شائعات اليوم أخطر من سابقاتها… كيف يمكن كشفها؟

شائعات اليوم أخطر من سابقاتها… كيف يمكن كشفها؟

لدى الحديث عن الشائعات، يقول جان نويل كابفيرير في كتابه "الشائعات الوسيلة الإعلامية الأقدم في العالم" إن الشائعة تقتل، ويستند إلى قصص كل من الوزير روجيه سالينغرو الذي انتحر في عام 1936، والسياسي روبير بولان الذي انتحر في عام 1979. كان كل منهما قد تعرض لحملة من الشائعات "فاقت قدرتهما على الاحتمال".

هل تساءلتم يوماً عن خطر الشائعات؟ هل تساءلتم عن إمكانية إنهاء الشائعة حياة شخص، أو مسيرته المهنية أو حتى إمكانية تسببها بأضرار نفسية طويلة الأمد؟ عدا أنها تلعب دوراً في تشويه الحقائق والوقائع وفي توجيه الجمهور.

ومن الشائعات ولد مصطلح صحافي متداول جداً هو: "الأخبار الكاذبة" التي باتت في المدارس والجامعات والمكاتب، تنطلق من أخبار سريعة كحادث سير إلى أخبار كبيرة متعلقة بحملات سياسية أو خضات أمنية وغيرها.

الشائعات تحيط بنا إذاً، واليوم، مع بروز عناوين سياسية محلية وإقليمية كبيرة، تعتبر الأجواء السائدة بيئة مناسبة لتكاثر الشائعات وانتشارها.

في عصر شبكات التواصل، بات ذيوع الشائعة المتعلقة بالخبر الكاذب أسهل وأسرع، لأن الانتشار متعلق دائماً بالخبر الأكثر تداولاً. بين لبنان والسعودية على سبيل المثال، انتشرت صورة لرئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، الذي كان قد أعلن استقالته من الحكومة، السبت الماضي من المملكة العربية السعودية، خلال جلوسه في سيارة، يده تغطي جزءاً من وجهه، ويبدو باكياً.

تمت إعادة تداول الصورة بضع ساعات، حاول البعض نفي صحتها وعمد آخرون إلى ربطها بالأحداث والأخبار الأخيرة - والتي لم يجرِ تأكيدها أو نفيها بشكل قاطع حتى اليوم - عن كون الحريري تحت الإقامة الجبرية في السعودية.

تبين لاحقاً أن الصورة المتداولة تعود إلى عام 2011، وكان الحريري يومذاك يبكي على وفاة الأمير سلطان بن عبد العزيز.

شائعة اليوم أخطر من سابقاتها

تقول كاتيا ريا، مديرة قسم التواصل الاجتماعي في جامعة القديس يوسف في بيروت "لا أستطيع اليوم أن أسيطر على الشائعة، فما كان يتم تداوله على الألسنة بات اليوم على شبكات التواصل وعملية السيطرة تتطلب جهوداً واسعة". وتتابع "إن كنت لا أستطيع السيطرة على الشائعة، فبإمكاني على الأقل متابعتها عبر الهاشتاغ ومعرفة من هي الأطراف التي تعيد نشرها".

تعتبر ريا أن إحدى إيجابيات انتشار شبكات التواصل الاجتماعي هي تمكين المتابع من رصد أي خبر، من خلف الشاشة، ولكن هل يكفي ذلك؟

"المتابعة غير كافية، فالخطوة المثالية تحدث لحظة انتشار الشائعة من خلال توضيحها عبر المعنيين: إن كانت صحيحة، فلا ضير من تأكيدها سريعاً، وإن كانت غير دقيقة، فينبغي للطرف المعني التوضيح، لأن ذلك يساهم بالحد من انتشارها قبل أن تصل إلى ذورتها وتتسبب بأضرار غير مرغوب فيها".

عدا أن السكوت يلعب دوراً سلبياً، بحسب ريّا، إلا في حالة واحدة، أي في حالة الشائعة المتعلقة بالموت، والتي تدحض نفسها بنفسها لدى ظهور الشخص حياً يرزق على الإعلام أو متابعة نشاطاته على شبكات التواصل.

أقوال جاهزة

شارك غردهل ما أقرأه صحيح؟ من هو مصدر الخبر؟ ولم نشره الآن؟ من المستفيد؟ وهل أستطيع تحديد مصادر أُخرى نشرت الخبر؟

شارك غردالطبيعة البشرية تدفع كل شخص تلقائياً ليصدق ما يقوله له أصدقاؤه... ربما علينا أن نصبح شكاكاين

لأن الجميع سئم القراءة...

لقد تنامت قدرتنا على الوصول إلى أي نوع من المعلومات، والحصول على أجوبة عن أسئلتنا عبر عمليات بحث مبسطة عبر الأنترنت الذي قلل من أهمية استشارة خبراء في عدة مضامير.

