قوائم وشهادات عن التحرش الإلكتروني في مصر... ما مدى فعاليتها؟

قوائم وشهادات عن التحرش الإلكتروني في مصر... ما مدى فعاليتها؟

في العام 2009، كانت تسير الفتاة المصرية شيرين محمد في شارع السودان (أحد شوارع محافظة الجيزة)، وفجأة اقترب منها رجل كبير في السن، هامساً لها عبارات جنسية، فأُصيبت بصدمة عارمة إذ كانت هذه أول تجربة لها مع التحرش اللفظي في حياتها.

تقول شيرين لرصيف22: "كان عمري وقتذاك 18 عاماً، كلام الرجل سبب لي صدمة، لن أنسى هذا اليوم أبداً، لا أتذكر ملامح الرجل، لكن صوته الأجش كان يحمل كل القبح والنذالة".

عادت شيرين إلى منزلها منهارة، دخلت غرفتها وظلت تبكي يومين من دون أن تخرج منها، ورفضت –أو خافت- أن تخبر عائلتها بما حدث، وبدأت والدتها تتحدث عن أن ابنتها محسودة أو ملبوسة بمس شيطاني.

تقول شيرين إنها اتصلت بخالها وطلبت الجلوس معه، وحين حكت له ما حدث شرح لها أن ما واجهته يسمى تحرشاً، وهو ظاهرة كانت منتشرة في الشارع المصري حينذاك.

"أتذكر كل كلمة قالها لي الرجل. وأسأل كيف قال لي هذا الكلام وأنا محجبة وأرتدي ملابس واسعة؟ كنت أتصور أن ملابسي ستحميني، قبل أن أدرك أن الأمر لا علاقة له بالملابس"، تحكي شيرين.

لم تكتب شيرين ما حدث لها حتى الآن على حسابها على فيسبوك، ولم تشارك عبر وسم #MeToo، فهي تشعر بألم شديد كلما تذكرت هذا الأمر الذي تسبب في خوفها من الشارع والمجتمع، بحسب قولها "لكني سعيدة بأن الناس تكتب وتعبر عن نفسها. التحرش وحش لن يعرف من لم يمر به مدى الرعب الذي يسببه".

ساهم وسم #MeToo العالمي في تشجيع العديد من الفتيات والسيدات في العالم العربي على الحديث مجدداً عن تجاربهن مع التحرش الجنسي، وفي مصر أطلقت فتيات على موقع تويتر ما يمكن أن نطلق عليه قوائم سوداء للمتحرشين.

إذا كانت الفتاة المصرية لم تكتب تجربتها على الوسم العالمي الذي سبب جدلاً كبيراً، فإن هناك مئات من الفتيات العرب قمن بهذا الأمر من دون خوف، ونقلت مشاركاتهن كل الألم والرعب من تجربة التحرش.

قوائم سوداء للمتحرشين

الجديد في ملف التحرش في بلد مثل مصر التي تعد من أكثر بلاد العالم من حيث نسبة التحرش بالنساء، وأختيرت عاصمتها أخيراً أخطر مدينة في العالم بالنسبة للنساء، هو ظهور قوائم تحوي أسماء العديد من الشخصيات بعضها له شهرة على مواقع التواصل الاجتماعي تقول فتيات إنهم تحرشوا بهن عبر الرسائل الشخصية.

لكن رصيف22 لم يتأكد من صحة الاتهامات التي جاء ذكرها في هذه القوائم، خصوصاً أن الفتيات لم يقدمن بلاغات رسمية ضد هذه الشخصيات.

لكن الأكيد هو أن التحرش منتشر في مصر بشكل لا يتصوره عقل بحسب إحصاءات رسمية وتقارير حقوقية، كما يمارسه ذكور من مستويات وثقافات مختلفة بحسب شهادات لفتيات عدة.

نصائح قانونية لمن تواجه تحرش

يقول المحامي والحقوقي أحمد أبو المجد إن هناك بعض الأمور يجب أن تدركها كل فتاة قبل أن توثق أي جريمة تحرش تحدث لها، أهمها محاولة توثيق الواقعة بالتصوير أو الفيديو إذا كانت في الشارع أو في مكان العمل، وبحفظ أي رسالة تصلها عبر الإنترنت.

كما يجب على كل فتاة سرعة الإبلاغ سواء بالاستعانة بأقرب شخص موجود بجوار المجني عليها قادر على حمايتها أو أقرب مركز من مراكز الشرطة، ولو كان التحرش عن طريق الانترنت فعن طريق إخطار إدارة مكافحة جرائم الحاسبات وشبكات المعلومات التابعة لوزارة الداخلية وهو جهاز موجود تقريباً في كل الدول العربية.

ومن المهم أن تحتفظ كل فتاة بالأرقام الساخنة التي توفرها البلد التي تعيش فيها للإبلاغ عن قضايا التحرش حتى تتصل بها عند الحاجة لتوثيق الواقعة، وأن يكون معها أيضاً ارقام منظمات حقوقية تعمل في قضايا التحرش لتتلقى عبرها نصائح ودعماً نفسياً.

ينصح أبو المجد النساء بعدم نشر أي اتهام على وسائل التواصل الاجتماعي في حالة التحرش الإلكتروني قبل الإبلاغ رسمياً عن الجريمة، حتى لا يعرف الشخص الذي تحرش ويوقف حسابه مثلاً، أو يطمس دليل الإدانة.

