضل، كلما كانت الحقيقة فيها أقل"، يعترف المقاتل السابق.

هيفاء زعيتر

صحافية لبنانية. عملت في صحيفة السفير، ثم مراسلة لقناة الجديد اللبنانية، وقناة فرانس24 الناطقة باللغة العربية.

التعليقات

المقال التالي