على سبيل المثال، يتساءل الكثيرون لمَ الذهاب إلى عيادة الطبيب في كل مرة نصاب فيها بأعراض مرضية، عندما يمكننا استشارة الانترنت؟ لمَ قراءة التحقيقات والأخبار فيما يمكننا الحصول على "زبدة الخبر" من تغريدة واحدة على تويتر؟

"ربما لأن عدداً كبيراً من المستخدمين سئم القراءة ويحاول إثبات معرفته بالأخبار وبكل شيء" يقول محمد نجم، مدير في منظمة Smex المعنية بالحريات الرقمية في لبنان والعالم العربي.

يضيف نجم: "هذا الهوس بمناقشة الأخبار، والتسابق إليها ليس فقط بين الصحافيين بل أيضاً بين المواطنين العاديين، دفعا بالجميع لمشاركة المعلومات سريعاً قبل التأكد من صحتها، ويحصل ذلك باستمرار عبر تطبيق واتسآب، وإعادة تداول شائعة قد تكون انطلقت من لا شيء".

الجميع مهتم بالوصول إلى الحقيقة، ولكن الطريق إلى تلك الحقيقة شائك ومعبّد بالأخبار المفبركة والتغريدات المزيفة، لذا علينا جميعاً طرح أسئلة قبل أن نتبنى الخبر، بحسب نجم: من هو مصدر الخبر؟ ولمَ نشره الآن؟ من المستفيد؟ وهل باستطاعتنا تحديد مصادر أُخرى نشرت الخبر نفسه؟

كلّنا شركاء في الترويج

بحسب دراسة أجراها معهد "PEW" للدراسات في الولايات المتحدة الأمريكية، تبيّن أن 39% من القراء قادرون على الفصل بين الخبر الحقيقي والخبر الزائف، وهو رقم مرجح أن يتراجع مع تقدم الحيل المستخدمة لنشر الأخبار الكاذبة والشائعات.

تؤكد الدارسة أن الطبيعة البشرية تدفع كل شخص تلقائياً ليصدق ما يقوله له أصدقاؤه. فعدد كبير من المستخدمين اليوم على سبيل المثال يعتمد على شبكات التواصل للحصول على الأخبار.

ووجدت الدراسة أيضاً أن 23% من الأشخاص اعترفوا بمشاركة أخبار كاذبة على شبكات التواصل، والمفاجأة أن مشاركتهم لم تكن عن طريق الخطأ دائماً.

وفي وقت يبلغ عدد مستخدمي تويتر 328 مليوناً وعدد مستخدمي فيسبوك مليارين، تعتبر نسبة 23% "مخيفة وكبيرة"، بحسب الدراسة.

التجربة الإيطالية في محاربة الأخبار الكاذبة

"الأخبار المفبركة تقطر سماً يومياً ونحن نقتات منه خلال مراقبة وقراءة الأخبار على الإنترنت. إننا مصابون بداء الأخبار المزيفة من دون أن نعي ذلك"، قالت لورا بولدريني، رئيسة مجلس النواب الإيطالي في شهر أكتوبر الماضي خلال ترؤسها جلسة لمناقشة المشروع الجديد الذي تقوده مع وزارة التربية.

المشروع الذي يستهدف 8000 طالب، يطمح إلى تعليمهم أسس التحقق من الخبر، ودراسة مواضيع نشرها صحافيون في إيطاليا، والمقارنة بين الخبر الحقيقي والخبر المزيف.

ولتحقيق أهداف مشروعها، تتعاون الحكومة الإيطالية مع شركات رقمية رائدة، في طليعتها فيسبوك، لتمكين الجيل الجديد الغارق في عالم شبكات التواصل من التدقيق في مدى صحة الأخبار المتداولة في إيطاليا التي تعتبر بيئة مناسبة جداً لانتشار الشائعات، بحسب صحيفة "نيويورك تايمز".

وتأمل بولدريني التي كانت صحافية قبل دخولها عالم السياسة أن يكافح المنهج الجديد نظريات المؤامرة والادعاءات المفبركة التي تشهد إيطاليا انتشارها باستمرار، وترى أنه من حق التلامذة، أطفالاً كانوا أم مراهقين، الدفاع عن أنفسهم من كل ما هو زائف والابتعاد عن الكذب.

وتختم: "إذا كان الطالب مطلعاً على أسس العمل الرقمي بطرق علمية آمنة، فربما لن يكون ضحية الأخبار الكاذبة في المستقبل، ويستطيع نقل هذه المعرفة لمحيطه وأهله".

لونا صفوان

لونا صفوان، صحافية لبنانية. عملت في عدد من المواقع الإلكترونية الناطقة باللغتين العربية والانكليزية على تغطيات أحداث الربيع العربي، الرقابة والحريات الصحافية.

التعليقات

المقال التالي