أقوال جاهزة

شارك غردفي مصر: قوائم تحوي أسماء العديد من الشخصيات بعضها له شهرة على مواقع التواصل الاجتماعي تقول فتيات إنهم تحرشوا بهن

شارك غردمن الأفضل عدم نشر أي اتهام على وسائل التواصل الاجتماعي في حالة التحرش الإلكتروني قبل الإبلاغ رسمياً عن الجريمة

ويرى أن القوائم السوداء التي تحوي أسماء متحرشين قد تكون غير مفيدة إلا في حالة صدور أحكام قضائية، حتى لا يساء استخدامها كوسيلة كيد أو في تصفية الحسابات السياسية مثلاً واحتراماً لمبدأ الخصوصية.

"لكن من المفيد أن تنشىء النساء مجموعات سرية على فيسبوك مثلاً للحكي عن وقائع تحرش زميل لهن، وبعد جمع الملاحظات من الممكن التقدم بشكوى جماعية ضده، وعقب صدور الحكم ممكن نشره على وسائل التواصل الاجتماعي كعقاب إضافي لهذا المتحرش"، يقول أبو المجد، ويضيف: "من الممكن إعداد قوائم للمتحرشين على وسائل التواصل الاجتماعي تقوم بها منظمات نسوية  بعد التحقق من وقوع التحرش، والتأكد من صحة الوقائع المذكورة، وذلك عن طريق صفحات تدار من خارج مصر حتى لا تتم ملاحقة القائمين عليها قضائياً بتهمة التشهير.

وأخيراً يؤكد أحمد أن العمل الجماعي في كشف المتحرشين مفيد أكثر من العمل الفردي، كما أن التضامن والمساندة ضمان لعدم خوف الضحية.

إنه سكران

حققت مشاركة لفتاة اتهمت شخصاً بأنه تحرش بها الكثير من الجدل، لأن للشاب متابعين كثراً على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو لم ينف فعلته وكتب منشوراً على فيسبوك يقول فيه إنه يعترف بها، لكنه كان في حالة سكر ولم يكن يدرك ما كان يقوم به.

الغريب هو تبريرات متابعيه من الرجال والفتيات على حد سواء، إذ كانت غالبية التعليقات ترى أن كونه في حالة سكر، فهذا مبرر طبيعي للتحرش، وأن الفتاة يجب أن لا تشهر به، ووصل الأمر ببعض أصدقائه إلى وصفه بالشجاع لأنه اعترف أنه كان في حالة سكر.

وكتب آخرون أن الفتاة تستحق التحرش بها لأنها سمحت لنفسها بالمرور في مكان به سكارى.

ويمكن اعتبار المثال السابق تطوراً مختلاً لتبرير أغرب يرى أن الفتاة هي السبب في التحرش بسبب ملابسها التي تغري الرجال في الشارع، وهو التبرير الذي يقول نشطاء وحقوقيون إنه يتكرر حين يقررون العمل على مبادرات تتعلق بالتحرش.

علماً أن هذا التبرير ينتشر في مصر برغم أن إحصاءات رسمية تؤكد أن المحجبات والمنتقبات يعانين من المشكلة نفسها.

الحكي في مصلحة النساء

ترى ناميس عرنوس مؤسسة موقع إحكي المعني بتوثيق قصص النساء إن الكتابة عن التجارب الحياتية للمرأة سواء كانت تجارب قاسية وذات حساسية عالية مثل التحرش أو حتى تجارب حياتية ناجحة، هي أمر مفيد وفي مصلحة النساء.

"بعد تجربتي في موقع إحكي وإيماني بأهمية الحكي والمشاركة، أنا مؤمنة تماماً أن الحكي عن مشكلة مثل التحرش قد يكون أمراً صادماً لبعض أطراف المجتمع، لكن أهميته تأتي في إظهاره حجم الكارثة التي كانت قابعة خلف الكتمان والخوف والخجل، وتكشف ما تتعرض له الفتيات والنساء كل يوم وكل ساعة، في الشارع، والعمل وحتى داخل المنزل". تقول عرنوس لرصيف22.

وترى ناميس أن صدمة المجتمع وخلق مناخ مفتوح عام لمناقشة قضية التحرش هما أول خطوة حتى يمكن علاج المسألة علاجاً مسؤولاً، وللشعور بمأساة تعيشها كل فتاة وسيدة في المجتمع المصري والعربي على اختلاف مستوياتهن الاجتماعية والمادية ومعتقداتهن ودرجة تحررهن.

"وحين نتعامل مع شهادات الفتيات التي تكتب على وسائل التواصل الاجتماعي فيجب أن نبتعد عن استخدام مصطلحات مثل المهنية، لأنه مصطلح يمكن استخدامه في الصحافة حين تنقل أو تتابع القضية، من خلال الضحايا، أما ما تكتبه الفتيات فيجب التعامل معه باعتباره صدقاً وجرأة"، هكذا ترى ناميس.

وتنصح ناميس كل فتاة وسيدة بأن تتكلم وتحكي عن تجاربها بمنتهى الشفافية والجرأة وبكل صدق، وخاصة عن التحرش الإلكتروني، وأن توثق كل دليل يفيد قضيتها مثل نسخ الرسائل التي تصلها مثلاً، فكلما قصت النساء ما يحدث لهن على نحو مفصل وموثق كانت قصصهن مؤثرة.

مصطفى فتحي

صحافي مصري حاصل على الماجستير في الصحافة الإلكترونية من كلية الاعلام في جامعة القاهرة، و"المركز الدولي للصحافيين" في واشنطن. يعمل حاليًا مدير تحرير لموقع "كايرو 360"، ويكتب لصحيفة "السفير" و"شبكة الصحافيين الدوليين"

التعليقات

المقال التالي