كيف تتحول الأكاذيب حقائقَ في وسائل التواصل الاجتماعي؟

كيف تتحول الأكاذيب حقائقَ في وسائل التواصل الاجتماعي؟

انتشر حديثاً خبر في وسائل التواصل الاجتماعي العربية، يفيد بإحالة المذيع المصري المثير الجدال أحمد موسى إلى نيابة أمن الدولة العليا المصرية، على خلفية إذاعته تسجيلاً صوتياً مزعوماً يخص حادثاً إرهابياً شهدته مصر أخيراً، وهو حادث الواحات.

الخبر الذي تبادله مستخدمون مصريون وعرب كثر في وسائل التواصل الاجتماعي، أرفق بصورة للقطة من شاشة التلفزيون المصري الحكومي تظهر موسى مع عنوان "إحالة المذيع أحمد موسى إلى نيابة أمن الدولة العليا بتهمة إذاعة تسريبات تضر بالأمن القومي".

سرعان ما نقلت مواقع إخبارية عدة الخبر (غالبيتها مواقع مغمورة) ليتحول من مجرد منشور مزيف مرفق بصورة تمت صناعتها عبر برامج تحرير الصور إلى خبر يظن كثرٌ - حتى الآن - أنه حقيقي، ولم يفت بعض المواقع إضافة زيادات عليه، منها أن فضائية صدى البلد قررت وقف المذيع وبرنامجه.

لكن الحقيقة أن الخبر عار من الصحة، والفضائية نفت رسمياً صحته، ولم يرسل إلى المذيع أي استدعاء من أي نوع، كما أنه لا يزال يقدم برنامجه "على مسؤوليتي" بشكل طبيعي.

ينضم هذا الخبر "المضروب" إلى قائمة لا تتوقف من الأخبار التي يتبادلها كثر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على الرغم من أن غالبيتها غير صحيحة، وببعض التفكير المنطقي يتضح أنها مفبركة. ومع ذلك، سرعان ما تتحول حقائق يصعب نفيها.

أحد هذه الأخبار المفبركة يتعلق بالسعودية، حيث تحول خبر مزيف يزعم أن المملكة قررت إنشاء مسارات وردية اللون تسير فيها السيارات التي تقودها نساء، حقيقةً. وبعد التحقق من الصورة المرفقة، تبيّن أنها خاصة بمقترح من إحدى شركات التأمين البريطانية، يهدف إلى تخصيص طرق للسيدات لتقليل نسبة الحوادث ولا علاقة له بالسعودية.

فايسبوك وتويتر في قفص الاتهام

تعد الأخبار المفبركة مشكلة كبيرة تؤرق حكومات كثيرة في العالم، فبحسب ما نشر موقع The New York Times حديثاً، فإن مديرين تنفيذيين لأشهر مواقع التواصل الاجتماعي، سيمثلون قريباً أمام لجنة في الكونغرس للإجابة عن أسئلة حول استخدام منصات فايسبوك وتويتر من قبل القراصنة الروس وغيرهم بهدف نشر أخبار مفبركة هدفت إلى تشويه الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة.

يقول الموقع أنه أثناء الحملة الانتخابية الأميركية في 2016، باع موقع فايسبوك إعلانات بأكثر من 100000 دولار لشركات على علاقة بالكرملين، كما باع موقع غوغل إعلانات بأكثر من 4500 دولار لحسابات مرتبطة بالحكومة الروسية.

ويؤكد الموقع أنه كان هناك عدد ضخم من الحسابات الوهمية والمواقع التي اشترت إعلانات من مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة لنشر أخبار مفبركة تتعلق بالانتخابات بهدف إحداث انقسام بين التيارات السياسية المختلفة في أميركا.

هذا الأمر جعل موقعاً مثل فايسبوك يبدأ أخيراً ما يمكن أن نطلق عليه حملة لمحاربة الصفحات والحسابات المزيفة في محاولة لوقف شلال الأخبار المزيفة.

ولكن، لماذا يصدق بعض الناس الأخبار المفبركة حتى تلك التي يظهر بعد التفكير أنها غير منطقية؟ يرى تقرير The New York Times أن انحيازنا السياسي يلعب دوراً كبيراً في تصديقنا الأخبار المزيفة. فمثلاً إذا كنتم تعارضون رئيساً معيناً، فستصدقون أي خبر سلبي ينشر عنه، وإذا كنتم تكرهون ممثلاً معيناً أو مطرباً فستقومون بنشر أي خبر سيئ عنه لمجرد أن تشعروا نفسياً بأن كرهكم إياه على حق.

يرى التقرير أيضاً أن بعضنا مستعد لتصديق أي خبر من دون تحقق إذا كان مَن نشره "رمزاً" بالنسبة إليه. فمثلاً إذا كنتم تحترمون شخصية سياسية ونشرت خبراً ولو كذباً فستتعاملون معه باعتباره حقيقياً.

أقوال جاهزة

شارك غردلماذا يصدق بعض الناس الأخبار المفبركة حتى تلك التي يظهر بعد التفكير أنها غير منطقية؟

شارك غردبعضنا مستعد لتصديق أي خبر من دون تحقق إذا كان مَن نشره "رمزاً" بالنسبة إليه...

فشل وسائل الإعلام هو السبب؟

يرى علي جمال التركي مؤلف كتاب "صناعة المواقع الإخبارية" أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت المصدر الرئيسي للحصول على معلومات لغالبية الشعوب، خصوصاً العربية وذلك لأسباب عدة، أهمها الانتكاسة المهنية التي يعيشها جزء من وسائل الإعلام، خصوصاً بعد ثورات الربيع العربي.

يقول التركي لرصيف22، أنه بعد احتجاجات تونس ومصر، عاشت المجتمعات العربية ما يسمى «الهجرة الجماعية» إلى مواقع التواصل الاجتماعي للتعرف إلى أبطال تلك الثورات، والذين كان وجودهم بكثرة عبرها. وفي ظل تراجع وسائل الإعلام وسياساتها التحريرية عن دعم هذه الاحتجاجات، لم يجد الجمهور إلا تلك المواقع للحصول على معلومات تفتقد غالبيتها الدقة.

"الثقة المفقودة بين الجمهور ووسائل الإعلام التي دائماً ما توجه إليها الاتهامات بنفاق السلطة أياً كانت، فضلاً عن ظاهرة الصحافة الشعبية التي جعلت من السهل الحصول على المعلومات والحقائق بوساطة رموز وسائل التواصل الاجتماعي، من العوامل التي جعلت أشخاصاً يعتبرون وسائل التواصل مصدراً موثوقاً للأخبار"، يقول التركي.

الحل من وجهة نظر الكاتب هو ضرورة الاهتمام بالقراءة المقارنة بحيث يجرى البحث عن المعلومات من أكثر من مصدر، والتأكد منها بأكثر من طريقة، مع تقديم الشك على اليقين لأنها الطريقة الوحيدة للوصول إلى الحقيقة وفق تعبيره.

كيف تتحققون من صحة ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي؟

تقدّم ورقة بحثية اطلع عليها رصيف22 للباحث عمر غازي بعنوان "الشائعات في عصر وسائل التواصل الاجتماعي... الواقع وسبل المواجهة"، نصائح عملية للتحقق من الإشاعات منها استخدام مواقع البحث بالصور للرجوع إلى مصدر كل صورة وتاريخها ومعرفة المعلومات المرفقة بها، والتأكد ممّا إذا كانت عُدّلت أو زُيّفت، وذلك من طريق مواقع عدة، منها موقع tineye أو موقع صور غوغل.

تضيف الورقة البحثية أنه من المهم البحث عن التاريخ الحقيقي لأي إشاعة، فإشاعات كثيرة قديمة يُعاد نشرها من جديد من وقت لآخر. ومن طريق البحث، يمكن العثور على النفي من أرشيف الصحف والمواقع العالمية والعربية. فالقاعدة تقول أنه إذا انطلقت إشاعة ما، فإن كشف مصدرها كفيل بقتلها.

من المهم أيضاً التواصل مع الجهات المعنية إذا كان أي خبر متعلقاً بوزارة أو بجهة حكومية أو بمؤسسة ما، وذلك من طريق حساباتها الرسمية أو موقعها الإلكتروني...

وبحسب الباحث، فإنه يجب تجاهل الإشاعات ذات التأثير الضعيف التي قد تنشر في صحف مغمورة أو في مواقع إلكترونية مغمورة، حتى لا يكون تسليط الضوء عليها سبباً في نشرها.

غياب قوانين الحق في المعلومات هو السبب؟

لكن، هل تتحمل وسائل التواصل الاجتماعي المسؤولية كلها؟ حاولت دراسة أخرى اطلع عليها كاملة رصيف22، عملت عليها الباحثة الأكاديمية يسرا حسني من كلية الآداب في جامعة أسيوط (جنوب مصر) أن تجيب عن هذا السؤال.

توصلت الباحثة بعد استطلاع رأي شمل مئات الناشطين في مواقع التواصل أن السبب الرئيسي لنمو الإشاعات وانتشارها في مواقع التواصل الاجتماعي، هو غياب المعلومات الرسمية الواضحة والدقيقة.

وأضافت الدراسة أن التعامل مع الإشاعات يحتاج من الدول إلى تطوير استراتيجياتها في الاتصال، ومد الجمهور بالمعلومات والبيانات الصحيحة والدقيقة.

وتعاني دول عربية عدة من غياب قوانين تنظم حق الأفراد ووسائل الإعلام في الوصول إلى المعلومات، وهو الأمر الذي ترى الباحثة أنه الوقود الذي يزيد اشتعال نيران الإشائعات في وسائل التواصل الاجتماعي.

رصيف22

رصيف22 منبر إعلامي يخاطب 360 مليون عربي من خلال مقاربة مبتكرة للحياة اليومية. تشكّل المبادئ الديمقراطية عصب خطّه التحريري الذي يشرف عليه فريق مستقل، ناقد ولكن بشكل بنّاء، له مواقفه من شؤون المنطقة، ولكن بعيداً عن التجاذبات السياسية القائمة.

التعليقات

المقال التالي